صورة دوريان غراي: الحقيقة هي ما تقرأهُ أنت

– الفنان هو خالق الأشياء الجميلة.
– أن تظهر الفن وتخفي الفنان هذا هو هدف الفن.
– الناقد هو ذاك الذي يترجم إلى طريقة أخرى أو مادة جديدة انطباعه عن الأشياء الجميلة.
– أعلى وأسفل أشكال النقد هي شكل من السيرة الذاتية.
– أولئك الذين يجدون معان قبيحة في الأشياء الجميلة هم أناس فاسدون، ولا يمتلكون حتى القدرة على الإدهاش. إن هذا لخطأ.
– أولئك الذين يجدون معان جميلة في الأشياء الجميلة هم الناس المتحضرون. بالنسبة إلى هؤلاء يوجد أمل.
– إنهم الصفوة، أولئك الذين لا تعني لهم الأشياء الجميلة سوى الجمال.
– لا يوجد شيء يدعى كتاب أخلاقي أو غير أخلاقي. الكتب إما مكتوبة بشكل جيد أو بشكل قبيح. هذه كل المسألة.
– كراهية القرن التاسع عشر للواقعية هي غضبة كاليبان عندما رأى وجهه في المرآة.
– كراهية القرن التاسع عشر للرومانطيقية هي غضبة كاليبان عندما لم يستطع أن يرى وجهه في المرآة.
– الحياة الأخلاقية للإنسان تشكل أحد المواضيع التي لا يمكن أن يطرقها الفنان، ولكن أخلاقية الفن تتمحور حول الاستخدام الكامل لوسيط غير كامل. لا يوجد فنان يرغب بإثبات شيء ما. كل الأشياء الحقيقية يمكن أن تثبت.
– لا يوجد فنان لديه ميول أخلاقية. الميول الأخلاقية لدى الفنان هي شذوذ غير مقبول في طريقة التعبير.
– الفكرة واللغة بالنسبة إلى الفنان أداتان من أدوات الفن.
– المعصية والفضيلة بالنسبة إلى الفنان لا يتجاوزا أن يكونا مواد خام للفن.
– الفن كله هو في نفس الوقت سطح و رمز. أولئك الذين يذهبون تحت السطح يفعلون ذلك على مسؤوليتهم. أولئك الذين يقرأون الرموز يفعلون ذلك على مسؤوليتهم.
– إنهم المشاهدون ( المتفرجون) – وليست الحياة – هي ما يعكسه الفن حقيقة.
– اختلاف الآراء بالنسبة إلى عمل فني تدل على أن هذا العمل جديد، عميق، وأساسي.
– عندما يختلف النقاد يحس الفنان بالرضا والانسجام مع نفسه.
– كل أشكال الفن هي غير نافعة بأصالة.

ــــــــ

قبل قراءة نص أوسكار وايلد صورة دوريان غراي، يجب قراءة المقدمة -الغير مترجمة في الترجمة العربية للرواية-. بعض المقدمات لا تحمل إلا تسجيل ذكريات كما في الأخوة كارامازوف مثلا، ولكن هذه المقدمة ضرورية. إنها تحمل فكرة لكاتب من ضمن تيار (الفن لأجل الفن)، والنص هو تطبيق لهذه الفكرة. قد نتفق مع ما جاء في المقدمة، وقد نتحفظ عليها، وقد نرفضها وندينها كما رفضها تولستوي سابقاً – قبل طرح النص للنشر – وطرح الفكرة التي لها جمهور عريض من الكتّاب في كتاب ما هو الفن؟. إذا كانت الكتب حسب تقسيم وايلد لا يمكن أن تقسم إلى كتاب أخلاقي أو غير أخلاقي، فما هو هدف الفن في هذه الحالة. الكاتب الذي يجد نفسه مجبراً على الكتابة، أليس بإنسان يريد إيصال فكرة هو مؤمن بها مثلاً ويريد أن تصل إلى شريحة معينة أو تيار عريض هم القراء؟ هذا النص بالتحديد الذي لا يريد من خلاله المؤلف أن يظهر ويبث فيه مواعظ أخلاقية كما يقول، تظهر الفكرة في النهاية كفكرة أخلاقية، رغم أن الوسط العام للنص غير أخلاقي.. غالباً ما أجد هذا الرأي، وليس عند حركة معينة، أن الفنان حين يمارس نوع من المواعظ الأخلاقية يصبح النص غير مكتملاً وأدخل المؤلف نفسه في دوامة هو في غنى عنها. إني أتذكر فيكتور هيجو هنا. لا أذكر أن مؤلف مارس هذا النوع أكثر منه. لم يحاول أن يخفي الفنان، بحيث تطرح الأفكار عبر شخصيات النص، بل أظهر نفسه بصور واضحة للعيان في البؤساء، وأعلن عن نفسه بالإسم. وحين نشر ما كتب كان من ضمن النقد الذي تعرض له أن النص هو موعظة أخلاقية كبيرة لا يحتاجها القارئ – بودلير كان من ضمن الناقمين على هذه المواعظ كما يقول – ولكن في الأخير، البؤساء حية، تحمل فلسفة وجودها. الكتاب الذي لا يحمل فكرة تبقيه حياً لفترة طويلة، هو ما أعتقد أنه الكتاب الذي كُتب بطريقة سيئة، حتى لو كان على نمط البؤساء.


