أن تقتل طائراً بريئاً

قبل أن يتجه مارتن لوثر إلى نصب لنكولن التذكاري ليلقي أحد أروع الخطب في القرن العشرين أمام أكثر من ربع مليون من مناصري حركة الحقوق المدنية، كان هناك محامي صنعته الروائية الأمريكية هاربر لي يدعى أتيكوس فينش. ألقى خطابا أمام المكان الوحيد الذي من الممكن أن تتوفر فيه الحقوق وتصون فيه كرامة الإنسان أياً كان جنس وعرق هذا الإنسان. ظهر أتيكوس إلى العالم عام 1960، أي قبل خطبة I Have A Dream بثلاث سنوات على الأقل. وأنا أقرأ رواية تتناول قضايا السود في الولايات المتحدة في فترة الستينات، كان من المهم عليّ أن أعرف متى نشرت هذه الرواية. هل كانت قبل خطاب مارتن لوثر أم بعده. وحين ظهر لي الأمر على حقيقته لا يسعني إلا التأكيد بأن أتيكوس فينش ورواية هاربر لي هذه كانت ذا تأثير مدوي في المشهد السياسي الأمريكي وأعطت زخماً استفادت منه حركة الحقوق المدنية أيما استفادة. فهذه مؤلفة أمريكية من البيض، تكتب عن العدالة وحق الإنسان في الحياة بكرامة دون أن يكون عملها هذا رومانسياً ومشحوناً بالعواطف. بل واقعياً ومستمد من الواقع المعاصر بكل إيجابياته وسلبياته. حين أقول لم يكن هناك جانب رومانسي في العمل لا أقصد علاقة حب أو شيء من هذا القبيل. وإنما أشير إلى سيرة العمل ككل حيث يضفي المؤلف تأثيره المشحون بالعاطفة والنهاية التي تسحر العقول وتجعل من العمل لا يختلف عن بعض أعمال القرن التاسع عشر في انجلترا. فالمؤلفة كتبت روايتها من واقع الحياة، واستمدت تفاصيلها من البيئة المحيطة. وكل ما كان يدور في هذه البيئة في ذلك الزمن لا يمكن أن ينتهي نهاية رومانسية، بل يكون مؤلما وصادماً لأنها هذه هي الحياة التي ننكر بعض تفاصيلها، ولا نستطيع أن نكتشف بعض الحماقات إلا إذا ظهرت لنا بصورتها البشعة أمامنا دون حذر.

في بداية قراءتي للرواية وبعد أن تجاوزت المائة وخمسين صفحة، كنت عازماً على قذف الرواية في أبعد مكان من الممكن أصل إليه. بسبب هذه التفاصيل المحكية من واقع الحياة الاجتماعية وعن الأطفال تحديداً. فالسرد يبدأ وينتهي على لسان بطلة الرواية سكاوت ( جين فينش ) وهي كبيرة في العمر، لكنها تسرد التفاصيل كما لو كانت في السادسة من العمر، فيقتحم القارئ معها سيرة حياتها مع أخيها جيم ومحاولتهم المستميتة لإخراج أحد أبناء الجيران الذي ظل لسنوات طويلة لا يغادر منزله بأمر من والده. نقرأ مع سكاوت الشغب الطفولي بأصفى تجلياته وكيف كانوا يفكرون ونظرة الأطفال للعالم وللناس. التخلص من الرواية سيكون خطأ جسيماً لأني لم أهيئ نفسي لهذا النوع من السرد. بمعنى، سيرة حياة صادرة من عقل طفل. فحين تكتب المؤلفة على لسان طفلة صغيرة، يتم تحييد معظم القوانين السارية في الحياة الاجتماعية، لأن الطفل لا يستطيع أن يميز بين قانون عام يثير الجدل بين مجموعة من المحامين، أو مجموعة من كبار السن. ولا يستطيع أن يتقبل فكرة أن هناك كان بشري يحصل على ميزات أفضل من آخر بناءً على العرق أو اللون. والأمر الآخر هو البراءة. حين تطفو قضية ما على السطح من المهم أن يكون هناك رد فعل. رد الفعل هذا حين يصدر من محامي من المتوقع أن نقرأ خطاب منه أو تصريح أو رفع دعوى، أو حين يصدر من سياسي سيكون له تصريح أو موقف، ولكن حين يصدر من طفل: تتم إزاحة الاختلافات السياسية والمذهبية بين مجموعة اجتماعية محددة مثلاً وتظهر القيم الأخلاقية التي بشر بها الأنبياء والمصلحين في التاريخ بأروع تجلياته. لأنهم أطفال. لا يفكرون إلا بالألعاب والسعادة وقضاء أوقات سعيدة. هناك نوع واحد من الناس كما يقول جيم الطفل: إنهم الناس أنفسهم. ولكن إذا كان هناك نوع واحد لما لا يتفاهمون مع بعضهم البعض؟ لما ينحرفون عن المسار ليحتقر الواحد منهم الآخر؟ .. وهكذا تنطلق الرواية.


