قـنـاع


لو لم أجد القوة لصناعة هذا الفيلم ، لكنت على الأرجح منتكسا!

……

ولأجل تسجيل ذكريات المشاهدة الأولى:
ما أروع هذه القوة! ما أروع هذا الفن! ما أروع هذا التجلي المذهل للسينما! يا لبؤس اليوم الذي قررت فيه مشاهدة هذا القناع! برجمان .. أنت ملعون! ما هذا الذي كتبت! ما هذا الجنون! لكل فنان قفزة ترفعه إلى الأعالي, وسقطة تنزله إلى أسفل! تكفيك هذه التحفة لتخلد اسمك حتى لو كان كل ما صنعت لا يستحق المشاهدة!



كل ما كتب أعلاه تمثل ردة فعلي بالضبط بعد انتهائي من مشاهدة القناع. هو الفيلم الوحيد الذي أستطيع بكل أريحية أن أشاهده كل سنة دون أن أفقد لذة المشاهدة الأولى, والصدمة الأولى, والاكتشاف الأول الذي يُفقد غالباً. هذا الفيلم هو إنجمار برجمان: المسرحي والمخرج والكاتب. وهو إلى ذلك أشبه بعملية انتحارية على مقياس هاملت: أكون أو لا أكون.

حتى تأليف برجمان وصناعته للفيلم قبل تنفيذه هي قصة بحد ذاتها. أجرى إنجمار عملية جراحية كانت تتطلب تحذيراً بدرجة معينة. حدث خطأ بحيث تم إعطاءه جرعة زائدة, وكانت نتيجة ذلك اختفاء ست ساعات من حياته لا يعلم عنها شيئا. نجحت العملية لاحقاً وكانت السبب الرئيسي في إعطاءه التهدئة فيما يتعلق بالإيمان. هذا التبصر حمل معه شيئاً من الطمأنينة, قضت على إحساسه بالألم والاضطراب, وكانت أولى الإرهاصات لخلق برسونا. في مستشفى صوفيا هيمت يفقد برجمان كل شيء, لم يعد يستطيع التميز بين ما يراه ويحلم به. لا يستطيع كتابة سطر واحد! صعوبة في كتابة السيناريو. درجة حرارة تقارب الأربعين. إصابة بذات الرئة المضاعفة. نوبات دوار واختفاء للزمن. وأشخاص متشحون بالسواد مع نعوش أحياناً يدخلون ويخرجون. محاولة للتحرر من سيطرة المرض الذي أغلق منابع الإبداع في العقل. كلمات حائرة وعبارات متلعثمة. وفجأة: فيلم قصير عن سيدتين شابتين تجلسان على البحر وترتديان قبعتين ضخمتين وتجريان مقارنة بين أيديهما. يستفز عقله بشحنات صادمة, ليجد أن الشخصية الأولى في الفيلم صامتة لا تتكلم. والشخصية الثانية متحدثة وفضولية وحريصة. النص لا يمكن أن يُكتب بالطرق التقليدية. يجب أن يكون استثنائياً. انقطع الاتصال مع آلية التخيل وعجلة الاختراع: ” كنت أعرف ما أريد أن أقوله لكنني لم أستطع التعبير عنه. تقدم العمل ببطء شديد مثل الحلزون, وتخللته هجمات من الحمى والقنوط, وبدأ الوقت ينفذ”. مكان الفيلم فارو. مكان برجمان المقدس, حيث الألوان والآفاق والصمت والأضواء والانعكاسات. تحت هذا السيل الهائل من عدم المقدرة على النهوض, يكتب ويخرج برجمان رائعته السينمائية Persona, والتي قال عنها أندريه تاركوفيسكي: لقد شاهدت فيلم بيرجمان برسونا مرات عديدة. وفي كل مرة كان الفيلم يهبني شيئا جديداً. كعمل فني حقيقي وصادق، هو دائما يتيح للمرء أن يتصل على نحو شخصي بعالم الفيلم، وفي كل مرة يفسره على نحو مختلف.


