المتنبي: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

أن أُمسِك بديوان شِعر، ولشاعر من عظماء الشعر العربي، هذه تجربة تستحق التدوين. العلاقة التي تربطني بالشعر والتراث العربي هي علاقة الانتماء والمسمى. لا توجد رابطة وصلة قرب حقيقية ما بيني وبين التراث من ناحية الإطلاع والقراءة والبحث. لم أجد نفسي منجذباً للشعر وكتب التراث والمجلدات الضخمة. أنا مدين للزميل الدكتور عدي الحربش بمعرفتي بالمتنبي. وقد يتفاجأ بذلك إذ كيف يكون هو صلة الوصل التي تربطني بالمتنبي رغم أن أبيات المتنبي تسير بين الأفواه كحِكم يستخدمها الصغير والكبير في كافة شئون الحياة العامة والخاصة. اكتشفت المتنبي بعد قراءة قصة سرُ أبي الطيّب للزميل عدي. وهي قصة تحمل عنواناً غريباً بالنسبة لي إذ ما هو السر الذي يحيط بالمتنبي. وهل هناك سر في الأصل أم لا. وما علاقة هذا السر بحياة الشاعر وقصائده. إذا كان هناك سر في حياة أبو الطيب، أعظم شعراء العربية، فهو مرتبط بقصائده. هذا يعني أن القصائد ترجمة لحياة الشاعر المختومة بسر غير معروف. وإذا كان هناك سر في حياة شخصية عجيبة مثل المتنبي، هذا يعني أننا أمام شخصية روائية هي المتنبي: يبث في قصائده أحزانه وعواطفه ونشوة الفرح والانتصار والثورة والتغرب. السر الذي يحيط بشخص ما يصبح قوة دافعة للحياة، حين يصل إلى نقطة يسعد فيها قد يكتب الشاعر ما يسليه لأنه شعر بذلك الفرح واستولى عليه. وحين يصل إلى نقطة أوصلته إلى طريق مسدود قد يكتب الشاعر قصائد يبث أوجاعه فيها بكل قوة وحرقة. لا يضيع أوقاته في كتابة وإلقاء قصائد من أجل التكسب والربح. بل يطلب المجد والعلى في الوقت الذي يتسابق فيه شعراء ذلك العصر على طلب المال والتكسب من الشعر. في قصة الدكتور عدي يرسم الكاتب شخصية أبو الطيب وهو في السجن: يكتب كل قصائده المتعارف عليها دون أي مناسبة. ليس لها من سياق. كلها خيالات. حين حلقت روح المتنبي وهو في السجن يكتب قصائده دون سياق وصل خياله إلى رسم خارطة حياة له كما يقول الكاتب: : ملوكاً عرباً لا يركبُ رقابَها العَجَم، و شرفاً رفيعاً يسيلُ من أجلهِ الدم. تخيّل فارساً عربياً، يجندلُ أسداً بسوطِه، و تخيّل أميراً حلبياً يخرجُ كل شهرٍ للقاء الروم، فيدكّ حصونهم و يجندلُ أبطالَهم. تخيّل أنه يقعُ في غرامِ أخت هذا الأمير الحلبيّ، و تخيّل أنها تموت فيرثيها دونَ أن يبوح، و تخيّل أنّ الوشاة يسعون في تأليب الأمير عليه، ليخرجَ مُغضباً من إيوانه، و لينزحَ بعدَها إلى مصر، أرض الكنانة. تخيّل عبداً زنجياًً يغتصبُ تاجَ الإخشيد، و تخيّل أنهُ يحرمه الولاية فيتشاجرُ معَه، ليهربَ يومَ العيد في مسيرةٍ بطولية قاطعاً مصر و الشآم و العراق. تخيّل أن جدته تمرض، و أنها تكتبُ إليه، و لكن الأعداء يحولون بينَه و بينها، لتموت تاركةً حفيدَها وحيداً بين طغام الخلق. تخيّل النيروز في أرجان، و تخيّل نفسه غريباً في شيراز، يمشي في مماليكه و عبيده تحتَ ورق الشجرِ الورديّ، دون أن يحسّ ببهجةِ الربيع و بأنسِه. تخيّل، و تخيّل، و تخيّل، و ما كان له أن يحيا لو لم يتخيّل.