هناك مسار واحد للرواية كما قلت، ترويه سكاوت للقراء. هذا المسار الغارق في خضم الحياة الاجتماعية في ولاية ألاباما تتفرع منه القضية التي تغطي الرواية وتسكن روحها: العدالة وحق الإنسان الأسود. إن كان هناك مكان كما يقول المحامي أتيكوس تتحقق فيه العدالة للجميع ويصبح الأفراد فيه متساويين وخاضعين لسلطة عادلة وعاقلة، لن يكون هذا المكان إلا في قاعة المحكمة العليا، أو في محكمة الاستئناف، أو في المحكمة المحلية. وبفقدان هذا المكان لسلطته الحقيقية في مساواة جميع أفراد المجتمع، يصبح كل شيء مباحاً كما يقول دوستويفسكي – ربما تكون وجهة النظر هذه متطرفة لكنها واقعية وحقيقية-. حين يفقد المرء المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الدفاع عن نفسه، لن يكون بيده سوى أن يقتل. لا من أجل القتل بحد ذاته. بل من أجل أن يعيش بكرامة دون أن يتسلط عليه أحد. هذه الرمزية في المحاكمة كونية وعالمية وتتفق مع مختلف الشرائع الإنسانية. ليست المشكلة في القانون، وإنما في المنفذين لهذا القانون. هل نظرة المنفذين للقانون لجميع البشر سواسية أم أن هناك فرد يحظى بمميزات تختلف عن الآخر لأسباب شتى : اللون أو المنصب أو النفوذ. إذا اختل الميزان لصالح أصحاب الجاه والنفوذ سيكون هناك عنصرية حتى لو كانت تختبئ تحت شعارات إنسانية عالمية. وهذا ما حدث في رواية أن تقتل طائراً محكياً للروائية الأمريكية هاربر لي.

المحكمة المحلية تكلف المحامي أتيكوس فينش مهمة تمثيل المتهم الزنجي الأسود توم روبنسون في قضية رفعها مجموعة من البيض بتهمة اغتصاب امرأة بيضاء. أتيكوس الذي وجد نفسه بعد وفاة زوجته يرعى طفلين لم يتجاوزا العاشرة، كان يهدف في عمله هذا الذي كلف به أن يعطي مثالاً لأبنائه. مثال للالتزام والشجاعة. فهو بالتزامه في الدفاع عن هذا الأسود يستطيع أن يرفع رأسه أمام أبناءه دون أي شعور بالذنب. رغم أن أهالي البلدة كان يعيرونه بأنه محب الزنوج – مهاجمين له – كان لا يسير على نهج هذه الغالبية لسبب جد ذكي. فهو ليس بمثالي أو وجه مشرق، وإنما انحاز لما هو أكبر من رأي الأغلبية، وهو الضمير. حين يتصالح مع ضميره سيكون بمكانه أن يذهب إلى مكان العبادة ويصلي لله. وإن لم يفعل ذلك سيصبح كائناً ممسوخاً من الداخل، لا يسيره الضمير بقدر ما يسيره رأي الأغلبية. وأما التزامه بالشجاعة فهو سيقف أمام مجموعة هائلة من البيض العنصريين أمام المحكمة. هل هذه الشجاعة التي يبحث عنها ويريد أن يقدمها لأبنائه؟ بالتأكيد لا. ليست هذه هي الشجاعة ولا حمله للبندقية. ولكن الشجاعة الحقيقية هي التي يرسمها ضميره، هي معرفة أنك خاسر حتى قبل أن تبدأ، ولكنك تبدأ على أية حال، وتحاول أن تصل بقضيتك الخاسرة إلى أخرها مهما كلف الأمر. قد لا تكسب إلا نادراً، ولكنك ستكب على أية حال.