بالإضافة لشيء آخر وجد فيه برجمان القوة اللازمة لتنفيذ هذا الفيلم: الممثلة النرويجية ليف أولمان. كثيراً ما كان برجمان يردد جملته الشهيرة بأنه يوظف ليف في أفلامه لأنها بمثابة روحه الثانية. تقول ليف أولمان : ” كان ذلك عام 1966. كان إنجمار قد شاهد بعضاً من أفلامي قبل أن ألتقيه وحين التقيت به أحسست كما لو أنه شيء ما قد انبثق من صفحات مجلات هوليوود السينمائية. كنا نسير في الشارع أنا وهو وبيبي أندرسون، وفجأة أوقفني وقال: أريدك أن تمثلي في فيلمي القادم.. كان حينها يتهيأ لإخراج فيلم كنت سألعب فيه دوراً صغيراً, لكنه مرض فجأة وألغي الفيلم. عندئذ، ولأجل أن نغيّر مزاجنا ونبتهج قليلاً أنا وبيبي سافرنا نحن وأزواجنا إلى بولندا وتشيكوسلوفاكيا. وهناك في تشيكوسلوفاكيا أخبرتنا السفارة النرويجية أن رسالة وصلت من إنجمار. يبدو أنه أراد منا العودة على الفور. كان ما يزال راقداً في المستشفى، وكان يتطلع في صورة بيبي وصورتي، كما عرفت فيما بعد، حين خطرت له فكرة فيلم برسونا وقد كتب له السيناريو وهو في المستشفى. عدنا إلى النرويج وبدأ تصوير الفيلم بعد أسبوعين تقريباً. لم يجري أي اختبار لنا. لا شيء. فقد استوحى كل شيء من صورنا فقط. حينها فكرنا أنا وبيبي أن هذا الفيلم لن يراه أحد لأنه كان غريباً جداً!

هل بقي للصمت مكان في سينما برجمان بعيداً عن فيلم الصمت؟ يبدو فيلم الصمت مقدمة بسيطة وصغيرة لما تحمله كاميرا برجمان بعد ثلاث سنوات من إنتاج الصمت. وتحديداً في فيلمه ذائع الصيت القناع Persona. أحب تشبيه سينما برجمان بالنص النثري. خاصة بعد مشاهدة سوناتا الخريف. لم أشاهد حينها قصيدة بقدر ما كان نصاً نثرياً حارقاً. حسب التحليل السارتري للنثر والفرق بينه وبين الشعر يحدثنا سارتر بقوله أن الغاية من النثر كخاصية أدبية هو الفائدة الإنسانية والوجود البشري السامي. الكلام امتداد طبيعي للحاسة الإنسانية, إنه يخبرنا بوجود الآخر ويحمينا منه , أو يعرفنا عليه, وبعبارة أدق: اللغة هي أقوى مجالات الاتصال, والأدب هو قمة هذا الرقي في الاتصال. من أجل هذا كان النص الأدبي في السوناتا نصاً للكلام, يكشف خبايا الأمور ونتعرف على الآخر ونرى هذا الامتداد السامي للطبيعة الإنسانية في لحظة تفجر غاضبة وهائلة.

أجد نفسي مجبراً على القول بأن إنجمار برجمان في Persona تخلى عن أسلوب النثر. أو بمعنى أصح سلك طريق النثر لاحقاً بحكم أن السوناتا صدر من ضمن أعماله الأخيرة. أما في مراحل إبداعه العبقرية الأولى فهو يقف بصحبة الكاميرا وقفة الشاعر, شاعر يقف في أعالي المرتفعات يكتب قصيدة من صور لا تنسى. يصطفي الصور اصطفاءً رقيقاً, ينظر لها بعناية خشية عليها من الانهيار. وبعد اكتمال القصيدة لا يتحدث عنها ولا يبحث عن تفسير لها. يطلقها هكذا مجرده للجمهور, إن أحدثت تأثيراً كان بها, وإن لم تحدث أي تأثير كذلك ستتحدث القصيدة عن نفسها عبر احتراق الشريط السينمائي في البداية والنهاية وهذا الصمت اللانهائي. Persona بلا شك من أجمل القصائد السينمائية التي قد تطرب لها العين.

