الشياطين: دون كيخوته الروسي يرقص بين الثوريين


– 1 –
أريد التعبير عن أفكاري بكل قوة وحماسة. سيصرحون وينبحون ضدي: الملحدون والغربيون, وسيقولون أني رجعي، ولكن، ليأخذهم الشيطان! فسأعلن جميع أفكاري.
فيدور دوستويفسكي

– 2 –
السياق التاريخي الأول :
عند اعتلاء الإمبراطور نيقولا الأول العرش في روسيا تفجرت ثورة الديسمبريين في أوساط الجيش, وأدت إلى اضطرابات دامية. كان من نتائج تلك الثورة قتل من حرض على هذه الثورة ونفي البعض الآخر إلى سيبيريا. وافق القيصر على القيام ببعض الإصلاحات التي طالب بها الثوار الديسمبريين على أن ينفذها هو بنفسه دون ضغط من التيار الثوري. نشأت بعد هذه المذبحة الشهيرة عدة تنظيمات ثورية سرية تحمل أهداف سامية، وإن كانت الطريقة المراد تنفيذها تحمل كل الخطورة. إحدى هذه المجموعات الثورية جماعة بتروشيفسكي، والتي كانت تضم بين أعضاءها دوستويفسكي! الموضوعات الأساسية المطروحة في هذه الجماعة: العبودية، وإصلاح القضاء، وتحرير العبيد، ويتناولون بكل حرية أفكار المفكر الفرنسي شارل فورييه، ويقدمون أبحاث ومناقشات طويلة عن الإلحاد والدين والكفاح ضد الرقابة والأسرة والزواج. إن أخطر صدمة فكرية أصابت دوستويفسكي في هذه الحلقة الثورية هي أفكار فورييه. ينتقد فورييه بعنف العالم الرأسمالي، ويشبه التجار والمضاربين بأكلي لحوم البشر والمستعمرين الجدد. يقوم النظام الاقتصادي حسب تصوره على الظلم والفوضى والبؤس، ولا مناص من تبدل جذري في المجتمع لإنقاذ أفقر الناس. ولتحسين وضعهم يجب أن تقف الطبقة العاملة والمجتمع لخلق جمعيات زراعية وصناعية لتنظيم حياة مشتركة في صرح واسع ومريح. سقط دوستويفسكي بكل ما فيه تحت هذه النظرية. فورييه حسب تصور دوستويفسكي ينتهج نهجاً سليماً يفتن الروح برقته، ويدهش الفكر بانسجامه. لم يكن دوستويفسكي يتطلع إلى ثورة عارمة وانتقال السلطة إلى طبقة اجتماعية جديدة، ولم يستطع هو نفسه أن يكون ثورياً حسب تصور بعض أعضاء التنظيم رغم الحماسة التي يبديها تجاه بعض الأفكار. فقط، لمرة واحدة فقط، ولأول مرة في حياته تعاطف مع الثورة ” إيه, حسناً، ليكن التمرد”! لقد تعاطف مع أفكارها العميقة وأعلن استعداده للمساهمة في تطبيقها. ولكن باعتباره كاتباً لم يكن مستعداً للدفاع عن هذا الهدف ممتشقاً السلاح، بل كان يرنو إلى خدمة الشعب المتمرد عبر القلم.

– 3 –
السياق التاريخي الثاني:
في ساعة مبكرة من صباح 23 أبريل 1849م وبأمر شخصي من القيصر نيقولا الأول ألقت الشرطة القبض على دوستويفسكي وأودع في قلعة بتروبافلوفسكي ومعه مجموعة كبيرة من أعضاء حلقة بتروشيفسكي، إذ قام أحد أعضائها بالوشاية، وبينهم دوستويفسكي، الذي أمضى تسعة أشهر في زنزانة منفردة، في قلعة بطرس وبولس في مدينة بطرسبرج. حكم على الكاتب بالإعدام، واقتيد مع أعضاء الحلقة إلى ساحة الإعدام المطّوقة بالقوات المسلحة، وألبسوا قمصاناً طويلة بيضاء على قرع الطبول، وقرئ عليهم الحكم بالإعدام رمياً بالرصاص، وأوثق ثلاثة منهم إلى أعمدة خشبية مغروزة في الأرض. كان الروائي ينتظر دوره في المجموعة الثلاثية الثانية. وقف أمام كلّ منهم مجموعة من الجنود شاهرين بنادقهم المحشوة بالرصاص، وظل المحكومون ينتظرون تنفيذ الحكم مدة نصف ساعة في صقيع بلغ عشر درجات تحت الصفر، ثم جاءت عربة، وقرئ على المحكومين قرار القيصر بتخفيف الحكم من حكم بالإعدام إلى حكم بالأعمال الشاقة، وكانت هذه العملية تمثيلية مدبرة من القيصر نفسه، لكي يفقدهم عقولهم، ويظهر بالوقت ذاته مظهر الرحيم الغفور، ولقد فقد أحدهم عقله بالفعل، وطلب أحدهم في أثناء الانتظار إطلاق النار، لأن انتظار الموت أصعب من الموت نفسه، وشعر دوستويفسكي بعد استبدال القرار بالفرح، وكأنّ حياة جديدة وهبت له، وكأنّه ولد من جديد. رؤية دوستويفسكي للفكر الاشتراكي وإمكانية التغيير بقوة اليد بعد أن خرج من السجن تغيرت وحدث تطور نوعي في فكره. يرى دوستويفسكي أن الاشتراكيون يريدون إعادة خلق الإنسان وتحريره وتصوره دون إله ودون نسب، وهم على قناعة بأن تغيير واقع الإنسان الاقتصادي هدف لا يمكن تحقيقه إلا بالقوة. هل يمكن الخلاص في ذلك؟ هل يمكن الوصول إلى كل هذا باستخدام السلاح- إن المسألة بهذه الصورة مقامرة بالإنسانية كلها.!