كل هذه التخيلات هي من صميم حياة أبو الطيب. وكل فترة من هذه الفترات كان هناك مدح ورثاء وحِكم وتغير في الطبيعة البشرية وتطور في النزعة نحو الرفعة وطلب الثأر، والخفوت والانهيار في لحظات اليأس والفراق. حاولت قراءة قصائد لأبو الطيب المنشورة هنا وهناك وصِدقاً: لم أعرف ماذا يريد أبو الطيب أن يقوله. أعرف أن هذا القول قد يسبب غضب محبي التراث والشعر العربي ولكنها الحقيقة وأعرضها هنا بوضوح. لم أجد شيئاً باستثناء كلمات محكمة الصنع والبيان يتفجر منها الفخر وأصبحت حِكم في سائر الأرجاء. أتذكر أني قرأتها همساً وهذا أحد الأسباب في عدم معرفتي بماذا يريد أبو الطيب أن يقوله. دخلت إحدى المكتبات المعنية بكتب التراث وفي ذهني كتاب طه حسين مع المتنبي وكتاب عيون الأخبار لإبن قتيبة، ولم أجد كتاب طه حسين. وهذه أكبر هدية من الممكن أن اكتشفها في مجال القراءة. وجدت كتاب ابن قتيبة، وفي أسفل الرف لمحت عنوان من الممكن أن يفتح لي باباً في معرفة المتنبي وتقصي أحواله ومحاولة اكتشاف سره، وهو كتاب المتنبي: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا لمحمود محمد شاكر، أبو فهر، المحقق التراثي المعروف. فتحت الكتاب ووجدت تفصيلات كنت ابحث عنها، وفي الفصول الأخيرة وجدت نقد لكتاب طه حسين مع المتنبي، والذي صدر بعد كتاب محمود شاكر بفترة زمنية تقارب السنتين، ومن هنا فقط بدأت رحلتي مع المتنبي.


هذا الكتاب أضعه تحت تصنيف الكتب المفضلة لدي وعلى الدوام. كتاب لا تمل من قراءته مرة تلو المرة. تُكرر قراءة الفصول لأن هناك صنعة أدبية فذة في صياغة الكتاب وأسلوبه وطريقته. محمود شاكر في كتابه هذا لم ينقل ولم يعتمد على التراجم الشهيرة في بحثه عن المتنبي، بل قام بخلق شخصية ظاهرة للعيان نراها تسير من مدينة إلى مدينة، ومن رحلة إلى أخرى، ومن انقلاب عواطف الشاعر إلى شعور آخر. أظن أني قرأت رواية ولم أقرأ كتاباً يتتبع أخبار أبو الطيب. تم تأليف هذا الكتاب والمؤلف في سن السادسة والعشرين ونُشر في مجلة المقتطف المصرية.

اختط المؤلف خطة لكتابة هذه الصفحات عن أبو الطيب بمناسبة مرور ألف سنة على وفاته. هذه الخطة ذاتية بحتة تقوم على أساس استقصاء حياة أبو الطيب من خلاله قصائده وليس من خلال تراجم الأخبار المتوفرة في كتب التراث. وهذا الاستقصاء قائم على منهج يعتمد عليه محمود شاكر في فترة شبابه وهو منهج التذوق. وهذا التذوق قائم على معرفة حركة الوجدان في شعر أبو الطيب على اختلاف الأحوال والبلدان والناس والذين لقيهم. هذا الاختلاف قد يحمل في طياته صدمات محيرة: مثل الاختلاف الواضح بين صورة أبو الطيب التي تصورها هذه التراجم والأخبار وبين صورته التي يصورها تذوق شعره مجرداً من تأثير الأخبار التي رُويت عنه. وهنا فقط يظهر الفرق بين تذوق الشعر معتمداً على الأخبار والتراجم وتذوق الشعر معتمداً على شِعر الشاعر فقط، وما يكون عليه من نفس المتذوق من إدراك لمجمل عصر الشاعر والعصور التي قبله وللرجال الذين عاش بينهم وخالطهم. من الإشارات المهمة حول هذا المنهج أن لا أحد يستطيع الإدعاء بأنه يعرف هذا المنهج ويستطيع استخدامه في ترجمة لأي شاعر أو أي مؤلف. السبب بسيط جداً. يجب أن يكون التذوق تلقائياً ودون رغبة في المكافأة أو التأليف. أمر يخص المتذوق نفسه الذي وجد في هذا الشاعر غايته ومنتهى آماله، فينفق الوقت في تذوق النص وفهم مدلولاته وتتبع أخبار الشاعر عن عشق ووله، ثم تأتي مرحلة أخرى من التذوق الشخصي البحت، وهو ما قد ينتج عنه من تأملات خاصة بالمتذوق تجعله يسلك طريقاً آخر لتقديم هذا الشاعر بطريقة مبتكرة وجديدة للغاية. أي أن الأمر شخصي يتعلق بهوى المتذوق ودرجة تعلقه بالشخصية التي يتذوق فنونها. فلو أحضرنا كاتباً وطلبنا منه الكتابة عن مؤلف باستخدام منهج التذوق سوف يتضح على الفور عدم واقعية هذا التذوق عند الكاتب، لأنه قد يستعين بآراء متعددة، وكل رأي له منهج خاص به. فتختلط هذه الآراء مع بعضها ويصبح الكتاب هجيناً مركباً من عدة آراء وليس به جهد شخصي كمتذوق صرف. أما المتذوق الذي يكتب عن عشق ووله، قد يأتي ما لم يأتي به أي كاتب آخر. ليس لأنه استثناء، بل لأنه وصل إلى حالة من التوحد والمعرفة ما يعطيه الأهلية في نقد ترجمة هنا وإبطال هذه الترجمة وخلق ترجمة جديدة لم يأتي بها أحداً من قبل وهذا ما أراه في كتاب محمود شاكر.

