عناقيد الغضب


إذا كان الأدب مرآة للواقع الاجتماعي بكل ما فيه من علاقات اجتماعية ونظم اقتصادية وسياسية فإن الأدب الأمريكي المعاصر من فترة العشرينيات إلى الستينيات من القرن المنصرم يشكل عصب هذا الأدب الواقعي الاجتماعي، والذي يستمد قوته وبنيته من أفراد هذا المجتمع الذين يعيشون في واقع مرير يجب إظهاره أمام الرأي العام كما هو .. وبكل قوة وشفافية.

نسمع كثيراً الآن ما يسمى بالأزمات المالية التي تعصف بدول منطقة اليورو، وقبلها الأزمة التي عصفت بدول أمريكا اللاتينية. الأزمة تؤثر في النتاج القومي لدولة ما ويقل صافي الدخل السنوي للفرد: يزداد الفقر، وينتج عن ذلك سوء للتغذية ونسبة وفيات مرتفعة لعدم توفر الطعام وانهيار العملة، إلى ما هناك من هذا الكلام. ما بعد الانهيار، أي في حالة تعافي الاقتصاد تصبح الأزمة مجرد ذكرى لا يتم تناولها في قادم الأيام إلا بالأرقام. فيتم طرح الأسباب وطرق العلاج وكيفية تعافي الاقتصاد. ولكن الأدب لا يهتم بالأرقام أو سبل معالجة الأزمة وكيفية تخطيها. بل يصوب سلاحه تجاه الفرد الذي عاش هذه الأزمة وكيف مر من خلالها، أو بمعنى أصح: كيف استطاع أن يحفظ الجزء القليل من إنسانيته دون انتهاك. تتردد كلمة الكساد الكبير Great Depression عند أي حديث عن انهيار سوق أو إصابة الاقتصاد بحالة كساد أدخلته في نفق مظلم. يشير هذا المصطلح في الماضي القريب إلى الأزمة التي عصفت بالاقتصاد الأمريكي والعالمي في ثلاثينيات القرن المنصرم عندما انهار سوق الأسهم بما يعرف بالخميس الأسود وانخفضت التجارة العالمية بين الدول إلى النصف. يتم تناول هذه الحالة الآن كجزء من تاريخ مضى، ولم يتم تناول حالة الفرد رغم بشاعتها لعدة أسباب. هناك أزمة، وما يوحد هذه الأزمة هو الرقم الذي يجب أن يعود كما كان. ينشغل رجال المال والاقتصاد بحالة الرقم والنسب والانخفاض والارتفاع وصافي الدخل ومستويات الدين. هذه الأرقام هي ما توحد بين الفقير والغني. هي عند الغني الغاية، لكنها عند أفراد الطبقة المتوسطة وسيلة وليست غاية. وسيلة للعيش دون أن يحدث اختلال في العائلة أو السقوط في براثين الفقر والخوف .. والغضب!

الروائي الأمريكي جون شتاينبك الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1960 تناول في رواية عناقيد الغضب حالة هذا الفرد الإنسان بعد أن تدخل الدوامة الاقتصادية في حالة كساد معتم لا يرى الإنسان البسيط نفق ضوء لكي يخرج من هذه الحالة الموجعة ويعود إنساناً حراً وكريماً كما كان.


لم يتناول شتاينبك حالة الكساد على المستوى القطري في الولايات أو على المستوى القومي في الإتحاد. في الرواية تبدو أن الأزمة أسبابها طبيعية مناخية أفرزت هجرات بين الولايات. في ولاية أوكلاهوما التي أصابها الجفاف، كان المزارعون وملاك الأراضي ينتظرون بفارغ الصبر موسم حصاد القطن. موسم الحصاد يعني مشاركة جميع أفراد العائلة في الحصاد، والحصول على دخل ثابت يساعدهم على تنظيم أمورهم الاجتماعية والاقتصادية. ولكن ها هو الجفاف قد حل على الأرض، وتحول الهواء النقي إلى عواصف رملية ترسم مستقبلاً قاتماً في المستقبل المنظور. المزارع الذي فقد حصاد هذه السنة يملك منزلاً مجاوراً للمزرعة، يحوي أفراد عائلته. جياع. يريدون الأكل والشعور بالأمن. أن يتسلل الجوع إليهم، معنى ذلك أن الخوف قادم، وحين يحل الخوف في النفوس تلوح في الأفق رايات الغضب فيحدث الانتهاك الذي يدمر الفرد ويشتت تماسك الأسرة المتماسكة. صاحب المزرعة لا يستطيع التخلي عن أرضه، فيجبر على الاقتراض من البنوك على أمل إعادة القرض والفوائد بعد سنة. ولكن ها هي سنة أخرى تمر دون حصاد, فيستولي البنك على الأرض، ويتم تهجير العائلة. وبدل أن تكون هناك عائلات تحصد القطن، يتجه البنك إلى سياسة التوفير والتقشف لتحقيق أكبر قدر من الربح: يجلب الآلة التي تستطيع القيام بعملها بما يوازي عمل عائلات بأكملها.