– 4 –
في المنفى:
لا تتوفر مادة مثيرة يستند عليها دوستويفسكي في عمله عن التنظيمات الثورية. ما يتوفر لديه هو مقدمة عن الفكر الثقافي الروسي وبعض الشخصيات التي رسمها من تجربته في جماعة بتروشيفسكي، ولكن ينقصه المادة المثيرة، ما ينقصه النار التي تشعل هذا الكم الهائل من الوقود الراكد. أثناء انشغاله في مكتبه بدرسدن يحاول رسم خطوط رواية الآثم الكبير كان قد أتى الشاب سنيتكين شقيق زوجة دوستويفسكي لزيارة شقيقته وزوجها، وهو يحمل في يديه النار التي ستشعل شياطين دوستويفسكي، النار هي حادثة مقتل إيفانوف! كشفت جريمة القتل هذه عن رابطة انتقام ثورية، تضم أمثال باكونين الشيخ ونتشايف الشاب. في جامعة بطرس الأول وجد الطالب إيفانوف قتيلاً، كان قد تحول إلى كتلة من الجديد، تلقى طلقة نارية في خلف الرأس وخرجت الطلقة من العين. سرعان ما كشف النقاب عن هذه الجريمة الغامضة، فقد عرف من التحقيق أن جماعة من الشباب الثوريين شكلوا بزعامة نتشايف تنظيم سري يدعى رابطة الثأر الشعبي. كان الطالب إيفانوف يناقض ما يقوله نتشايف في الاجتماعات السرية للرابطة ولم يهتم لآراء التنظيم بعد أن أبدا رغبته في ترك التنظيم وخلق جمعية ثورية أخرى. أقنع نتشايف رفاقه بقتل هذا العضو الخطير الذي يستطيع الوشاية بهم، وفي وقت لاحق اقتاد خمسة من أعضاء هذا التنظيم إيفانوف بعد هبوط الليل إلى مكان معزول في إحدى الحدائق، وقتلوه ورموا جثته في النهر! أذهلت حادثة القتل هذه دوستويفسكي، عندما علم بتوجهات نتشايف شعر بأن أمامه موضوع أقرب للتطبيق ومعروف جيداً، ويقرر على الفور إدراج أحداث الصراع السياسي في عمله المقبل. ذلك العمل الذي كان مقدراً له أن يكون ضربة كبيرة ويتضمن نقداً مخيفاً وشديداً
– 5 –
العودة إلى الوطن:
بداية كتابة الشياطين كانت فترة قلقة لدوستويفسكي, عادت نوبات الصرع من جديد بعد فترة هدوء طويلة نوعاً ما، ويعود إلى ممارسة القمار ويخسر كل ما لديه، حتى لم يتبقى له أي شيء. وبدأت الحرب بين فرنسا وألمانيا، فتعيق الحرب أفكار دوستويفسكي المبعثرة أصلاً. الأحداث السياسية تعيد إليه غضبه الشديد ضد الاشتراكية الفرنسية والبلاد الأجنبية، العيش خارج الوطن تبدو له كسجن لن يستطيع الهرب منه أبداً. حصل لديه انطباع بأنه لم يعد يتذكر وطنه، وأن هذا الوطن لم يعد ينمي موهبته ولا يغذيها، وأنه رجل ضال وضائع مثل جميع الذين اقتلعوا أنفسهم من أرضهم. وهو في غمرة اضطرابه وانهيار معنوياته لم يجد له ملجأ سوى الكنيسة الأرثوذكسية. هو لا يرى الكنيسة كملجأ للروح فقط، بل يرى فيها روسيا التي يحلم بها، روسيا التي عاد إليه بعد أن فقد كل ما يملك بيومين فقط. هو يؤمن أنه خرج من سجن كبير وولد من جديد للمرة الثانية، أيقظت مشاعر الحرب والغربة في نفسه الإيمان من جديد. كان لديه شعور بأنه خرج من سيبيريا التي كان منفياً فيها. لن يستطيع أن يكتب الشياطين إلا في روسيا، هذه الرواية التي ليست إلا دفاع عن روسيا ضد الشياطين.

