الأبله: لم يكن حذراً .. كان جميلاً!

هذه هي القراءة الثانية لرواية الأبله، بعد القراءة الأولى عام 2008م. عندما قرأت القراءة التي نشرتها هنا عن الرواية لم أصدق أني كتبت تلك المقالة. ليست سيئة. لكن لم أجد أي شيء يتعلق بالرواية وفكرتها. تحدثت في المقال السابق عن بعض المشاهد الفنية الرفيعة – وهي لا تشكل إلا الجزء اليسير من حقيقة النص وفكرته. ولذلك ها أنا أعيد كتابة القراءة من جديد.

………

كثيراً ما كنت أتناقش مع الصديق العزيز عدي الحربش حول رواية الأبله. لفت نظري إلى حقيقة كنت منتبهاً لها في قراءتي الأولى وتناسيتها في القراءة الثانية. هي حقيقة بسيطة لا تشكل شيئاً من الرواية لكنها تشكل جزء أصيل من شعرية دوستويفسكي. في غالبية أعمال دوستويفسكي الكبيرة لم يكن هناك أي حضور للطبيعة: غالباً ما يكون المكان غرفة صغيرة سوداء يوجد فيها طاولة صغيرة وبعض الأرفف والأيقونات، أو غرفة مستأجرة يسكنها بعض المستأجرين الفقراء فيتجمع كل شخوص الرواية في هذا المكان لتعبير عن رؤية ضيقة وقاتمة تمثل الفكرة بحد ذاتها، بمثابة انعكاس للفكرة. لأول مرة منذ أن بدأ كتابة الأعمال الطويلة يقتحم دوستويفسكي عالم الطبيعة بشخصية الأبله، الأمير ليون ميشكين. في وسط الأزمة التي عصفت به، وهو ينتظر قريبته آجلايا في الحديقة الخاصة بالمنزل، تذكر نفسه حين كان واقفاً فوق قمة أحد الجبال السويسرية. حين كان مقطوعاً عن العالم. حين كان أبله تماماً لا يفقه شيء. لا يستطيع التواصل مع العالم. يسمع أصوات جميلة، ويرى مناظر رائعة، يؤمن أن في هذا الجمال الذي يرفع النفس إلى مقام عالي قادر على إنقاذ العالم .. لكن من الذي سيستمع إليه؟ هو الشاب النحيل المريض بمرض عقلي جعله رجل بعقل طفل. لا يستطيع أن يسمع. لا يستطيع أن يتكلم. لا يقدر على التعبير. وهو ينظر إلى هذا التجلي الجمالي في العالم، وهو الفاقد لكل قدرة على التواصل مع الآخرين: يعبر عن نفسه بالبكاء .. بكاء أصم أبكم! يريد أن يعلن عن نفسه، أن يقول للعالم أنه يرى الآن آية من آيات صنع الله، المطلق الجمال.. يريد من العالم أن يشاركه تلك اللحظة: أمامه سماء ساطعة، وتحت قدميه بحيرة رائعة، ومن حوله أفق مضيء يبلغ من السعة أنه يبدو بغير حدود. لا يستطيع أن يعبر أو يشارك الجنس البشري تلك اللحظة: لا يستطيع إلا أن يكون مهصور القلب غماً وكمداً، ويذرف دموع غزيرة.

” هذه الصورة إذا قرأتها لا أستطيع أن أمنع نفسي من البكاء .. هذه قمة الشعرية في الأبله “.
…..