البنك، المؤسسة المالية، لا وجود لها على أرض الواقع. إنها وحش كاسر، لا أحد يوجهها، لكن القانون يحميها ويدافع عنها. البنك والمؤسسات المالية كائنات غير بشرية، لا تُرى على أرض الواقع، لكنها تحكم دول وترسم سياسات وتبني خارطة. صاحب الأرض الذي فقد أعز ما يملك يمسك سلاحه ليقتل الرجل الذي يحرك الآلة، ولكن ما الفائدة؟ سيأتي رجل آخر يحرك هذه الآلة. بإتجاه من يستطيع هذا الرجل الغاضب أن يصوب سلاحه؟ تجاه المؤسسة. ولكن أين المؤسسة؟ هناك في الشرق. ولكن أين في الشرق. سلسلة لا متناهية آن لها أن تحكم البشر، فتقرر تهجيرهم إلى اللامكان. ستفقد الأرض دفء الأيادي التي تحفر بكل محبة وحنان. ها قد وصلت الآلة التي تحفر دون رحمة ودون رقة. أرض المزرعة تحتضن المزارع حين يفقد وعيه بعد ساعات من العمل، فيتطلع إلى السماء ويجد ذلك المزيج الغريب من اللقاء السرمدي بين السماء والأرض. والآلة ما أن تتوقف حتى تشحن من جديد، فيصبح كل شيء محكوم بأرقام وآلات و تمزيق عائلات قررت الهجرة إلى أراض بحثاً عن عمل من أجل الطعام، لا لشيء آخر.

عناقيد الغضب هي أكثر الأعمال الأدبية غضباً وهجوماً ضد حالة الفقر والعوز التي أصابت الفرد في حالة كساد الاقتصاد القومي. وهي إلى ذلك أكثر الأعمال مهاجمة لطبقة الرأسمالية التي وجدت أفواه جائعة بالإمكان تشغيلها بأرخص الأثمان للحصول على أرباح هائلة بأرخص الأثمان. عائلة توم جود، المكونة من ما يقارب العشرة أفراد يقررون النزوح إلى كاليفورنيا للحصول على عمل كما تقول ذلك المنشورات الدعائية. فتبدأ المسيرة: سيرة الهجرة من أرض إلى أرض أخرى بحثاً عن العمل والطعام. من خلال هذه الرحلة المجهولة يضع جون شتاينبك في ذهن القارئ كيف سيكون مصير العمال حين لا يكون هناك نقابة عمالية تدافع عنهم. وكيف يستغل رجال الأعمال هذه الوفرة من العمال الباحثين عن عمل، فيوظفون بعضهم براتب قليل، وما إن يرفض العامل هذا الراتب حتى يأتي بعامل آخر وبسعر أقل من السعر الذي كان. هذا التحكم في الأجور حول عائلات ومجتمعات بأكملها قسم الأفراد إلى طبقتين: أسياد وعبيد. ولكن هذه المرة تحت سمع ونظر ومباركة القانون. وكذلك تظهر تلك الصورة الجهنمية حول أسعار السلع، وكيف أصبح دخل عائلة كاملة في يوم واحد لا يساوي أكثر من وجبة عشاء متواضعة لليلة واحدة.