يقول المؤلف أن لا أحد – لا من القدماء ولا من المحدثين – أتى بما نشره في كتاب المتنبي حول نسب المتنبي وعلويته. هذه الفرضية قائمة على تذوق المؤلف شِعر المتنبي حتى بلغ حد القطع بأن أبو الطيب علوي النسب. الأديب الكبير الرافعي تردد في قبول هذه الفرضية وإن كان معجباً بكتاب محمود شاكر. بعد نشر الكتاب بعدة سنوات ظهرت أوراق مصورة من مخطوطة لابن العديم فيها تأكيد على ما جاء في ترجمة ابن عساكر تظهر نسب المتنبي. ومن هنا كما يقول الرافعي في مقالة عن كتاب محمود شاكر:

كان الرجل مطوياً على سر ألقي الغموض فيه من أول تاريخه ( يعني علوية المتنبي )، وهو سر نفسه، وسر شعره، وسر قوته، وبهذا السر كان المتنبي كالملك المغصوب الذي يرى التاج والسيف ينتظران رأسه جميعاً، فهو يتقي السيف بالحذر والتلفف والغموض، ويطلب التاج بالكتمان والحيلة والأمل.

المتنبي في الزمن وفي الشعراء شخصية عجيبة. إذا أخذتها من جهة ظهر لك من جانب آخر. وهو كما قال ابن رشيق: مالئ الدنيا وشاغل الناس. نشأ وهو محب للعلم والمعرفة. جدته التي رثاها ربما تكون هي السبب في ذلك، تستفزه إلى ذلك ليتمم لها ما تؤمل من الفرح في نبوغه ويستطيع أن يدرك لها حظاً ويطلب لنفسه حقاً هُضم ومنع من دونه حتى أُلقي في أسوأ مجهلة وبشر منزلة، في خفاء من النسب وقلة من المال وبعد عن المجد. في صباه كانت لو وفرة من الشعر تسيل على أذنيه. قال له أحد الفتيان: ما أحسن هذه الوفرة. فكان جوابه أعجب من صبي:

لا تحسُنُ الوفرة حتى ترى
منشُورة الضفرين يوم القِتال
على فتىً معتقلٍ صعدةً
يعُلها مِن كل وافِي السبال

بُعد في الهمة. لا يعبئ بلذةٍ لا تجدي خيراً ولا تؤتي ثمراً. يرى في نفسه ثائراً على الدوام لا يكل ولا يمل. يشرح المعنى النفسي في شعره فيقول:

سُبحانَ خالِقِ نَفسي كيفَ لذّتُها
فيما النّفُوسُ تَراهُ غايَةَ الألَمِ.
ألدّهْرُ يَعْجَبُ من حَمْلي نَوَائِبَه
وَصَبرِ نَفْسِي على أحْداثِهِ الحُطُمِ