من المثير للانتباه أن دوستويفسكي لم يكتب أي رواية بوليسية في أي عمل من أعماله. قد يشير بعض القراء إلى التحقيقات في الجريمة والعقاب أو الأخوة كارامازوف كمثال على البوليسية في الأحداث. لا أصف هذه الفصول بالبوليسية، لأننا لو دققنا النظر فيها لوجدنا أنها عبارات عن صراعات نفسية بين شخصيتين كل شخصية تدفع بالحد الأقصى من فكرتها. يحدث هذا تماماً في رواية الأبله: كل شخصية تحمل فكرة. هذه الفكرة قد تتعرض للإصلاح أو للنقض. لكن المؤلف هنا يجعلها غير قابلة للإصلاح أو النقض. كل واحد منهم يدفع بالفكرة إلى الحد الأقصى. ومن المثير للانتباه كذلك أن أغلب شخصيات دوستويفسكي في أعماله الكبيرة هم من الرجال. شخصيات ذكورية. لا وجود لشخصية نسائية ذات حضور رئيسي فاعل و مؤثر كما في آنا كارينينا تولستوي أو إيما بوفاري فلوبير. قد يشير أحد القراء إلى شخصية سونيا في الجريمة العقاب كطرف مؤثر لكن الواقع أنها ليست مؤثرة أو بمعنى أصح رئيسية إلى تلك الدرجة من قوة التأثير في خطوط الرواية وبنتيها الرئيسية. الشخصية النسائية في أعمال دوستويفسكي الكبيرة غالباً ما تتلقى، ولا تبادر بالفعل الذي يقوم عليه بنيان النص أو قصة الرواية. في الأبله الأمر مختلف وقد يكون الاستثناء. من شخصيات الرواية هي شخصية ناستاسيا فيلبوفنا. لأول مرة في أعماله يخصص دوستويفسكي شخصية نسائية كطرف رئيسي مؤثر في أعماله. ناستاسيا فيلبوفنا امرأة مختلفة. هي جميلة إلى أقصى حد. هذا الجمال كما تقول آديلائيد قادر على صنع ثورة. حين تذهب إلى سهرات الأوبرا كان جمالها يخطف الأبصار. الجميع يرى فيها جسد بلغ من قوة الجمال أنه قادر على تدمير العالم. لم ينفذ أحد إلى روحها إلا الأبله المسكين الأمير ميشكين، حين عبر عن هذا الجمال بقوله أن خلف جمالها هناك ألم كبير وعذاب عظيم. هذا العذاب العظيم حدث عندما كانت شابة صغيرة لا حول لها ولا قوة. تبناها رجل من الرأسماليين وأحسن تربيتها. وما إن سطع جمالها انقض عليها: صرخت الأنا الحيوانية بداخله أن يأخذ نصيبه من هذا الكائن الذي بلغ هذا المبلغ من الجمال الساحر والفاتن. إذا كان الشخص الذي ينتشل فتاة فقيرة من البؤس والفقر، ويحسن إلى الضعفاء والعمال وصل إلى هذه الدرجة من الحقارة: هل بالإمكان أن يكون هنا حب في هذا العالم؟ هل هناك شيء اسمه إحسان أو نفس خيرة إذا كانت الأنا الحيوانية هي المتحكمة بعقل الإنسان؟ هناك حب وهناك خير في هذا العالم. لكن من سيقنع ذلك الإنسان الذي تعرض للانتهاك أن هناك حب أو نفس خيرة؟ سوف يكفر بكل حب. لا وجود لنفس خيرة. ليس هناك إلا أنا حيوانية هي المسيطرة على الغالبية من البشر. وهذا ما تؤمن فيه ناستاسيا فيلبوفنا. كل من يتملقها أو ينظر إليها لا يسعى إلى صداقتها أو معرفتها عن قرب. كل واحد منهم يطلب نصيبه من هذا الجسد. هذه الشخصية عاشت في الجحيم لسنين طويلة. لا يمكن لمن عاش في عذاب ساحق أن يغفر لمن دمر حياته. إن كان هذا العذاب سيؤدي إلى سقوط، فمن الأجدر أن يكون السقوط شاملاً وكاملاً. يشمل الذين يفعلون، والذين يراقبون، والذين كانوا السبب في الخطايا: القانون الذي يتناسى المسبب الأول، والمجتمع الذي لا يسعى إلى إيقاف المسبب الأول الذي يتمتع بحصانة اجتماعية وسياسية، كل هؤلاء هم هدف أول للانتقام. هذه الصورة تذكرني بشخصية كاترين في رواية البعث لتولستوي. هي مؤمنة بكل شيء جميل على هذا الأرض، لكن ما إن انقض عليها أحد أصدقائها الذي كان يرعى الفقراء، كفرت بكل شيء ولم تعد تؤمن بأي خير في هذا العالم.

كاترين لم تعد تؤمن بوجود الخير، رغم أن المذنب سعى بكل ما فيه إلى التكفير عن ذنبه. ناستاسيا فيلبوفنا آمنت بوجود الخير، بعد أن اكتشفت أمير. أمير ليس مثل أمراء الطبقة الراقية في المجتمع الذي تعيش فيه. أمير أبله، مصاب بمرض الصرع. يحمل صفات مختلفة وفريدة. إنسان مطلق الصدق، مطلق الجمال والكمال، طيب القلب، طفل حقيقي في هيئة رجل، لا يكذب ولا يخدع. همه الأكبر في الحياة إدخال الفرح والسرور إلى كل مخالفيه، إلى أعداءه وأصدقاءه على السواء. تبدو الفكرة مريعة إذ ماذا سيحصل لهذا الطفل إذا تم قذفه داخل عالم مسعور شرير لا يوافق صفات الأمير، طيب القلب المسكين. حين تطلع إلى صورتها للمرة الأولى لم ينكر أنها جميلة، بل أصابه نوع من المس، وحاول أن يمس روح صاحبة الصورة، فتنبأ بأن خلف جمالها الباهر عذاب كبير. هو الوحيد الذي مس روحها عندما حاول إيقاف الرعونة التي تتميز بها في المشهد الفضائحي في بيت جانيا: عندما طالبها بأن تحترم نفسها ولا تفعل شيئاً يمس بمركزها وكيانها. لأول مرة هناك من ينظر إلى روحها. آمنت به وآمن بها، وكان لهما المصير المشترك نفسه.