– 6 –
الشياطين:
قبل أربع سنوات، عندما كان دوستويفسكي يمثل بالنسبة لي القوة الرئيسية في الأدب، قلت أن هذه الرواية سياسية. هل من مجال للتراجع؟ هذه الرواية ليست سياسية وإن كانت السياسة تشكل الجزء الأصيل من العمل الأدبي. دوستويفسكي ليس سياسياً في هذه الرواية، ولو كتب الرواية بحيث يناقش فيها موضوعات سياسية بحتة قد يتعرض لموجة انتقاد عنيفة لا قبل له بها، وهو العائد من الغربة إلى الوطن. حين يتحدث عن السياسية قد يفتح باب الرق والعبيد والإصلاح القضائي والسياسي والاجتماعي. كل موضوع يستحق أن يفرد له عمل كامل. استخدم المؤلف طريقة ذكية في مناقشة كل هذه الجوانب بفكرة واحدة فقط: أن يهاجم الفكر بأكمله لا بإسقاط النظريات، بل بالسخرية منها وإظهارها بمظهر التفاهة. الفكرة تمت سرقتها من قبل التيار الثوري الذي يؤمن بالعنف المسلح. ذلك العنف الذي سيزهق أرواح بريئة ليس لها ذنب إلا تواجدها على هذه الأرض. الطرف الفكري الأول في الرواية يسخر من الطرف الفكري الثاني في الرواية. لا توجد حلول. البحث عن حل يستلزم بحث آخر. المهمة الرئيسية الآن هي القيام بعمل ملهاة ساخرة تبيد الجميع بلا استثناء.

– 7 –
البداية الأول:

ضللنا الطريق فما عسانا فاعلين
الشيطان يجرنا هنا وهناك
ويديرنا إلى كل الجهات
.. .. .. .. .. ..
ما عددهم، وإلى أين يسيرون مسرعين؟
ماذا تعني أغنيات الحداد هذه التي يرددونها
أهم يدفنون أحداً من أهلهم ؟
أم هم يزوجون ساحرة؟

يبدأ دوستويفسكي الرواية بأبيات من بوشكين: السلاح الأول الذي سيرفعه في مواجهة الشياطين. الأبيات الأولى تتضمن تحليل لسيكولوجية الأبطال، ويظهر الصراع الحاد بين العقل الذي يريد الثورة بكل دمويتها، وبين النفس التي تهوى الأرض والحرية. وهي إلى ذلك تصف حالة الأبطال الشياطين الميؤوس منها في فترة متقدمة من الرواية. حين تتقدم الرواية سيتساءل القارئ: ماذا بعد؟ إلى أين سيذهبون؟ وأين ستذهب بهم هذه الأفكار الشيطانية؟ هم يعترفون بأن أفكارهم غير طبيعة، ولكن لا يؤمنون بذلك ولا يصرحون، لأنهم لا يؤمنون. الجزئية الثانية من القصيدة تصف حال المجتمع – والقارئ كذلك – وتقبلهم لهذه الآراء. بين لحظة وأخرى يظهر لك شخص غامض، ومن أفكاره وأحاديثه يظهر الولاء لأفكار الشياطين. أعدادهم غير محددة، قد يكونون من الأشباح وغير موجودين، لكنهم موجودين في أرض الحدث بكل قوة. أفعالهم في أحد فصول الرواية – الحفلة- تفسر بقية الأبيات، ما يفعلونه مخالف للعقل والمنطق، حب الألم لأجل التجربة، عدم الإيمان بالله، اللامبالاة تجاه المجتمع والأخلاق، كل هذا غير طبيعي ولكنه موجود. وإن كانت هذه القصيدة تعطي لمحات من أفكارهم ورؤية الشياطين، إلا أنها كذلك كانت مقدمة لهجوم دوستويفسكي تجاه الأفكار الجديدة. دوستويفسكي أراد لبوشكين أن يكون في هذا العمل هو البداية، أن يكون هو السلاح الذي يقتص منهم، الشياطين لا يؤمنون بروسيا يجسدها بوشكين، دوستويفسكي يؤمن ببوشكين كمثال وعبقري للإنسان الروسي ويجب أن يسيروا على نهجه.

– 8 –
البداية الثانية:

وكان هناك قطيع كبير من الخنازير يرعى في الجبل، فتضرعت الشياطين إلى يسوع أن تدخل في الشياطين، فأذن لها، فخرجت من ذلك الإنسان ودخلت في الخنازير، فاندفع القطيع من أعلى الجرف إلى البحيرة وغرق فيها، فلما رأى رعاة القطيع ما حدث هربوا ونشروا النبأ في المدينة وفي القرى، فخرج الناس ليروا ما جرى، فلما وصلوا إلى قرب يسوع وجدوا الإنسان الذي كانت الشياطين قد خرجت منه، وجدوه لابساً ثيابه، مالكاً عقله، جالساً عند قدمي يسوع، وروى لهم شهود الحادث كيف خلص المجنون.

المقدمة الثانية للرواية كذلك ملفتة للنظر. تصدرت الرواية بعد قصيدة بوشكين بضعة سطور من إنجيل لوقا. هذه المقدمة الثانية أراد لها دوستويفسكي أن توضح حال الشياطين حين تخرج من كائن بشري وتدخل في الخنازير. حالة الخنازير حين تدخل الشياطين فيها مثيرة للسخرية، إذ تسقط بكل ما فيها من أعلى الجرف إلى البحيرة وتغرق فيها. بين ثنايا النص وصف لحالة إنسان تخلص من أفكار الشياطين وتحكمهم به، بمجرد خروج الشياطين من هذا الإنسان ملك عقله وأصبح إنساناً سوياً وجلس عند قدمي المسيح يشكره جزاء خدمته. اقتباس نص من الإنجيل لم يكن لوصف حالة أبطال الرواية فقط، بل يتضمن كذلك السلاح الثاني الذي سيستخدمه دوستويفسكي لمهاجمة الشياطين، السلاح هو الإنجيل، ذلك الكتاب الذي ينكره الشياطين، هؤلاء الشياطين الذين يخرجون من المريض ليدخلوا في الخنازير هم جميع الجراح والقاذورات الصغيرة والكبيرة التي تراكمت خلال قرون في روسيا المريضة. الآن مقدمة الرواية تتضمن مقدمتين هما مفتاح الهجوم ضد الشياطين وتعريتهم أمام الملأ : بوشكين، الأب الروحي للآداب الروسية، والإنجيل.