في كل كتاب هناك فكرة يراد إيصالها للطرف الآخر. الطرف الآخر – والذي هو القارئ – لن يتلقى الفكرة على مستوى واحد. هناك من سيؤيد، وهناك من سيرفض، وهناك من سيتحفظ. الموروث الثقافي للقارئ سيتفاعل مع النص إما سلباً وإيجاباً. ولكن بشكل عام: هناك فكرة واضحة وصلت وأحدثت ردات فعل. الكاتب سيحس بالرضا حين يؤمن بأن الفكرة التي يحمل وقام بنشرها في النص وصلت كما يريد. لا يستطيع السيطرة على النص بعد الآن لأنه يجوب الفضاء. هل هذا ما يقصده وايلد حين يقول أن “عندما يختلف النقاد يحس الفنان بالرضا والانسجام مع نفسه”؟ لا أظن ذلك. ولكن اختلاف الآراء أمر متوقع وطبيعي. هناك شكل جديد لم يظهر سابقاً من الطبيعي أن تتفجر مختلف التفسيرات حوله كما في نصوص كافكا.

يشير جون بيك ومارتن كويل في التاريخ الموجز للأدب الإنجليزي إلى أنه من الصعب النظر إلى وايلد ككاتب مسرحي وشاعر و روائي. يجب النظر إليه في السياق الجمالي والفني الأوسع في نهاية القرن التاسع عشر. والتي تتلخص في أن الفنون لا ينبغي أن تشير إلى الحياة. هذه النظر التي تعود إلى كتاب دراسات في تاريخ النهضة لمؤلفه والتر بيتر، والتي ترى أن المبدأ الجمالي يمثل رفضاً أو عدم القدرة على التعامل مع الحياة والتورط في شئونها، كما يُعد انسحاباً إلى السلامة التي يوفرها الفن. هذه النظرة تمثل وسيلة للهروب من المادية والرأسمالية والتعقيدات الهائلة التي شهدتها تلك الفترة. لم يكن لوايلد غاية بعيدة أو يهدف إلى إصلاح العالم. رغم كل شيء، أوسكار وايلد يعبر عن جو نفسي لنهاية القرن التاسع عشر بأسلوب عميق. وضع نفسه متعمداً خارج المنظومة التقليدية للسلوك والأخلاق. التناقضات الكامنة في أعماله ربما كانت أبلغ تعبير عن انهيار القيم في القرن التاسع عشر.

إنها نتيجة طبيعية، ولا تحتاج إلى حديث: حين تتطلع على نفسك بالمرآة وتجد نفسك وجهاً لوجه مع نفسك. الشيء الأكثر سرية في هذا الاندماج بين الشكل والمرآة هو الداخل العميق الذي لا يظهر. هناك فكرة لا أذكر في أي نص قرأنها، أن مرآتك الداخلية تظهر في تصرفاتك وأحاديثك. أحدهم حين يتحدث عن الجمال، لا يصل أو يشير إلى حالة من السمو والرفعة والارتقاء، بل يؤكد أنه وصل إلى درجة من اليقين أن الجمال لا يمكن أن يكون جمالاً ما لم يحمل شكلاً من أشكال الخطيئة. قد تتهرب من الاعتراف بذلك – الداخل الروحي – لأنك لم تشاهد الآثار على أرض الواقع متجسدةً أمامك. لن تشاهد هذه الخطايا تعبث بروحك، إلا إذا كانت المرآة التي تشاهد نفسك فيها لا تحمل صفات شكلك الخارجية. حين يرتكب أحدهم جريمة مثلاً، هل بالإمكان أن ينعكس هذا الحدث على شكله بصورة آلية بحيث يحمل إشارة أن هناك خلل داخلياً يحتاج للتغيير، أن الروح الداخلية ساخطة من هذا العبث، من فكرة كامنة أن الشكل الخارجي الجميل، ليس إلا صورة مخفية للخطايا تنمو وتنمو؟