كتب دوستويفسكي في يوميات الكاتب أن كتاب دون كيخوته هو من أروع كتب الفكر الإنساني على الإطلاق. استلهم المؤلف من شخصية النبيل الألمعي دون كيخوته شخصيتين في أعماله: ستيفان في الشياطين، والأمير ميشكين في الأبله. لم ينقل المؤلف صورة كاملة لدون كيخوته في شخصياته الروسية. كان ستيفان في الشياطين مفكراً دون أي فكر. بينما الأمير مفكر أصيل لكن دون تجربة. كان دخوله الأول إلى هذا العالم عندما عاد إلى وطنه وهو يفهم ما يحدث ويتصرف إزاءه التصرف السليم. في حياته السابقة لم يكن هناك زمان. نقص التجربة أوقعه في مصائب وكوارث قادته إلى حتفه. لا يستطيع التفريق بين المنافس والعدو، فيتخذهم جميعاً أصدقاء له. لا يستطيع التفريق بين الشفقة والحب، فيرفع الشفقة إلى مستوى عال لا يوازيها إلا التضحية في سبيل الآخرين. ويضع الحب في مرتبة أدنى. هذه الفكرة أصيلة في شعرية دوستويفسكي. حين يرى المؤلف أن بطله الأمير الذي يحبه، يعبر عن فكرة روسية روحية تقول أن المرء لا يستطيع أن يحب دون يعاني. يجب أن يضحي بنفسه من أجل أن يحب. يجب أن يقفز عدة قفزات حتى يستطيع أن يعيش مرتاح الضمير. يقال أن دوستويفسكي لم يكتب رواية واحدة عن الحب في أعماله. الواقع أن دوستويفسكي كتب رواية عن الحب في هذه الرواية، وبشكل أوضح هي أكبر رواية كتبها المؤلف عن الحب. لكن ما هو نوع هذا الحب؟ الحب لدى المؤلف ليس استراحة أو محطة توقف نهائية. ليس هيام أو عشق. هي خطوة في مسيرة طويلة نحو الحقيقة. في الطريق نحو حب الأرض والناس والله. الحب عند دوستويفسكي ما لم يكن متصل بالأرض والله لا قيمة له، ويجب أن يسقط.

على النقيض من شخصية الأمير، هناك شخصية الشاب الأسمر روجويين. العاشق المتيم لناستاسيا فيلبوفنا. تبدو لي شخصية روجويين مشابهة لشخصية هيثكليف في مرتفعات وذرينغ لإيملي برونتي. الاختلاف الوحيد بينهم أن هيثكليف تغلب عليه شعور الانتقام، فأصبح عاشقاً بجنون قاده الانتقام إلى حتفه. بينما تحمل شخصية روجويين طاقة تدميرية. لا يستطيع أن يخضع مشاعره ويكبح نزواته. هو من النوع الذي إذا أحب تطرف فيه: على استعداد أن يحرق الملايين إذا طلب الطرف الآخر ذلك. وإذا استولى على ما يريد لا يستطيع أن يعيش، فتحدث الكارثة. يبدو مثالاً مميزاً للحد الأقصى الذي يسعى إليه المؤلف في شخصياته.

ناستاسيا فيلبوفنا تحمل مشاعر الانتقام بحدها الأقصى.
الأمير ميشكين يحمل مشاعر الشفقة بحدها الأقصى.
الشاب الأسمر روجويين يحمل مشاعر الحب بحدها الأقصى.