لن أتحدث عن القصة أو تفسير أو خلافه. سأتحدث عن تفاعلي مع القصة بلا ترتيب وبلا ضوابط على أمل أن أحاول لملمة الشتات الذي يضعه برجمان أمام مشاهده في فيلمه هذا. الممثلة إليزابيث فوجلر – ليف أولمان – فقدت النطق. لم تعد تتحدث. اختفى الصوت نهائياً وفقدت القدرة على التواصل الإنساني مع الآخرين. في المسرح, قبل أن يحين دورها في أداء الوصلة المسرحية فقدت وسيلة الاتصال الأهم القادرة على توصيل المشاعر الإنسانية بأوضح وأصدق صورة. تصل إلى المستشفى لتجد الممرضة ألما – بيبي أندرسون – المكلفة برعايتها تحاول المساعدة في إمكانية شفاءها. لا يوجد مرض جسدي يمنع إليزابيث من الحديث ولا ندري ما السبب كذلك. يستمر الوضع كذلك لعدة أيام حتى تقرر إدارة المستشفى نقل الممثلة الصامتة مع ممرضتها ألما إلى بلدة مطلة على البحر على أمل أن تجلب الأجواء الطبيعية بعض السكون والراحة وإمكانية استعادة إليزابيث لنطقها وتتحدث مع العالم. إلا أن ما جرى في هذه البلدة أضاف جنوناً فوق الجنون والمقدمة الغير طبيعية التي وضع برجمان مشاهده فيها.

هناك ممثلة صامتة طوال دقائق الفيلم. انهار الرابط الأساسي الذي يربطها بالحياة, لم تعد تعرف من هي وماذا تقول. لم يعد الأمر متعلق بالأحزان أو الفرح والطموحات وغيرها من هذه الأمور. انهار كل شيء في الحياة أمامها. وهناك ممرضة تتحدث أغلب دقائق الفيلم بأكملها. في محاولة لكسب الممثلة في صفها تتحدث الممرضة عن حياتها بكل ما فيها. تكشف كل لحظات حياتها السوداء والبيضاء بلا حدود. هذا الاسترسال في الحديث ما كان له أن ينطلق هكذا لو كانت الشخصية الأخرى تتحدث وتحاور. في مقابل الصمت لا يوجد مجال للكذب والتوقف والتبرير, والهرب. هنا نوعين من أنواع التوصل الإنساني. شخصية الممثلة هي الشخصية الشعرية في الفيلم. صمتها لحظة من لحظات الكلام. السكون الذي يحيط بعقلها ليس صمتاً بالمعنى الحقيقي للصمت, الذي هو الموت. الامتناع عن الكلام والتحاور هو حوار وكلام بصورة أخرى. والشخصية الأخرى هي الصورة النثرية من الفيلم: لا حد لحديثها ولا مجال للتوقف. إلا أن الصدمة كانت أنها وجدت نفسها تدين نفسها وجسدها بأفكارها. هذه الثيمة أراها تتكرر في أفلام برجمان التي شاهدتها حتى الآن. الأفكار التي تحملها الشخصية تسيرها في طريق, ثم لا تلبث أن تجد هذه الفكرة تقف أمام الشخصية وتدين الإنسان بأفكاره!.

هذا التوازن بين الصمت والكلام في الشخصيتين ما كان له أن يظهر بتلك القدرة العالية من الوضوح لولا هذه الكاميرا التي تحيط بوجه الممثل لحظة ممارسته لحقه في أنواع التواصل هذه ( الصمت/ الكلام). في أغلب مشاهد الفيلم نرى هذا الوضوح الكثيف لجمالية التعبير البشري بشكله الحقيقي في وجه الممثلة ليف أولمان حين تقف ثابتة لدقائق معدودة وتتدرج الإضاءة بشكل تدريجي إلى أن تصبح الإضاءة سوداء مطلقة, ينقل من خلالها المخرج مشاهده لرؤية مختلف عواطف وتعبيرات الطبيعة البشرية على أقصى ما يمكن. ( كلوز آب) سألت نفسي وأنا أشاهد هذه البراعة في ترجمة الصورة: كم ساعة يجب أن يقضيها الممثل حتى يقف أمام كاميرا برجمان؟ لا أظن أن ليف أولمان أو الممثلة أندرسون ينتقلون فوراً من حياتهم بشكل مباشر إلى كاميرا برجمان بشكل سريع ومباشر.