– 9 –
المفكر الأول: دون كيخوته يرقص بين الشياطين.
روايات دوستويفسكي خصوصاً الخمس الأخيرة ليست روايات أحداث، بل هي روايات أفكار. الأبطال مفكرين. تسيرهم أفكارهم ويخلصون لها ويعانون من أجلها. مصير حياتهم يتوقف على مدى تقدم هذه الفكرة. إن حدث وأن حصل هناك تقدم تصبح الفكرة ناجحة. غالبية شخصيات المؤلف لا ينجحون في أثبات أفكارهم إلا إذا كانت الفكرة قد سطعت إما من الوطن أو من الروحية الدينية بين صفوف الفقراء الفلاحين. وحتى لو حدث أن كان هناك تقدم، فالفكرة لا تتوقف بنجاحها، بل تستمر وتسير مبشرة بين صفوف الشعب ببزوغ هذه الفكرة. وعلى المفكر حينها أن يعاني في التبشير بالفكرة. دوستويفسكي لا يقيم للشياطين – التيارات الثورية – وزن. هذا العمل مكرس للسخرية منهم وتدمير أفكارهم عبر السخرية منها. خلق المؤلف لمواجهة الشياطين شخصية واحدة فقط: صورة طبق الأصل من النبيل الألمعي دون كيخوته، لكنه هذه المرة روسي. الشخصية الدون كيخوتيه في الرواية هي شخصية السيد المحترم ستيفان فرخوفنسكي. الراوي العليم في الرواية يقدم لنا هذه الشخصية بصورة فيها من الشياطين، كأنها تعرضت للمس لكنها تحتفظ بجانبها الإيجابي الفعال للغاية. نقرأ في العمل أن ستيفان مفكر من الطراز الرفيع، لكن لا وجود لا أي فكر رفيع في أحاديثه. قيل بأنه رمز من رموز المجتمع التي تعرضت للنفي، إلى درجة أصبح لا يلقب إلا بالمنفي، و يلقب بالمدني وصاحب الروح المدنية. وهو نفسه يصدق بذلك ويتبجح بها، والأمر الواقع أنها شخصية فارغة من كل شيء. النفي الذي يتبجح به غريب، فهو لم يتعرض لا للنفي السياسي ولا النفي الثقافي. أما قوله بأنه مدني، فلا أعرف حتى الآن لماذا يلقب بهذا اللقب. ما يهب هذه الشخصية عمقها في الرواية أنه رأس الحربة الوحيد في خاصرة الشياطين. دون كيخوته روسي لا يحارب الطواحين، بل يحارب الشياطين الذي يؤمنون بالتغيير عبر انقلاب شامل يقتلع كل الموجودات الحضارية والمكتسبات الثقافية والاجتماعية والدينية. إذا كانت هذه الشخصية في الأصل فارغة فكرياً فكيف يقارع الشياطين العتاة الذي استطاعوا الوصول إلى المقربين من السلطة وفي أوساط الشباب؟ الجواب في ذلك يكمن في الجمال. ستيفان مؤمن بأن التغيير والإصلاح يحمل قيم رفيعة للغاية وضرورية لتحريك المجتمع. لكن فكرة التغيير والإصلاح تم اختطافها والعبث بها، أصبحت نسخة غير أصيلة ولا تعبر عن مكنونات الروح التي تؤمن بالله وتعشق الأرض وتقدس الجمال. فكرة الشياطين عن الجمال لا تبتعد عن الرأي الذي ذهب إليه المفكر الروسي تشيرنيشفسكي القائل بأن آثار الفن أقل قيمة من الجمال الواقعي. بمعنى: القلم مفيد لأنه يتيح لنا الكتابة. أما لوحة تشكيلية فيها صورة لامرأة وبقربها تفاحة حقيقية، فماذا سيختار من يشاهد الأثر والحقيقة؟ ستيفان يمثل الفكرة الجمالية لدوستويفسكي بوجهها الكامل. يرفض ذلك. بل يدينها ومستعد لمحاربتها. حين يُطلب منه أن يكتب قصة ليلقيها في الحفلة الشهيرة، يرفض ذلك بكل عنف. بل سيكتب نصاً يدافع فيه عن الفن، عن مادونا سيستين Sistine Madonna، ملكة الملكات كما يسميها. يقول للشياطين في ساحة المعركة الفعلية في قاعة الحفلة:

أما أنا فأقول لكم أن شكسبير ورافائيل أجل شأناً من تحرير الفلاحين، وأرفع قدراً من القومية، وأعظم قيمة من الاشتراكية، وأسمى منزلة من الجيل الجديد، وأنهما فوق الإنسانية جميعاً بكاملها تقريباً، لأنهما ثمرة الإنسانية، ثمرتها الحقيقية، لأنهما ربما كانا أجمل الثمار الإنسانية التي يمكن أن تهبها الإنسانية يوماً، لأنهما يحققان منذ الآن صورة من الجمال كاملة قد لا أحب بدونها أن أحيا .. آه .. رباه .. منذ عشر سنين في بطرسبورغ ناديت من أعلى المنبر بهذه الأفكار نفسها، معبراً عنها بهذه الألفاظ نفسها تماماً. وكما لا تفهمونني الآن، كذلك سخروا مني يوم ذاك، وصفروا لي .. يا للبشر المساكين ! ماذا يعوزكم حتى تفهموني؟ هل تعلمون .. هل تعلمون أن الإنسانية تستطيع أن تستغني عن الإنجليز إذا لزم الأمر، وأن تستغني عن ألمانيا، وأنها تستطيع جداً جداً أن تستغني عن الروس، وعن الخبز، وعن العلم، ولكنها لا تستطيع أن تستغني عن الجمال ! إن الجمال وحده لا غنى عنه، إذ بدون الجمال لا يبقى لنا على وجه هذه الأرض ما نعمله ! هذا هو السر كله ! ذلكم هو كل التاريخ ! العلم نفسه لا يمكن أن يعيش لحظة بعد زوال الجمال ! هل تعلمون ذلك أنتم يا من تضحكون؟ نعم .. إن العلم بدون الجمال يتدهور إلى تفاهة، فتصبحوا بذلك عاجزين عندئذ حتى عن اختراع مسمار !

قال دوستويفسكي عن هذه الشخصية في يوميات كاتب: كان ستيفان أنقى رجال زمانه، كان شخص لا عيب فيه وعظيماً، إنه واحد من أنزه الرجال، وأنا أحبه وأحترمه. استغربت هذا التصريح للمؤلف لحظة قراءته في يوميات كاتب. كيف يصفه بالنقي والعظيم وهو في حقيقة الأمر شخصية فارغة من كل شيء. طرحت هذا التساؤل لحظة القراءة الأولى قبل أربع سنوات. وفي قراءتي الحالية للرواية، أجد هذا التصريح واقعياً. نقي لأنه لم يحمل الضغينة لأحد. لم يفكر بالقتل لكي ينفذ الفكرة التي أعلن عنها قبل عشرين سنة من ظهور الشياطين، حين بشر بالإصلاح. أفكاره الجمالية وإيمانه بالله لم يتحملا القتل والجرائم التي تحدث، فآثر أن يقرر الرحيل على قدميه إلى أبعد مكان في روسيا. يزور من خلالها الفلاحين والفقراء ويبشر بفكرة أخرى. مفكر رحالة سينشى فكرة جديدة مستمدة من الشعب نفسه. هذه الفكرة يجب أن تكون خاضعة للقانون الأساسي حسب ستيفان: قوام قانون الحياة البشرية كله أن يكون في وسع الإنسان أن ينحني أمام شيء عظيم عظمة لا نهاية لها، فإذا حرم البشر من هذا الذي لا نهاية لعظمته رفضوا أن يعيشوا وماتوا في اليأس. اللانهاية والمطلق لا غنى للإنسان عنهما، كما لا غنى عن هذه الأرض التي يعيش عليها.