هذه المشاعر عبارة عن أفكار تتصارع فيما بينها. ولكن كيف بإمكان هذه الشخصيات التي تملك طاقات تدميرية هائلة للغاية أن يحبوا بعضهم بعضا، بل ويثقوا فيما بينهم ثقة عمياء؟ عندما وصل الأمير إلى موسكو قادماً من سويسرا، كان الجميع يصفه بالأبله، والمعتوه، والغبي .. لكن روجويين، الشاب الشهواني وثق بالأمير ثقة عمياء، بل وأحبه .. ولو نفذ روجويين في يوماً ما جريمة لن يعترف إلا للأمير الذي لا يستطيع إن يكذب عليه. ناستاسيا فيلبوفنا التي كانت تعيش في محيط من الطبقة الراقية والمحيط المالي الرفيع لم تعطي ثقتها يوماً لأحد، لكن ما إن شاهدت الأمير حتى وثقت به ثقة عمياء، ولو طلب منها أن تقذف نفسها بالجحيم لفعلت ذلك دون تردد. هذه ميزة من مميزات التحليل النفسي التي يتمتع بها المؤلف. ناستاسيا و روجويين هم من الشخصيات الذين تخطوا الجدار، تخطوا حاجز الأخلاق العامة. لم يعد بإمكان أي قانون أخلاقي أن يقف في طريقهم. الشخصيات الأخرى يتعاملون معهم كمنتهكين للقانون الأخلاقي العام: بينما الأمير (الذي يمثل المسيح الروسي كما يحب أن يطلق عليه المؤلف) يقابل هذا الانتهاك بالصفح واللطف. تظهر على قسمات وجه وأحاديثه التقوى والصلاح. وكأنه يقول لهم: أعرف ما عانيتم، قاسيتم عذاباً عظيماً وتستحقون فرصة ثانية. هو وحده الذي امتلك زمام المبادرة للصدق بدل التكذيب، هو وحده القادر على تلقي الصفعات في إعادة أحياء أرواح هائمة في الجحيم.

وصف دوستويفسكي رواية الأبله بالرواية الغنائية، وقال أحد النقاد أن السيد دوستويفسكي كتب قصة غير طبيعية، مليئة بالفوضى والتدمير، وقال آخرون أن دوستويفسكي زج بتفاصيل خاصة به في الرواية ليعطي الرواية قوة أكبر، وقال أحدهم: يا إلهي .. ما الذي لم يختلقه السيد دوستويفسكي في هذه الرواية التي هي بالحقيقة أغرب من كل ما نشره! فما حقيقة كل هذا؟ هناك ما لا يقل عن سبعة نقاط رئيسية هي السبب في ذلك. قبل أن أسرد بعض هذه التفاصيل أريد أن أعبر عن معارضتي الكبيرة لذلك الرأي الذي يقول: من الحماقة أن تسقط بعض أفكار الشخصيات الروائية على مؤلفيها. من يقول هذا الرأي لم يصل إلى مرحلة التذوق الفني الكامل، ذلك التذوق الذي إذا امتلكه القارئ سيستطيع بملكة المعرفة لديه أن يفرق بين رأي المؤلف الحقيقي وبين رأي الشخصية في الرواية. بل وأكثر من ذلك: يستطيع أن يقول أن هذا الحدث في الرواية هو من صميم سيرة حياة المؤلف الخاصة، و رواية الأبله مثال كبير وواضح للغاية.