إن قراءة هذه الأبيات بصوت مسموع، وبمعرفة أحوال أبو الطيب، تبعث في النفس سروراً. سرور لهذه المعرفة وبهذا التفجر البياني للغة من فم شاعر لا يطلب إلا المجد والحرب والثأر لنفسه من الذين اغتصبوا حقه وجعلوه منِ طبقة سحيقة. وبليغ بلاغة إلى حد الدقة في اختيار اللفظ وإيجاز الصورة، حتى بلغ من دقته في وضعه ونفوذه في معرفته وإتقانه أنه كان يقول القول في المدح وهو أبلغ الهجاء. من الحوادث المشهورة بحياة المتنبي هي النبوة التي قيل بأنه السبب في تسمية أبو محسد بالمتنبي. وفي سجنه كذلك. هل ادعى أبو الطيب لنفسه النبوة وطلب لنفسه البيعة كما قيل في الروايات التي رواها التنوخي واللاذقي أم أن سر أبو الطيب وثورته الدائمة في الكشف عن حقيقته هي السبب في ذلك؟ المؤلف يرفض هذه الحادثة كما تنقلها بعض الروايات معتمداً على نقده للنص المتواتر عن نبوة أبو الطيب وبتذوق شِعر الشاعر. ثم كيف يصح ويعقل أن يبايع أبو الطيب مجموعة من البشر وفيهم من فيهم من أئمة الدين والفقهاء. لا أحد يشك في أن أبو الطيب سجن لأمرٍ ما. هناك كما يقول المؤلف من جعل مسألة النبوة غطاء يسترون به حقيقة ما قام أبو الطيب فقبض عليه. كان أبو الطيب يُكثر من ذكر الأنبياء في قصائده ويردد أسمائهم ويشبه نفسه بهم، ويقيس أخلاق ممدوحيه إلى أخلاقهم. و من ذلك قوله: ما مُقامي بأرض نحلة إلا .. كمُقام المسيح بين اليهودِ. وقوله في نفس القصيدة: أنا في أمةٍ تداركها الله .. غرِيب كصالح في ثمودِ. روى أبي الفتح عثمان ابن جني أن المتنبي قال: لقبت بالمتنبي بهذا البيت. ويروي أبو الحسن المعروف بالناشئ أن المتنبي حضر مجلسه سنة 325 بالكوفة وهو بعدُ لم يُعرف ولم يلقب بالمتنبي.

كل قارئ لأشعار أبو الطيب ( هذا الرأي موجه لمن هم مثلي لا يعرفون كتب الشعر والتراث إلا قليلاً، أما محبي الشعر والتراث فإليهم محبة وسلاما ) أقول يجب تتبع أحوال أبو الطيب وأخباره من خلال كتاب محمود شاكر هذا وهو الأفضل كما أظن، أو من خلال أشعار أبو الطيب إذا كان القارئ مجيداً في العربية إجادة تعينه على تفحص المعنى وتقليب الكلمات والبحث عن أبو الطيب في قصائده. لأن قصائد هذا الشاعر هي حياته كلها. نبوغ المتنبي يتجلى ويتكشف حين أرغمته هماهم نفسه على استيعاب ما يُحس به من العواطف المتباعدة والمتقاربة. دراسة قلبه ومعرفة ما يحز فيه من الآلام, ثم المعاني التي تتولد من هذه الآلام, أصلاً من الأصول العظيمة في نبوغه, ثم في طبع شعره: الشِعر لا يكون شعراً إلا حين يروى من معاني القلب ويستسقي منها.