يعتمد برجمان على الوجه البشري وبتفاصيله وأدق تعابيره, من أجل المساعدة على التعبير عن تلك الأزمة, وتمكنه من إيصال ما يكنه الفرد من خواطر تختلج بداخله. ويقول برجمان : الشيء الحيوي والأساسي هو إن على الناس الذين يأتوا لمشاهدة فيلم أن يقدرّوا المعجزة العظيمة للسينما، خاصيتها الاستثنائية، وأعني بها اللقطة الكبيرة (كلوز آب)، أو الوجه الإنساني بالتحديد. السينما هي مثل الموسيقى تماماً، وسيلة فانتازية، لأنها تجتاز ذهنك وتتوجه إلى أحاسيسك مباشرة. لذا فإن استخدام اللقطة الكبيرة (كلوز آب) بشكل صائب وفي اللحظة المناسبة يمكن أن تخلق تأثيراً مذهلاً عند المتفرج. إذا صّورت لقطة كلوز آب بدقة ووعي وتشكيل محكم ومضاءة على نحو كاف ومرّكزة على ممثل موهوب أو ممثلة موهوبة، يمكنك أن تبقيها على الشاشة الوقت الذي تشاء!.عندما كنت حيوياً – كمخرج سينمائي – كان حلمي الكبير أن أعمل فيلماً مصوراً كله في لقطة كلوز آب واحدة فقط.

في بداية الفيلم لا نتعرف على شخصية بمقدار تعرفنا على عقل هو عقل الممثلة فوجلر. الممرضة ألما تصرح لمديرة المستشفى بأنها غير قادرة على مساعدة الممثلة, لأنها أمام عقل كبير, استطاع أن يُخضع النص في يده. هذه القوة في الصمت تعني أن لا شيء آخر يستطيع أن يخرجها من صمتها مهما كان. أن يكون الإنسان قادراً على الصمت, مهما كان, هذا يعني صرخة احتجاج عنيفة مشابهة لدرجة عالية للوحة إدفارد مونك: الصرخة. بل أن شخصية الممثلة الصامتة هي نفسها الشخصية في صورة مونك: التجسيد الشبحي للقلق. تقول ليف أولمان: كنت صامتة في أغلب مشاهد الفيلم. في البداية ظننت بأن ذلك سيكون رائعاً. أن أكون صامتة ولا أقول شيئاً، وبالتالي ستكون شخصيتي غامضة، لكن بعد فترة؛ بدأت أشعر بالإحباط من كوني لا أنطق، فقد كان عليَّ أن أكون فاترة ومنطوية على ذاتي، كان عليَّ أن أخفي مشاعري وأُقنِّعها، وفي الوقت ذاته يتعين على أن أظهر كل شيء .. كان ذلك صعباً للغاية.

تبقى هناك شيء واحد: تفسير اختفاء النطق في شخصية الممثلة إليزابيث. لا أدعي امتلاك تفسير لهذه الحالة, فقط مجرد ملاحظات بسيطة. اختفاء الصمت في شخصية الممثلة إليزابيث يعيد إليّ شخصية جولي في رائعة كيشلوفسكي ثلاثية الألوان أزرق. جولي فقدت القدرة على البكاء بعد الفقد. بعد مرور فترة طويلة نسبية بعد فقدها لزوجها وابنها بكت بكل حرارة وقد عاد لها الاطمئنان والسلام الداخلي. فقد القدرة على البكاء هو أمر بسيط بالمقارنة مع وسيلة الكلام, والتي هي وسيلة للتواصل الإنساني وللحياة كذلك, وبدونها يسقط ركن من أركان التواصل الحي المباشر والواضح. في أحد مشاهد الفيلم تشاهد الممثلة إليزابيث عرضاً إخبارياً يبدو أنه من فيتنام, لمدنيين أبرياء يُحرقون ويعرضون أنفسهم للموت دفاعاً عن مقدساتهم التي حطمها العدو. هناك صورة أخرى مشابهه لهذا المشهد من الفيلم حين تتطلع إليزابيث بخوف ورعب إلى صورة يظهر فيها طفل رافعاً يديه إلى الأعلى – علامة الاستسلام -مع أفراد من عائلته. يظهر الخوف والفزع على قسمات وجهها جراء هذا الفعل الغير طبيعي والغير الإنساني. حسناً: هذه في الحرب فقط, فماذا سيكون ردة فعلها لو كانت هي من تصوب السلاح في وجه هذا الطفل وبإرادة منها؟ هل سيكون هناك فرق بين الحالتين .. لا أجد فروقات على الإطلاق .. العسكري الذي يصوب فوهة البندقية في وجه طفل لا يختلف إطلاقاً عن الأم التي تحاول التخلص من الطفل الذي يكبر في أحشاءها, وهذه هي الأكثر إثارة في الفيلم وتحديداً في الجزء الأخير منه. عندما تصل العلاقة بين الممرضة والممثلة إلى طريق مسدود تحكي الممرضة أولما قصة الطفل الذي كان بجسد الشخصية الصامتة, زرعت في نفسها كره لهذا الطفل بعد أن قام أفراد أخريين بالتشكيك في حياتها كأنثى قادرة على إعطاء الجمال وأن تهب من عمرها عدة شهور ليسطع من جسدها طفل هو منها ومن دمها. لكن دم الممثلة المسرحية يرفض ذلك: تحاول أن تتخلص وتتحرر من المشاركة العامة مع طفل في قادم الأيام. كان برجمان قادراً على إعطاء اليقين لمشاهده في تفسير حالة الممثلة إليزابيث وسبب صمتها عبر الحديث بشكل مبسط – كلمة واحدة أو كلمتين- أو حتى البكاء ندماً على ذلك, إلا أنه – ويا للروعة برجمان هنا! – قرر أن يعبث بمشاهده مرة أخرى حول حقيقية هاتين الشخصيتين! إليزابيث و ألما شخصية واحدة.. هل هما شخصية واحدة! لا أريد أن أفكر بهذا الأمر أو تفسيره. تكفيني فقط هذه البراعة السينمائية التي يقذف بها إنجمار برجمان مشاهده بكل قسوة! رائع!.