هذا الانهيار والتحطيم في النفس البشرية مستمر حتى الآن وفي أغلب الدول. في بعض هذه الدول بالإمكان تحطيم هذا الرعب عبر القانون، ولكن في دول أخرى لن يكون التغيير إلا بالدم. المؤسسات الغير واضحة المعالم والمتحكمة بمصير أمة من البشر، وملاّك الأراضي يعرفون التاريخ، لكن قليل منهم استوعب تلك الدروس. الحقيقية التاريخية الكبرى – عنما تتركز الملكية في أيد قليلة جداً، يصبح ضياعها أمراً حتمياً. والحقيقة الأخرى: عندما تكون أغلبية الناس جوعى ومقهورين فسيأخذون بالقوة ما يحتاجون إليه، والحقيقة الصغرى التي تصرخ عبر التاريخ كله: القهر لا يؤدي إلا إلى تقوية المقهورين وتوحيدهم، ولكن هؤلاء يصمون آذانهم عن صيحات التاريخ الثلاث. تجاهلوا حال الاقتصاد المتغير، وخطط التغيير، ولم يتدبروا إلا في وسائل تحطيم التمرد بينما أسبابه ما تزال تستشري :

كيف يمكن أن تخيف رجلاً لا يسكن الجوع في أحشائه فقط، ولكن في بطون أطفاله الخاوية؟ لا يمكنك أن تخيفه – لقد عرف خوفاً لا يفوقه خوف!

سلك جون شتاينبك في عمله هذا طريقة سرد فني مختلف بحيث استطاع أن يجمع ما بين السرد الروائي المباشر، وسرد غير مباشر ومتحرر من كل الضغوط المحكوم بها الروائي. هذه الطريقة في السرد قد تسبب ضياع القارئ، فيبحث في النص عن طريقة لإخضاع النص لسلطة القارئ من جديد، فما بين السرد المباشر والغير مباشر فرق شاسع. ولذلك، جمع المؤلف ما بين هذه الطريقتين في فصول منفصلة عن بعضها البعض، بحيث يبدأ الفصل الأول وكأننا أم نص صغير للغاية يصلح بأن يكون قصة قصيرة، ثم الفصل الثاني يصبح المؤلف مباشرا ويدخل في عمق الأزمة التي حلت بسكان أوكلاهوما.

ثم يتوالى النص الأدبي هكذا إلى نهاية الرواية. السرد المباشر محكوم بأبطال النص والمكان. أما الغير مباشر فيتنوع بطريق مختلفة. في أحد الفصول الغير مباشرة نقرأ حواراً يدور بين شخصيات مختلفة ويصف الحالة النفسية التي غرق فيها هؤلاء الأبطال. ولكم من هم الأبطال؟ لا اسم لهم ولا يوجد تفريق بين بطل وآخر. فيتداخل الحوار مع بعضه البعض ولا يمكن التفريق فيما بينهم إلا في حالة ردة الفعل. وفي فصول أخرى يخرج المؤلف عن نطاق أبطاله ولكن يحكم نفسه بالمكان، فيهاجم بلا هوادة المؤسسات المالية والآلة الميكانيكية. هذا الهجوم قد يقرأه القارئ نثراً غنائياً بديعاً رغم ضراوة الأمر وتحطيمه للفرد، مثل الفصل الخامس الذي أصفه بأحد أفضل فصول الرواية على الإطلاق. هذا الفصل يصف دخول الآلة في المزرعة، فنرى الأرض من خلال لا وعي أحد الأبطال المجهولين وهو يصف التربة التي استوطن فيها الوحش فأصبح يزرع دون أن يقيم علاقة مودة وعطف بين الإنسان والنبات، وبين الإنسان والتربة. وعندما ينمو المحصول ويتم الحصاد فلن يمسك إنسان بقطعة دافئة من طين الأرض، ويترك ترابها ينساب بين أصابعه. البذرة التي لم يمسها إنسان ولم يتلهف على نموها أحد، الناس تأكل ما لم تزرع وليس ثمة ما يربطها بخبزها، والأرض تئن تحت وطأة الحديد، وتحت الحديد تموت ببطء، لأن أحد لم يحبها أو يكرهها, ولا صلى من أجلها أو لعنها.

22/9/2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s