أصل الآن إلى الجزء الثاني الذي يدور في المحكمة، وأستطيع من خلاله الربط بين أتيكوس فينش ومارتن لوثر. وتحديداً في مرافعة المحامي أتيكوس الأخيرة أمام القضاء. هذه المرافعة من أروع الخطب البلاغية في الأدب. في النص الأخير من المحاكمة كان يهدف أتيكوس إلى أن ينقل مجمل الصفات السيئة إلى المجتمع البشري بأكمله، وغير محددة بجنس محدد. ففي حين أن هناك كاذبون ومجرمون من السود، ينطبق ذات الشيء على البيض والبشرية بأكملها. كان صوت المحامي في المرافعة مفعماً بالحماسة وشديد التأثر، وها هو يستغل فقرة من إعلان الاستقلال هي الغاية من كتابة الرواية: كل الناس ولدوا متساويين. وها هو مارتن لوثر في مسيرة الحقوق المدنية يستغل هذه الفقرة بالتحديد، وبأسلوب لا يقل براعة عن أتيكوس فينش حين يقول:

لديّ حلم أنه في يوم من الأيام ستنهض هذه الأمّة لتعيش معنًى عقيدتها الحقيقيّ : نؤمن بهذه الحقيقة: أنّ كلّ الرّجال خُلِقُوا متساوين.. لديّ حلم أنه في يوم من الأيام وعلى تلال جورجيا الحمراء سيكون أبناء العبيد و أبناء ملاك العبيد السابقين قادرين على الجلوس معا على مائدة إخاء.. لدي حلم أنه في يوم من الأيام أنه حتّى ميسيسبي التي تتصبّب عرقًا من حرارة الظلم والاضطهاد ستتُحَوَّل إلى واحة حرّيّة وعدالة.. لديّ حلم أنّ أطفالي الأربعة سوف يعيشون في يوم من الأيام في دولة لن تعاملهم بلون جلدهم لكنّ بمحتويات شخصيّتهم.. لديّ اليوم حلم.

مارتن لوثر ليس نسخة ثانية من المحامي أتيكوس فينش. بل هو أتيكوس نفسه! بعقلانيته وطموحه وأخلاقه والقيم النبيلة التي يحارب من أجلها. ولكن هذه المرة ليس في قاعة المحكمة التي لم يجد فيها أتيكوس العدالة، بل أمام مركز التغيير الحقيقي، أمام نصب أبراهام لنكولن التذكاري.

عند مشاهدتي للفيلم المقتبس من الرواية To Kill a Mockingbird 1962 كنت متهيئاً لخطبة أتيكوس، وظهر لي في نهاية الفيلم أن الفيلم بحد ذاته تحفة فنية. فهو أحد الأفلام التي تم تجسيدها في السينما بمهارة ودقة، حتى أن المؤلفة نفسها أُعجبت بالفيلم واعتبرته أيقونة فنية مساوية للرواية. ولا أظن أن هذه البراعة الفنية ما كانت لها أن تظهر لولا مقدرة بطل الفيلم جريجوري بيك الذي جسد دور أتيكوس بعبقرية فذة. فهو جسد حركاته في النص وطريقة نظراته وكيف يتعامل مع أبناءه، والأهم: الصوت. صوت جريجوري بيك مميز في الحقيقة ويستطيع أن ينقل إلى المشاهد مجمل الانفعالات البشرية كما في فيلم موبي ديك حين جسد دور القبطان الغاضب أيهاب، وهنا في هذا الفيلم بدور المحامي أتيكوس.

وما هي النهاية إذا؟ لا أقصد نهاية القصة / الرواية. ما أتحدث عنه هنا هو العدالة والحقوق؟ لا أظن أني سأفصل ذلك، فبعد أربعين سنة من محاكمة الطائر المحاكي البريء توماس روبنسون، يظهر سياسي يحمل الصفات الجسدية والخلقية لروبنسون ليصبح رئيساً للولايات المتحدة. لا أرى غاية عظمى للأدب أكبر من هذه. أن تستمد الفصول من الحياة، وأن تسرد من الواقع المعاش، وتنتهي كما تدور في واقع الحياة المعاصرة بكل بشاعتها. وأن تساهم في رفع حركة الوعي. وأن تكون من أجل الإنسان لأجل الإنسان ذاته، لا لشيء آخر.

الكتاب: أن تقتل طائراً بريئاً
المؤلف : هاربر لي
ترجمة : داليا الشيال
إصدار : دار الشروق

1/9/2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s