أقول رائع لأن برجمان زرع الشك في ذهن مشاهده. عندما تحكي الممرضة قصة الطفل مع الشخصية الصامتة كانت الكاميرا مركزة بشكل كامل على إليزابيث, لا نرى رد الفعل والتعبير البشري الذي يظهر على قسمات الشخصية المتحدثة, أولما. وبعد الانتهاء من هذا الإلقاء المذهل يعيد برجمان نفس الحوار بأكمله من جديد, ولكن هذه المرة الكاميرا موجهة بشكل كامل على وجه الممرضة أولما. هذا التكرار للحوار أصابني بالحيرة: شككت في البداية أن جهاز العرض أصابه العطب فقرر إعادة الحوار من جديد, ثم شككت بأني ضغطت على جهاز الإرسال بالخطأ, فعاد الحوار من جديد. لم أقرر أن أضغط على الجهاز لأتأكد, تركته على حاله لأن جماليات برجمان بأكملها والعبقرية التي يتحلى بها كانت متفجرة في هذا المشهد. عبقرية النص والإخراج والإضاءة وهذا الكلوز أب الشديد, الرائع. عندما أقول بأن سينما برجمان تتميز بالحوارات المذهلة هذا لا يعني أن النص أياً كان سوف يكون رائعاً في الفيلم. كما هو معروف بأن هذا الفيلم وغيرها من أفلام برجمان هو من يكتبها ويخرجها بنفسه. الكاتب حين يكتب النص يحيط بالزمان ويرسم المكان, يعرف السيكولوجية الواقعة فيها الشخصية, يطوع شخصيته المختلقة لتكون طوع بنانه, حركات اليد والإرهاق بسبب تتابع الحوار, ولحظة الصدمة وتغير الوجه وظهور علامات الأسى, كل هذه الأمور كانت تحت سلطة برجمان: هو نفسه الذي يكتب, هو نفسه الذي يخرج .. قائد أوركسترا سيمفونية لا يرضى إلا بأن تخرج قصيدته بأجمل حلة, وقد نجح فيها .. أجمل قصيدة سينمائية من الممكن أن تشاهدها العين.

هذا أول مخرج أو كاتب نصوص أفلام ابحث عن كتاباته. وجدت كتابه المصباح السحري بنسخة الكترونية, وقمت بطباعته وتجليده ثم قرأته في يوم واحد. كنت أقرأ بسرعة وأسجل في ورقة جانبية حدث معين أو إشارة إلى فيلم ورقم الصفحة وهكذا. انطلقت في رحلة بحث عن كتابه الثاني والأهم: Images: My Life In Film إلا أني لم أجده, فأخذت بدل منه كتاب Ingmar Bergman Revisited: Performance, Cinema and the Arts by Maaret Koskinen .. لا أعرف لماذا أخذت الكتاب حين شاهدته معلقاً في قائمة كتب الفن في إحدى المكتبات. هل كان برسونا عميقاً إلى هذه الدرجة, أم هو تأثير برجمان المخرج والكاتب والمسرحي. أظنه تأثير برجمان كإنسان قبل أي شيء آخر.

7/5/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في إنجمار برجمان. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s