إذا مدح، بدأ بنفسه، وعظمها ومجدها ثم يبدي آراءه في الدنيا ويكشف عن الثورة القائمة في ضميره وقلبه، ثم لا ينفك يهدد ويتوعد وينذر إلى أن حدث الاتصال مع بني حمدان وخاصة سيف الدولة، فأسبغ عليه ما كان يسبغ على نفسه من ثياب المجد: يعلو به إلى غاية السمو في القوة والسلطان والسماحة وعظم المطلب، ولم يذكر نفسه إلا حين يُحرجه الوشاة والساعون بالشر بينه وبينهم. كان هناك فصل من بين كل الفصول هو الأهم بالنسبة لي: حب المتنبي لخولة، أخت سيف الدولة. وما أجمل هذا الفصل من بين كل الفصول, وما أجمل هذه الأشعار وهذه الجمالية في التصوير البليغ لقلب عاشق يفوح ثورة واضطراباً. حين توفت شقيقة سيف الدولة الصغرى رثى أبو الطيب في قصيدة لسيف الدولة هذه الأخت. العجيب الغريب في قصيدة الرثاء هذه ( إن يكن صبر ذي الرزيئة فضلا ) أن أبو الطيب لم يذكر المتوفاة إلا في بيتين فقط. ذكر الأخت الكبرى خولة مقرونة بالأخت في ثلاثة أبيات. والغريب طريقة الرثاء. فهو يطلب من سيف الدولة أن يقيس أخته الصغرى التي ماتت إلى أخته الكبرى التي بقيت له، فإذا فعل كان له ذلك تسلية وتخفيفاً للمصاب، كيف يفكر هذا الشاعر؟ هو يرثي فتاة بتذكير الأخ الأكبر بوجود الأخت الكبرى التي أعمت بصيرته وزجها في قصيدة رثاء ليس لها دخل فيها! ثم حين ماتت الكبرى بعد ذلك بثمان سنوات رثاها أبو محسد، شاعر العربية الأكبر، – وكان يومئذ بالكوفة – بأربعة وأربعين بيتا، منها واحد وثلاثون في ذكر خولة هذه. العاطفة في قصيدة رثاء خولة متفجرة، لا يكتبها إلا شاعر أخذه الحزن والبكاء. محمود شاكر في تتبعه لهذه القصيدة يفضل الكشف عن الانتقال من معنى إلى معنى في شِعر أبو الطيب. عند الكشف عن الانتقال في الأبيات بالإمكان اكتشاف الموضع الذي ينبغي لنا الوقوف عنده وتمييزه والتبصر في أوائله وأواخره، ومن ثم تظهر شخصية المتنبي بأوضح صورة كاشفة أسرار قلبه وحياته ونفسه. القصيدة تبدأ بالبيت الشهير: يا أُخْتَ خَيرِ أخٍ يا بِنْتَ خَيرِ أبِ كِنَايَةً بهِمَا عَنْ أشرَفِ النّسَبِ . الانتقال الأول يحدث في البيت الخامس حين يذكر مصاحبة الموت لسيف الدولة في الحروب: وكم صَحِبْتَ أخَاهَا في مُنَازَلَةٍ وكم سألتَ فلَمْ يَبخَلْ وَلم تَخِبِ .. ثم يحدث الانقلاب بهذا البيت الذي يقول عنه المؤلف متأملاً بأنه البيت الأول الحقيقي في القصيدة:

طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَبَرٌ
فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ
حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلاً
شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي

المتنبي يكتب بقلبه. وعند اضطراب النفس يصبح رد الفعل مباشراً لا منتظراً لآراء أو مواقف. بل الدخول في العمق مباشرة دون تأخير. وفي حالة الرثاء – وهي من هي!- يصبح الأمر مباشراً بذكر تأثير ذلك على نفسه أولاً وكيف أصبح في حالة بين مصدق ومكذب. هذه الأبيات في الانتقال الأول تمثل الحالة النفسية الحية في قلب المتنبي بعد بلوغه خبر وفاة خولة أخت سيف الدولة. حين جاءه الخبر وهو في العراق وصل الخبر إليه دون غيره في العراق إلا ليخبره هو دون غيره. الحب دائماً يخص. سقطت نفس الرجل وغرقت في دمعها حتى شرقت بها. أي حالة هذه تكون لرجل إن لم يكن غير عاشق! لا يكتبها إلا الذي يحب ويهوى. لا يرثي أخت صديقه وأميره، وإنما كلام قلب مفجوع قد تقطعت آماله من الدنيا بموت الحبيب. والأبيات الباقية كفيلة بتبيين علاقة أبو الطيب بخولة. أذكر أني قرأت هذه القصيدة في غرفة مكتبي بصوت عالِ. ولكن أي من أبيات هذه القصيدة لم يستطع أن يسبب لي صدمة تصوير فني بديع مثل قصيدة فراق ومن فارقت غير مذمم.

رَحَلْتُ فكَمْ باكٍ بأجْفانِ شَادِنٍ
عَلَيّ وَكَمْ بَاكٍ بأجْفانِ ضَيْغَمِ
وَمَا رَبّةُ القُرْطِ المَليحِ مَكانُهُ
بأجزَعَ مِنْ رَبّ الحُسَامِ المُصَمِّمِ
فَلَوْ كانَ ما بي مِنْ حَبيبٍ مُقَنَّعٍ
عَذَرْتُ وَلكنْ من حَبيبٍ مُعَمَّمِ
رَمَى وَاتّقى رَميي وَمن دونِ ما اتّقى
هوًى كاسرٌ كفّي وقوْسي وَأسهُمي

قوله رحلت يعني رحلته إلى حلب، ثم ذكر بعده ما كان من جراء هذا الفراق، وأبان عن الذي كان سبباً فيه، وقابل في ذلك بين اثنين: رجل وامرأة. فذكر باكية تبكي على فراقه بعيني غزال، وباكياً يبكي بعيني أسد، وجازعة لفراقه زينتها قُرطها الذي في أذنها, وجازعاً زينته حسام! رحم الله أبو الطيب .. حياته سر، وقصائده تأريخ مسرحي لحياة الشاعر، مهاجراً من بلد إلى بلد، لم يكن الشِعر يسيل بين يديه من أجل الشِعر ذاته، بل من أجل نفسه، وهي التي عملت ما عملت في قصائده.