النقطة الأولى: مرض الصرع.
إن كان هناك من كاتب أو مؤلف أو شخصية شهيرة عانت من مرض الصرع، لن يكون هذا الكاتب إلا دوستويفسكي. ذاق مرارة المرض، وكانت بعض النوبات أن تلقي به إلا الشلل التام. وأحد أبناءه من زوجته الثانية آنا غريغورريفنا توفي نتيجة لهذا المرض الذي ورثه عن أبيه المؤلف. دوستويفسكي يتحدث عن مرض الصرع في رواية الأبله عبر شخصية الأمير ليون ميشكين. يدفع بالقارئ إلى معرفة التفاصيل الصغيرة قبل الحدث الكبير نفسه. يفصل عن ما قبل النوبة وعن ما بعد النوبة. في الجزء الثاني من الفصل الخامس يبدأ دوستويفسكي العبث بشخصية الأمير عبر المونولوج الداخلي. حين يطوف الأمير في المدينة دون هدف أو غاية، حين يصل التوتر والقلق إلى أقصاه، حين لا يعرف أين هو الآن. الضياء الساطع بدأ يكسر جدار الظلمات التي تكسو نفس الأمير. وسط الحزن والقلق تستعر جميع القوى الحيوية. أنه يصل إلى طمأنينة عليا زاخرة بوعي لعلة العلل وغاية الغايات. وعي أعلى وإشراقات هائلة وحياة عليا، جمالاً متصلاً بالصلاة واللانهائية ..تلك هي الدقيقة الفاصلة بين الإنسان بشكله الطبيعي، وبين الإنسان المصاب بداء الصرع. أنات رهيبة تصدر من الجسد، لا هو بالإنساني، بل حيواني، أو كائن مختبئ في داخل الأمير، المصاب بداء الصرع، والذي عاني دوستويفسكي منه معاناة مريرة. دوستويفسكي يجعلنا نتساءل: هل ما يتحدث عنه المؤلف، عن لذة تصيب المريض قبل النوبة بدقائق، هل هي حقيقية؟ يعبر الأمير عن فكرة من أفكار دوستويفسكي المريض بمرض الصرع: حين يقول أن هناك دقيقة واحدة ينقطع فيها الزمان والمكان. لا يعرف في أي أرض يكون، أو في أي زمن هو. منطقة ما بين السماء والأرض تُدخل المصاب في لذة عميقة. غير أن تلك اللحظة من الانسجام الكلي والاتساق والجمال، لا تدوم إلا لحظة قصيرة، ثم تأتي بعدها الثانية الأخيرة، الثانية التي لا تطاق، فتخرج الأنات التي لا يتصورها الخيال. أنات ليس فيها ما يذكر بالإنسان، ومن يسمعها سيجزم أن هناك كائن مختبئ في جسد المصاب بالصرع. النصوص المؤثرة في الآداب ليست محصورة في الوقت الذي يتحرر فيه البطل من الضغوط، أو في إلغاء خطبة حماسية أو تحقيق انتصار، أو انقلاب حال البطل من حال إلى أخرى. دوستويفسكي لا يؤمن بذلك. هذه الفكرة مثلاً، تجسيد نوبة صرع في نص، تجبر أي قارئ أن يقول هذا النص نادر و مؤثر، بل هو نص حقيقي.. الفترة الزمنية للنوبة لا تتخطى الدقيقة الواحدة. لكن المؤلف يكتب أكثر من أربعين صفحة يستعرض فيها الإرهاصات الأولية للنوبة، والنوبة نفسها، ثم الإفاقة بعد النوبة وتداعيات النوبة في الأيام القادمة.

2 – النقطة الثانية: الإعدام
لمن قرأ القراءة السابقة عن رواية الشياطين سيعرف عن المؤثر الأكبر في حياة دوستويفسكي. هذا الحدث هو حكم الإعدام الذي صدر بحقه، وعند لحظة تنفيذ الحكم القضائي تم العفو عنه في مهزلة مدبرة من القيصر نفسه. دوستويفسكي لا يستطيع التعبير عن مرارة ما حدث له في ذلك اليوم حتى لأقرب المقربين له. لم يحدث زوجته قط عن ما حدث في ذلك اليوم الذي يلقي الرعب في قلبه. إذا أراد دوستويفسكي أن يحدث زوجته عن ما جرى ذلك اليوم لا يتحدث إليها مباشرة: بل يصرح بذلك عبر النصوص الروائية التي يلقيها زوجها المؤلف عليها وهي تكتب النص. لم ينجح دوستويفسكي في التعبير عن حقيقة ما حدث عندما كان يلقي عليها نص الجريمة والعقاب. أتذكر يوم كنت أقرأ الجريمة والعقاب كان هناك خمسة أسطر لم أفهم لماذا كتبها المؤلف. حين كان بطل الرواية يسير على غير هدى في المدينة مر في ذهنه فكرة تقول:

ترى أين قرأت أن رجلاً محكوماً عليه بالإعدام قد قام أو تخيل قبل إعدامه بساعة أنه لو اضطر أن يعيش في مكان ما، على قمة، فوق صخرة، بموضع لا تزيد مساحته على موطئ قدم، وكان كل ما حوله هوة سحيقة، خضماً كبيراً، ظلمات أبدية، عزلة خالدة، زوابع لا تنقطع، وكان عليه أن يبقى واقفاً على موطئ القدم هذا مدى الحياة، بل ألف سنة، بل أبد الدهر، لظل مع ذلك يؤثر أن يعيش هذه العيشة على أن يموت فوراً، أن يعيش فحسب، أن يعيش! أن يعيش أية عيشة، ولكن أن يعيش .. نعم، أين قرأت هذا الكلام! رباه، ما أصدق هذا الكلام .