– 10 –
المفكر الثاني: الزعيم الروحي للشياطين.
ستافروجين هو زعيم الشياطين الروحي وإن لم يكن من صفوف التيار الثوري. يظهر لنا كمفكر من الطراز الرفيع، أو بمعنى أصح: إنسان مسحوق بفكرة عميقة وضخمة. كل الشخصيات يشيرون إليه كحامل فكرة لا يعرفون كيف يحملها. لكن ما هي هذه الفكرة العميقة كما يقولون؟ لا توجد أي فكرة نهائياً. رغم تأثيره الروحي الكبير على الشخصيات إلا أن الراوي العليم يظهرها لنا كشخص عقيم، سادي – نسخة طبق الأصل من الماركيز ساد. وإن كان ساد أكثر صدقاً وتأثيراً منه لأنه يضع أفكاره موضع البحث والتطبيق. بينما ستافروجين عندما يؤمن لا يصدق ولا يعتقد أنه يؤمن، وعندما لا يؤمن لا يصدق ولا يعتقد أنه لا يؤمن. استقر لديه بأن الأخلاق عبثية وغير معقولة، وأن كل شيء مباح ومسموح به، وأنه ليس هنالك عقوبة ضمنية داخلية. هذه الشخصية الغريبة جداً أماتت في داخلها جميع الينابيع والمصادر الحية للحياة والوجود. هو لا يعرف لماذا هو موجود في الدنيا، ولا يحاول أن يعرف لماذا. طوال حياته يعيش بدافع السأم. هذا العقل عامر بأفكار فعاله، لكنها مدانة مسبقاً بطبيعتها العقلية. عندما رسم المؤلف هذه الشخصية العقيمة فكرياً، كتب فصل يعتبر من الفصول المهمة لتحليل شخصيته. هذا الفصل حذف من النسخة الروسية بسبب محتواه: فصل اعترافات ستافروجين. هذا الفصل بشكله الفني جميل ومتمكن منه، لكن الفكرة بداخلة مرعبة وقاسية. وها هم الأطفال مرة ثانية يأتون ليغيروا حياة الكبار. إذا كانت الينابيع والمصادر الحية للحياة حية داخل الفرد، قد يندم على عمل من الأعمال السيئة التي قام بها في فترة من فترات حياته المضطربة. عندها قد يسعى للتكفير عن ذنبه مثل شخصية الأمير نيكليندوف في رواية البعث لتولستوي. ستافروجين قام بعمل منحط في ذروة شبابه. ولا توجد جريمة أخرى تتفوق عليها. كتب في أوراقه اعتراف كامل بالقصة ويريد نشرها للجميع. إن حدث ذلك قد ينال التكفير. لكن ماذا لو كان هدفه الرئيس هو العبث! كان الطرف الآخر من الاعتراف – الأب تيخون – ينتظر من هذه الشخصية أن تعلن اعترافها النهائي وتوبتها من كل الجرائم التي ارتكبت وخصوصاً تلك الجريمة البشعة. لكن دوستويفسكي يريد أن يحطمه ويقزز القارئ منه، ولم يبتعد الأب تيخون بعيداً عندما قال في نهاية اعتراف ستافروجين: يا إلهي، إني أرى .. إني أرى بوضوح أيها الشاب الشقي أنك لم تكن في يوم من الأيام أقرب منك الآن إلى ارتكاب جريمة أفظع من الجريمة الأولى!. القصة المذكورة في الفصل تمت الإشارة إليها في الجريمة والعقاب بشكل رمزي، وظهرت في الشياطين. تخطى النقد الأدبي مجمل الحدود ليصل إلى مؤلف الكتاب: هل قام المؤلف بهذه الجريمة في فترة من فترات حياته السابقة؟ قال الأديب الفرنسي أندريه جيد أن هذه القصة كانت تقض مضجع دوستويفسكي كثيرا وكثيراً ما عاني من تبكيت الضمير. شعر بالحاجة إلى الاعتراف ولم يجد إلا الروائي الشهير إيفان تورجنيف. لكن تورجنيف خيب ظن المؤلف، فهو بعد سماع هذه القصة من المؤلف مباشرة لم يحدث له أي رد فعل، وكأنه يقول لا يهم. لكن المؤلف يرد عليه أنه يحتقر نفسه ويحتقر تورجنيف أكثر. قد يكون الحديث الذي دار بينهما هو السبب في رسم صورة كاريكاتورية لتورجنيف في الشياطين.

– 11 –
المفكر الثاني: زعيم التنظيم الثوري
الرواية بأكملها يهيمن عليها شبح بطرس فرخوفنسكي الشاب، حامل النصر الثوري، وزعيم الشياطين الفعلي. حبيس أفكاره، وسجين خياله، والذي يتيه في أرجاء أوروبا مقطوعاً عن جذور وطنه. دوستويفسكي عبر هذه الشخصية أراد استخدام سلاح السخرية لمعاقبة شخصية نتشاييف، وإهانة شخصيته بالضحك منها وإلغاء كل حقوقها. وبالفعل، الطريقة التي كتب بها دوستويفسكي كانت فعالة: يهتك سمعة خصمه السياسي، ويبدد هالته الأسطورية، ويشير إلى سماته الباهتة والهزيلة. الشخصية تظهر في الأخير بغير ما هو معروف عنها، أصبحت الشخصية في الأخير شيئاً تافهاً وحقيراً لا يستحق حتى مجرد الحديث عنها. تبددت هذه الشخصية تحت سلاح السخرية بلمح البصر. في الرواية يظهر فرخوفنسكي كشيطان حقيقي، يسحر ويفتن، ويكون مجاملاً تارة، ويبدو وقحاً للغاية في بعض الأوقات، كل فرد من أفراد المجوعة الثورية يخشونه ويكرهونه. ” سنشعل ثورة ينقلب فيها كل شيء من أساسه”, يقول فرخوفنسكي. وماذا بعد الثورة؟ ستحدث المساواة التامة بين البشر استناداً إلى رؤية أحد أعضاء التنظيم” شيجالوف”. التحليل النفسي الأدبي في الشياطين أظهر للقراء بعض الأساسيات التي تعتمدها التنظيمات السرية للحفاظ على أهدافها التنظيمية. عندما يكون التنظيم مهدداً بالسقوط يتم البحث عن الطرف الأضعف المسبب لهذا السقوط. بقتل الطرف الأضعف تصبح الجماعة متماسكة أكثر من ذي قبل. وحين يقتل الإنسان عن رغبة دفينة في سبيل فكرة ما: لن يتردد في قتل عشرات، بل مئات وآلاف الأشخاص في سبيل تحقيق الفكرة. المؤلف لم يظهر لنا شخصية بطرس فرخوفنسكي بقدر ما أظهر لنا زعماء تنظيمات إرهابية شهيرة وزعماء دول طغاة في العالم أجمع: كيف يتجمعون، وكيف يتخذون القرارات، وكيف يعملون. إن كان هناك من إيجابية في التحليل النفسي في شخصية بطرس فرخوفنسكي لن تكون إلا الكشف عن كيفية عمل التنظيم السرية ومؤسساتها الداخلية.