حين تتطلع دوريان غراي لنفسه في اللوحة التشكيلية التي قام برسمها الرسام بازل هولوورد اُعجب بهذا النقاء وهذه الطهارة الفذة، لشاب يحمل طهارة الجمال في سيماء وجهه. إلى أين يتجه هذا الجمال الذي يسحر كل من شاهده. هل يستطيع أن يحتفظ بجماله إلى الأبد مثلما تبقى اللوحة التشكيلية محتفظة بجمال الشكل؟ الجسد يكبر، يتغير .. تصيبه التجاعيد. يجب أن يكون لهذا الجمال ذكريات هائلة تحمل سيرة ذاتية لجمال ساحر اختفى مع تقدم العمر. هذه الذكريات تقوم على تفاعل الجمال مع المحيط القريب. الأمر المنطقي أن يكون له حضور إيجابي فاعل و مؤثر متطلعاً إلى الأعلى وحالة من السمو التي تنسجم فيها الروح مع الجسد. هنا يظهر اللورد هنري الذي لا تقوم الرواية ( بجانبها الفكري) إلا على أكتافه، مبشراً بفلسفة قائمة على اللذة. إن اختزال فكرة عميقة تحتاج عدة صفحات لشرحها، في سطر واحد فقط وبجملة واحدة، يجد فيها القارئ لذة لا تقاوم. يستشهد بها في الحوارات. عند التمعن في جملة من هذه الجمل وقمنا بتفكيكها إلى أصولها، مرتبة ترتيباً صحيحاً، سنجد أنفسنا نرفض هذه الفكرة جملة وتفصيلاً. ولكن .. من الذي سيحول عملية القراءة أو التفاعل بين القارئ والكتاب إلى عملية تفكيكية بحيث نبحث في فكرة الجملة المستشهد بها لنعرف هل بالإمكان الموافقة عليها أو رفضها؟ في الأغلب سنتغاضى عنها لشدة جاذبيتها الشعرية. جملة واحدة تم تكثيفها لغوياً لتختصر فكرة، هذه عبقرية. القارئ سيخرج بعدة اقتباسات من النص بسبب هذا الكثافة اللغوية المحملة بمعان سرية تبدو ظاهرياً واضحة للعيان وشيقة، وجميلة، لكنها في الواقع – أحياناً – تحمل أفكار عند شرحها لا نجد إلا الرفض. وهذا هو اللورد هنري مع الشاب الجميل دوريان غراي. سقط دوريان بكل ما فيه في فلسفة قائمة على الملذات، يضرب يمنة ويسر دون الاهتمام بأي قوانين.

ما لم يفكر به غراي أن اللوحة التشكيلية ستصبح انعكاس لواقعه الداخلي. لم يكن هناك اندماج بين الروح والجسد. لم تظهر آثار الخطايا في تصرفاته. هو أشبه بطفل جميل، مطلق الجمال, لكن اللوحة فعلت فعلتها – والتي هي كذلك تحمل فلسفة بقاء النص حياً لفترة طويلة – . الصورة الجامدة الخالية من أي عاطفة هي من ستفضح سره للعيان: كل خطيئة، كل فكرة لا تقود إلا إلى الشر، كل صراع بين الروح الداخلية والشكل الخارجي سيظهر على اللوحة: سيصيبها التجعد، تظهر آثار دماء وتمزقات. يتحول الشكل الجميل إلى وحش كاسر هو صورة أصيلة عن روح هذا الشاب الجميل.