هذه الفكرة ليس لها أي مبرر في النص. البطل كان مشغولاً بفكرة الحدث الذي وجد نفسه فيه، فكرة القتل والخطيئة والاعتراف. ثم ها هو يتخيل صورة ليست إلا انعكاس لذلك اليوم الذي وجد المؤلف نفسه فيه، قبل دقائق من لحظة الإعدام. في رواية الأبله ألقى المؤلف كل ما يتعلق بذلك اليوم في ثلاث قصص. لم تتخيل آنا غريغورريفنا أن زوجها الذي لم يحدثها قط عن تفاصيل ذلك اليوم، سيفصح عن نفسه بلسان الأمير دفعة واحدة، لا يترك دقيقة واحدة من تفاصيل ذلك اليوم إلا ويذكرها. عندما وصل الأمير ليون ميشكين إلى منزل الجنرال إيبانتشين، يستقبله الخادم وهو غير مصدق أن هذا الشخص الذي يرتدي أشياء رخيصة أمير من أسرة نبيلة. لم يكن هذا مكمن الاستغراب فحسب. المصدر الرئيسي لدهشة الخادم أن الأمير وجد نفسه يحدث الخادم عن تفاصيل حكم الإعدام الذي صدر بحق أحد المواطنين الفرنسيين في فرنسا. هذا الشاب الذي يقال أنه مريض يهاجم حكم الإعدام كما هاجمها ديكنز في قصة مدينتين، وكما هاجمها فيكتور هيجو في اليوم الأخير لمحكوم بالإعدام والبؤساء وفي رسائله لقادة الدول الأوروبية لوقف حكم الإعدام. وهو يسرد التفاصيل الدقيقة لمكان الألم الحقيقي, تسمع صوت المؤلف متدفقاً سارداً أشد ذكرياته ألماً:

الألم الرهيب الأكبر من حكم الإعدام نفسه .. الألم الرئيسي، الألم الذي هو أشد الآلام قوة قد لا يكون ألم الجروح، بل الألم الذي ينشأ عن يقين المرء من أنه بعد ساعة، ثم بعد عشر دقائق، ثم بعد نصف دقيقة، ستترك روحه جسدها : ليتني أستطيع ألا أموت! ليت الحياة ترد إلي، ما أعظم الأبدية التي سأنعم بها إذا أمكن ذلك ! لأحيلن كل دقيقة دهراً، ولأحصين جميع الدقائق لا أضيع منها واحدة، ولا أبدد منها واحدة.

لا يتوقف دوستويفسكي عن وصف اللحظات الأخيرة للموت إلى درجة أنه وصل إلى الكونتيسة دي باري، أثيرة لويس الخامس عشر. ويصف لحظات العذاب التي مرت بها قبل أن تقتص المقصلة من رأسها: ”أخذت تصرخ قائلة لحظة واحدة أخرى يا سيدي الجلاد، لحظة واحدة فقط. لا يمكن أن يتخيل المرء عذاباً للنفس البشرية أكبر من ذلك العذاب! هل تعلم ماذا تعني كلمة عذاب؟” .. عندما دخل الأمير إلى منزل عائلة الجنرال وشارك بنات الجنرال العشاء، كانوا يسخرون منه لبلاهته وغباءه الظاهر على سيماء وجه. ما إن قال أن هناك رجل قابله في خارج روسيا وحدثه ببعض التفاصيل الخطيرة في يوم من أيام حياته حتى كشف المؤلف عن وجوده داخل النص بشكل كامل. الأميرات الثلاث: آجلايا وألكساندرا وآديلائيد، ووالدتهم الجنرالة إليزابيث، ما إن استمعوا إلى قصة هذا الرجل والدقائق الفاصلة ما بين الحياة والموت، لم يتمالكوا أنفسهم: ها هنا أمر غير واقعي، كيف بأمير مريض لم يشفى من مرضه بشكل كامل، محب لكل الناس، يلقي الابتسامات على أعداءه وأصدقاءه على السواء، كيف وهو لم يتحدث مع إنسان قط .. أن يلقي مثل هذا الحديث المؤثر! ولا تجد الأميرة الصغيرة المراهقة آجلايا إلا البكاء كردة فعل طبيعة لاستماعها لهذه القصة المؤثرة. يجب أن أقول أن الدموع التي ذرفتها هي ووالدتها لم تكن في النص، لم يشر المؤلف إلى ردة فعلهم. كان ذلك في المسلسل الروسي. أمير يلقي قصص مضحكة، ثم هاهو يمسك زمام الحديث بكل قوة متحدثاً بفصاحة، منطلقاً في وصف أشد لحظات الإنسان رعباً!