– 12 –
المفكر الثالث: ابن الشعب
المفكر الثالث: ابن الشعب
ها هنا صورة أخرى من مفكري الشياطين. يقدم دوستويفسكي شخصية إيفان شاتوف كصورة مصغرة لإيفان المقتول بسياقها التاريخي في حادثة القتل الشهيرة. يعيد صياغة الحدث نفسه كما في السياق لكنه يغطيه بفكرة واحدة هي التي ستقوده إلى القتل. شاتوف من المفكرين المثاليين، ما إن تشرق فكرة ما في نفوسهم حتى يبهروا بها وتتسلط عليهم تسلطاً تاماً بحيث يجب عليه أن يتصالح مع ذاته أولاً قبل أن يبشر بالفكرة ويدافع عنها أمام المجتمع. أي أنه في حقيقة الأمر وجد نفسه في أزمة تبدأ بالجانب السياسي وتتمدد لتشمل الأسرة والدين ووجوده في هذا المجتمع. ومن جهة أخرى، وبعيداً عن التفكير المثالي، شاتوف هو ابن الشعب. مؤمن بشعبه القادر على تحقيق الإصلاح والحرية، والأهم من ذلك، هو مؤمن بأن وجود الله أمر مؤكد، وبالإمكان الإيمان به عبر الشعب. أي أن الشعب مرحلة عبور للوصول إلى الله.

عندما سأله ستافروجين :
أتؤمن أنت نفسك بالله، أم لا؟
تمتم شاتوف :
أنا أؤمن بروسيا.. أؤمن بالمذهب الأرثوذكسي
ويلح ستافروجين :
ولكن بالله؟ بالله؟
يجيب : أنا سأؤمن بالله.

حين زلزل المفكر الأول ستافروجين المفكر الثالث شاتوف حول حقيقة وجود الله، وجد نفسه في حالة يرثى لها ولا يعرف أين يذهب. يعيش أزمة روحية عاصفة يجب أن تنتهي بالتقرير إما أن يكون ملحداً إلحاداً تاماً ويكفر بالشعب ويؤمن بالتنظيم الثوري. وإما يؤمن إيماناً كاملاً، فيؤمن بشعبه الذي سيقوده إلى الله ويتخلى عن التنظيم الثوري القائم على القتل. ما ينقص شاتوف لمحة إيمانية من الشعب أو معجزة إلهية تنقذه من الأزمة التي تعصف به. دوستويفسكي مؤمن بشاتوف إيماناً عميقاً، ولا يختلف عنه سوى أن الشعب بالنسبة له مرحلة عبور، و بالنسبة لشاتوف غاية ونهاية. شاتوف شاهد معجزة إلهية قائمة بين صفوف الشعب. ويا لبراعة المؤلف حين جسد هذا المشهد من العدم. في فصل المسافرة، شخصية من الشخصيات، زوجة شاتوف، تصل إلى بيت زوجها بعد غياب سنوات طويلة. يشعر شاتوف بالحب العميق لزوجته التي فقدها لسنوات طويلة. وفي غمرة أحاديث الشوق لها، تظهر المعجزة الكافية لنقله إلى الجانب الإيماني. هذه المعجزة هي ولادة طفل. عند قراءة الشياطين كان اهتمامي بأحد المشاهد التي قرأت عنها مسبقاً ولم أكن أعرف كيف سيصور دوستويفسكي هذا المشهد بكل ما فيه. المشهد هو مشهد ولادة زوجة شاتوف في فصل المسافرة. الكتاب الروس هم أفضل من يرسم مشاهد آلام الأنثى عند الولادة ووصف آلام حمى النفاس. تولستوي عبر روايته العملاقة آنا كارينينا وصف مشهدين يعتبران من المشاهد الأكثر إثارة وحيوية في الرواية، مشهد ولادة كيتي, ومشهد وصف الحالة النفسية والهذيان لحمى نفاس آنا كارينينا. دوستويفسكي كنت متهيئاً جداً له لقراءة تصويره الفني لحالة أنثى على وشك الولادة. قرأت في مذكرات زوجته آنا غريغورريفنا أن دوستويفسكي وصف مشهد ولادة أحد أبنائه في جنيف بكل ما فيه من قسوة وألم في رواية الشياطين، آنا كانت تعاني عسر في الولادة، دوستويفسكي وصف هذا المشهد بكل ما فيه. انتصفت في قراءة الرواية تقريباً ولم ألحظ أي أنثى على وشك الولادة. وفجأة، وبدون سابق إنذار تظهر إحدى شخصيات العمل الفرعية، والتي قدمت كأنثى طبيعية لا وجود لملامح حمل في أحشائها، وهي تعاني من آلام المخاض. كيف دخلت هذه الشخصية على خط الرواية بكل قوة؟ هل هي الفضائح التي يعشقها دوستويفسكي في أعماله أم ليحول من أفكار أحد أبطاله – شاتوف- بظهور هذا الطفل للحياة؟ كل هذا لا يهم، المهم هو هذا الكم الهائل من الفضائح التي يعشقها دوستويفسكي ويصورها في أعماله بكل براعة. عندما يولد الطفل، عندما يرى شاتوف أمامه هذا المخلوق الذي أعطي فرصة للحياة تصيبه الغبطة والفرح من رأسه حتى أخمص قدميه، ويصيح : إن أعجوبة ظهور مخلوق جديد على سطح الأرض معجزة كبيرة يصعب تفسيرها. تصرعه القابلة التي تؤيد الأفكار الاشتراكية: ما هذا الهذيان الذي تثرثر به؟ هذا ليس سوى تطور ونمو يحصل في الجسم؟. ولكن شاتوف لا يصغي لها. فقد تبدت له المعجزة وآمن، وسيؤمن على الدوام. أصبح يشعر بالسعادة بعد أن فقدها لسنوات.