من ميزات هذا النص بعيداً عن نثر أوسكار وايلد هو في الحوار الصامت الكامن في ثنايا النص، الغير موجود على السطح الخارجي. هناك حوار متفجر بين روح الشاب دوريان غراي وما بين دوريان غراي في اللوحة التشكيلية. هذا الحوار يأخذ طابعاً غرائبياً يحمل في طياته الرعب. إن الروح تريد أن تحتج وتصرخ، أن تخاطب هذا الشكل الخارجي. عند الصرخة والاحتجاج هناك تواصل واحتجاج. التواصل هنا يجد له صدى في التحليل السارتري للنثر في كتاب ما الأدب؟، حين جعل المؤلف للنثر وسيلة سامية للتواصل مع الآخر، ويحمينا منه. إذا كان الكلام – النثر- هو وسيلة التواصل والاحتجاج، فما هو دور الصمت في الاحتجاج.. هل هو وسيلة بالأصل حتى يمكن للاحتجاج الظهور من خلاله؟ الصمت وسيلة أخرى للاحتجاج، لغة ثانية للنثر. لا تُعرف إلا حين تتم ملاحظتها. ليس بالسهل، ما إن يحل على العقل حتى يستمر لفترة طويلة جداً. الاحتجاج صمتاً لا يمكن التحكم به، بعكس الكلام الذي يأتي واضحاً ومعبراً ويمكن من خلاله التواصل. الذي يصمت لن يتكلم ولن يتواصل ولن يحذر! لقد قطع آخر وسيلة للتواصل. ممتلئ بنظرة لا يعرفها سواه، قام بإخضاع العقل، معبراً عن احتجاجه بصمت لا نهائي لن ينفك إلا بصرخة تماثل لوحة مونك! دوريان غراي يهاجم اللوحة التشكيلية: مرآة خطاياه. يريد أن يعيدها إلى سابق عهدها من الجمال. وفشل. لا يمكن أن ترد اللوحة على إنسان. هي تخاطب روحه، والروح لا تتحدث. صامتة. أعلنت عن صمتها، ولن تتحدث إلا إذا تحررت من هذا الثقل الذي ترزح تحته، وما تحدثه من انعكاس مباشر على اللوحة. هناك تجاوب ما بين دوريان واللوحة. هل يستطيع الخادم مثلاً أن يلحظ هذا التجاوب، أي أن يشاهد التغييرات على اللوحة؟ إذا سلمنا بأنها رؤية فنية غرائبية، من الممكن أن يكون هناك تجاوب. والذي تعرض له كل القراء كما أعتقد وسلموا به لأننا نرى التغيير في اللوحة كأمر طبيعي. وللتيار الواقعي سيجدون أن التجاوب محصور بين طرفين هو دوريان واللوحة، ولن يلحظ أحداً ما هذا التجاوب. لأن الخادم، حين تطلع إلى اللوحة لآخر مرة وجدها كما كانت: آية من آيات الإبداع الفني، بينما السيد الحقيقي، يحمل ثقل خطاياه، هارباً من هذه الحياة. بسطر واحد، بجملة واحدة، يقلب أوسكار وايلد الرؤية الغرائبية للوحة إلى رؤية واقعية: اللوحة لا تتعرض للتغيير إلا تحت عوامل طبيعية صرفة.

هذه الرؤية التي تسير في خط ما بين الغرائبية والواقعية تعيد لي قصة عدي الحربش أرنولفيني, وتحديداً الجزء الثالث من القصة، حين يتحدث الراوي مع السيدة المجهولة في لوحة فان ايك أرنولفيني. هذا هو الحوار في قصة أرنولفيني:

“مادونا.”
“……”
“مادونا، هل تسمعينني؟”
“اسمي ليسَ مادونا.”
“أدري. أنا أجهلُ اسمكِ، و لكنكِ تشبهين العذراء. تشبهينها في حزنِها.”
“من أنت؟”
“أنا أحدُ من تطلعوا في اللوحة.”
“……”
“أريدُ أن أسألكِ سؤالاً واحداً. سؤالاً واحداً فقط، و سأترككِ في سلام.”
“اسأل.”
“النظرةُ التي تعتلي وجهكِ في اللوحة، إنها تطاردني في أحلامي، توقظني من منامي، سوف تصيبني قريباً بالجنون. أخبريني، كيف كنتِ تشعرين قبلَ أن يقتلكِ خطيبكِ مباشرة؟ هل كنتِ تشعرين بالحزن؟ هل كنتِ تشعرين بالخيبة؟ بالطمأنينة؟ بالاستسلام؟ بالرضا؟ أرجوكِ أخبريني.”
“و لماذا تريدُ أن تعرف؟”
“حتى أدركَ الحقيقة.”
“الحقيقة! الحقيقة هي ما تقرأهُ أنت. ما تقرأه. تلكَ هي الحقيقة

….

من المؤكد، والثابت – قياساً على هذا الحوار – أن دوريان غراي فعل فعلته الأخيرة، لأنه شاهد الحقيقة تتجسد أمامه. ما كان يفقده أنه يجب أن يتخذ إجراء لأن الحقيقة تريد فعل وليس تصريح. كانت الحقيقة مرة .. والفعل يجب أن يكون أشد مرارة. وكانت كذلك: تلك هي الحقيقة!

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s