3 – الأمير ليون ميشكين ممثلاً للقومية السلافية.
في الطريق إلى جنيف، يتوقف دوستويفسكي برفقة زوجته آنا في مدينة بازل ليوم واحد. ليس من أجل لعب القمار، ولا للاستدانة من أحد، بل من أجل لوحة! لوحة هانز هولبن. تخبرنا آنا زوجة دوستويفسكي عن تأثير هذه اللوحة على شخصية دوستويفسكي :

في الطريق إلى جنيف، توقفنا ليوم واحدٍ في بازل، و في نيتنا أن نرى اللوحة التي سمع بها زوجي من أحدهم. هذه اللوحة، و المرسومة بريشة هانز هولبن، تصور المسيح، بعد أن قاسى من العذابات ما يفوق طاقة البشر، و قد أنزل من الصليب و أُسلم للتحلل و العفن. وجهه المنتفخ مغطى بالجراح الدامية، و قد بدا مفزعاً. اللوحة تركت انطباعاً هائلاً على زوجي، و لقد توقف أمامها كما لو أنه مصعوق. بعدَ أن عدت إليه بعد ما يقارب الخمسة عشر إلى عشرين دقيقة، وجدت زوجي لا يزال واقفاً أمام اللوحة و كما أنه مربوط بها. بدت على وجهه المهتاج تلك الملامح المفزوعة التي اعتدت أن أراها في اللحظات الأولى السابقة لنوبات الصرع التي تداهمه. أسرعت بإمساكه من تحت ذراعه، و أخذته إلى غرفة أخرى، و أجلسته على كرسي، مترقبة في أي لحظة مجيء نوبة الصرع، لحسن الحظ أنها لم تأت.

في هذه اللوحة لهانز هولبن: الجسد ليس سوى عظم وجلد، والعينان مفتوحتان بصورة رهيبة، لا تريان ولا تعبران عن شيء، والشعر أشعث، والفم فاغر في جهد أخير للتنفس. على ذراعيه وفخذيه جروح عميقة متورمة. على وجهه آثار تعذيب رهيب، كل هذا يبدو موتاً لا رجعة فيه. لم يعد المسيح في لوحة هانز هولبن كما في التراث المسيحي: إله يكسو وجهه جمالاً أخاذا بعد إنزاله من الصليب، بل إنسان تعرض للموت والموت فقط.

” إن هذه اللوحة .. قادرة على أن تفقد المرء إيمانه دفعة واحدة!”

قيل أن اللوحة هي المسبب الأول لكتابة المؤلف لرواية الأبله. وفي نظري: أجد أن هذه اللوحة هي التي من خلالها يستطيع المؤلف أن يذكر سؤاله الرئيسي في الأبله، وفي كل الروايات الكبيرة: هل تؤمن بالله؟ نفس الصياغة كل مرة، نفس السطر في كل رواية .. وكأن هذا السطر كُتب قبل أن تتم كتابة الرواية. لم يستطع المؤلف أن يكتب كل ما اختمر في ذهنه عن الإيمان والإلحاد بأوضح وأصفى صورة إلا في نصه الأخير: الأخوة كارامازوف. أما في الأبله، فكان الأمر محدداً للتعبير عن وجهة نظر المؤلف الفكرية تجاه القومية السلافية وعلاقتها بالكاثوليكية الرومانية والتيارات الإلحادية والليبرالية ومختلف الاتجاهات الفكرية. الأمير ليون ميشكين لا يجد حلاً للأزمة والفراغ الروحي الذي يعصف بالغرب إلا عن طريق الروحية الروسية ممثلة بالأرثوذكسية. يحمل الكاثوليكية الرومانية مسئولية التعصب والكره والحقد، بل ويضيف أن الإلحاد لم يظهر بهذه الكثافة إلا بسببها. وإن كان هناك من حل كما يقول، لن يكون إلا بالإيمان الأرثوذكسي. هناك إشكالية أجد أن المؤلف قام بكشفها حتى قبل قيام الاتحاد السوفييتي. قد تبدو متناقضة إذا قمنا بقياس وجهات نظر الأمير الدينية بشكل كامل، لكن بعضها يبدو مثيراً للتساؤل: إذا كانت الكنيسة الرومانية كما يقول الأمير هي السبب في الإلحاد، فكيف يصف ما حدث في بلده بعد أربعين سنة؟ هذه تنبؤات مستقبلية مثيرة: الأمير ليون ميشكين يعطي الضوء الأخضر لكل الروس في الانتقال إلى أي جانب فكري، بل حتى إلى الإلحاد نفسه. وإذا انتقل الروسي إلى اتجاه فكري أو ديني آخر يصل إلى الحد الأقصى منه، إلى درجة التطرف الأعمى. هذا الانتقال السريع لأن الروس يعيشون ظمأ روحي هائل كما يقول، يبحثون عن شواطئ جديدة يلقون فيها كل ما يعصف بهم. وحين يكتشفون شاطئا جديداً يندفعون إلى ما وراءه ويتخطون الجدار. لو عاش الأمير أربعين سنة لكان بإمكانه إثبات تلك النظرية المثيرة للضحك عندما بدأت الإرهاصات الأولى للثورة البلشفية الروسية. أمر آخر يتعلق بخطاب الأمير حول القومية السلافية. من قرأ خطابات دوستويفسكي الصحفي في يوميات الكاتب سيجد سخرية لاذعة وهجوم عنيف تجاه المثقفين الروس (التابعون للغرب كما يصفهم). هذه السخرية تظهر في خطاب الأمير عندما يدعو الطبقة الراقية والمثقفين المتأثرين بالغرب إلى العودة لصفوف الشعب والتعلم منه والقيام بنهضة من روح الشعب نفسه ومن الثقافة المحلية، لا من خلال الثقافة الأجنبية كما يصفها. يقول المؤلف في إحدى مقالاته في يوميات الكاتب مخاطباً المثقفين الروس:

ما الذي استطعتم فعله لأجل الإنسانية؟ لأجل انتصار أفكاركم؟ لقد بدأتم بالتجوال غير الهادف في أوروبا، ونمت لديكم رغبة جشعة في التحول إلي أوربيين، ولو كان ذلك علي صعيد الشكل فحسب. من هو الأفضل: نحن أم الشعب؟ هل علي الشعب أن يسير خلف رايتنا أم علينا نحن أن نسير خلف الشعب؟ هذا ما يطرحه الجميع الآن، فما هو الجواب؟ أنا أجيب بصدق وصراحة: علينا نحن أن ننحني أمام هذا الشعب، ونأمل منه كل خير شكلاً ومضموناً، نحن من يجب علينا أن ننحني كالأطفال الشطار أمام صدق الناس، وأن نعترف به كحقيقة، و ألا نساوم على شعبنا مقابل أي ثمن. لا شيء يعادل فرحة الالتحام بهؤلاء الناس بكيانهم ..بتفكيرهم..فنحن نستطيع أن نتلاشى تماما أمام الشعب وإذا لم يحصل هذا فأننا سنموت كليا، كل على حده.. ولكن الاحتمال الثاني لن يحدث أبداً!

أما من نهاية لكتابة هذه القراءة؟ هناك أشياء كثيرة لم أتحدث عنها حتى الآن. منها خطاب المراهق هيبوليت الطويل. خطاب لا شأن له في مجرى الرواية الرئيسي على الإطلاق. رغم ذلك نجده يتحدث لوحده في خمسين صفحة! وعدد الشخصيات الثانوية كبير، يصل إلى الأربعين دون أي تأثير لهم في مجرى النص. لا ينفك المؤلف يزيد في إضافة شخصيات ثانوية بهدف التحقير من شأنها أولاً وأخيراً. هذا الصنف من الشخصيات لا يظهر إلا عند اشتمامهم رائحة العنف أو الفضيحة، ويقومون بدور المتفرج والكورس معاً.

أريد أن أتحدث عن حكاية ماريا والأطفال. وهي رواية داخل الرواية نفسها، وبالإمكان فصلها وطرحها كقصة قصيرة مستقلة. لم يكتب القدر لدوستويفسكي أن يكتب رواية عن الأطفال كما كان يتمنى. تحدث عن الأطفال في قصص قصيرة مستقلة مثل حلم رجل مضحك، وشجرة عيد الميلاد, وفي الأخوة كارامازوف، إلا أن أجمل نص كتبه عن الأطفال هو ذلك الفصل الذي يقص فيه الأمير قصة ماريا المصابة بالسل والأطفال. هذه الفتاة المصابة بداء السل كانت تُقذف بالحجارة من قبل الأطفال عند مرورها في الشارع. مكروهة ومنبوذة من قبل سكان المدينة، كانت ملعونة من قبل الكنيسة وسبب رئيسي في موت والدتها العجوز. ف كيف يحول دوستويفسكي هذه الفتاة المريضة التعيسة إلى كائن إنساني جميل، يُجبر الأطفال على التمرد على أراء أباءهم, ويستبدلون الحجارة التي تهوي على رأسها إلى حلوى وهدايا تقدم إليها؟ كانت ستموت تعيسة في الجبال جراء مرضها القاتل، لكن الأطفال .. أصدقاء الأمير الأبله يحولون حياتها إلى سعادة، تموت سعيدة في الأخير. حصلت على الغفران من الأطفال الذين يتدافعون على نافذتها تدافع العصافير ويصيحون قائلين:

نحن نحبك يا ماريا ..
نحن نحبك يا ماريا ..

Advertisements
هذا المنشور نشر في فيدور دوستويفسكي, أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s