– 13 –
المفكر الثالث: الانتحار إثباتاً للإرادة
هذه الشخصية هي من أكثر الشخصيات غرابة كذلك: المهندس كيريلوف. هذه الشخصية ما إن تؤمن بفكرة حتى يسعى إلى إثباتها. إذا كان الإثبات يتطلب الانتحار، فهو على استعداد أن يفعل ذلك. في الرواية يعبر كيريلوف سريعاً من التدين إلى الإلحاد. تفجير العالم قاطبة، ووضع العمل الجاد في خدمة الدولة، مفهوم ثوري وأصيل، روح زاخرة بنكران الذات، وإخلاص للفكرة يصل إلى حد الهوس. هو ملحد مثل ستافروجين، ولكنه على النقيض من هذا الأخير, يضفي على الإلحاد كل الحماسة التي يضفيها على الإيمان. يقول:” إذا كان الله موجوداً، فكل شيء يتعلق به ويتوقف على إرادته، ولا أستطيع أن أفعل شيئاً دون إرادته، وإذا لم يكن موجوداً، فكل شيء يتعلق بي ويتوقف على إرادتي، وأنا ملزم بتثبت استقلاليتي وتأكيدها”. تصور شخصية كيريلوف حول فكرته المثيرة في الرواية، بأنه إذا كان يستطيع بملء إرادته أن يضع حد لحياته، فذلك يعني أنه حر. رأيي في فكرة كيريلوف اختصره في كلمات معدودة: هذه الشخصية فارغة من كل معنى، وبصورة أوضح: أفكاره تافهة. يسعى إلى التنظير في سبيل فكرة لا يمكن تحقيقها. بل يمكن اختبار حقيقتها. وهو نفسه تعرض لهذا الاختبار. حين يسمع عن ولادة زوجة شاتوف يصيبه شيء من الجمال الروحي. الجمال الناتج عن ظهور كائن حي لم يكن موجوداً من قبل. حتى زعيم التنظيم السري بطرس حين يسمع الكلمات الأخيرة من كيريلوف، لا يصدق أن الملحد الكبير كيريلوف يحمل أفكار إيمانية مدمرة لإلحاده. دوستويفسكي لم يسخر من كيريلوف في الرواية على الإطلاق. أعتقد بأن المؤلف يحترم الجزء الأصيل منه، أي المفكر، لكن الفكرة بحد ذاتها لم يستطع أن ينتقدها لأن النتيجة ستظهر ما إن يتم تطبيقها، وها هي قد طبقت ووضعت موضوع التنفيذ، وأصبح كيريلوف في غرفة صغيرة حقيرة، جامداً كالصخر رغم أنه حي، يهرب من الألم ليثبت إرادته العليا، ولم يعرف بأنه سيذوق الألم حين يهرب كالشيطان، وينتحر مخلفاً وراءه فكرة لا محل لها من الأعراب.

– 14 –
المفكر الرابع : السخرية من تورجنيف.
يتوسع دوستويفسكي باستخدام السخرية الأدبية في الشياطين. يتضح ذلك في شخصية الكاتب الكبير كارمازينوف، وهو كاريكاتير للروائي المعروف ايفان تورجنيف، المشهور في الأدب الروسي برجل الغرب. سخر دوستويفسكي من ايفان تورجنيف دون رحمة ولا شفقة عبر هذه الشخصية. دوستويفسكي يطلق من شخصية كارمازينوف كلمات تورجنيف نفسها ” أصبحت ألمانياً وأنا فخور بذلك”. لكي يبرز دوستويفسكي أوجه الشبه بين كارمازينوف وبين تورجنيف يهب كارمازينوف وجها نظراً تزينه خصل كثيفة من الشعر الأبيض، ويعطيه صوتاً مسعولاً وحاداً بعض الشيء. في آخر ظهور لهذه الشخصية في الرواية يقرأ في فصل الحفلة عمله الأخير الذي يحمل العنوان” شكراً”, والمستوحى من نص كان تورجنيف قد خص بها صحيفة الأخوين دوستويفسكي. عرف تورجنيف نفسه في هذا التهجم الهزلي, وشكا منه فيما بعد : ” لقد سمح دوستويفسكي لنفسه بشيء أسوء من الكاريكاتير، حين عرضني تحت ملامح كارمازينوف المؤيد بصورة سرية لحزب الثوريين”.

* مصدر السياق الأول والثاني من كتاب دوستويفسكي حياته وأعماله لهنري ترويا

Advertisements
هذا المنشور نشر في فيدور دوستويفسكي, أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s