كنت أتجول في مكتبة عالم الكتب Book World by Kinokuniya في دبي قبل أسبوع. ما أجملها من مكتبة! عالم آخر من الحياة. كأنها قطعة من الجنة. كل العالم مجتمع في تلك الأرفف وتلك الزوايا. كل المجالات موجودة. كلها. أكثر من ثلاث ساعات وأنا اكتشف عوالمها. ويوم عن يوم اكتشف أشياء جديدة. من يعمل في تلك المكتبة سيجد السعادة حين تطأ قدمه أرضية المكتبة، وحين يخرج سيشعر بالتعاسة، لأنه خرج من تلك الجنة الأرضية. دخلت فرع هذه المكتبة في ماليزيا قبل سنوات وكانت رائعة، ولكن الفرع في دبي غير معقول: أضخم من كل الفروع، بل هو مشابه في الحجم لمكتبة waterstones في لندن. حدث نوع من الحوار بيني وبين أحد الكتب. وقفت أمام رفوف خاصة بالشعر الإنجليزي وقرأت العنوان: Bright Star: The Complete Poems and Selected Letters. هو كتاب يضم كامل أعمال الشاعر الإنجليزي جون كيتس ومختارات من رسائله. شاهدت مثل هذا الكتاب كثيراً ولكن هذه المرة الأمر مختلف: غلاف الكتاب كان جذاباً! صورة مقتبسة لحبيبة جون كيتس من فيلم Bright Star الذي يتحدث عن اللحظات الأخيرة في حياة الشاعر وهي تقرأ رسالة له وسط المروج الخضراء. أمامنا ها هنا شاعر توفي في الربع الأول من القرن التاسع عشر. ترك قصائده في هذه الدنيا. لا يستطيع توجيهها وتقديمها للناس. الأمر متروك للقارئ: متى ما فتح قارئ ديوان شعر لجون كيتس حتى يعود للحياة مرة أخرى.

ولكن ماذا إذا حصل هناك انقطاع بين القارئ والكتاب .. هل يستطيع الشاعر أن يستمر في ذاكرة الناس لسنوات قادمة؟ يجب أن يكون هناك تجديد: هذا التجديد قائم على حياة الشاعر وعصره ونتاجه الأدبي وتأثيره من خلال تجسيد أعمال فنية له: لوحات تشكيلية، مسرحيات، أفلام سينمائية، أفلام وثائقية. هذا التجديد يفتح باب علاقات جديدة ليس بين القارئ والشاعر فحسب، بل بين مجموعة كاملة من الجمهور الغير قارئ والشاعر، وهذه الطريقة هي من أفضل وأجدى وسائل التجديد الأدبي. مشكلة التراث العربي أنه يحوي كنوزاً هائلة. لكن التجديد فيه كارثي، بل وليس له وجود على أرض الواقع إلا من خلال اجتهادات فردية. الزمن العربي السيئ هو السبب في ذلك! أم جمهور محبي التراث هم السبب في ذلك! أترك هذا الأمر لأنها قضية شائكة وكبيرة.

لنتخيل للحظة وجود أعمال سينمائية عن حياة المتنبي, كيف ستكون؟ ليس المهم تجسيد حياة الشاعر بأكملها لأنها مخاطرة ولكن بالإمكان اقتباس أجزاء من حياته التي تشكل ديوان شِعره: هناك المتنبي وسيف الدولة، المتنبي وخولة، المتنبي وسجنه، المتنبي في موطنه الأصلي وقضية النسب، المتنبي ومقتله، المتنبي في كل مدينة من المدن التي زارها، المتنبي والهم العربي، المتنبي والثورة، المتنبي وكيف أصبح أميراً لإمارة دائمة لا تنتهي! أعمال كثيرة لو ظهرت للجمهور لتم إقامة علاقة جديدة بين المتنبي وبين جمهور لا يهتم بالأدب ولا بالشعر. ليس في الأمر انتقاص من قصائد المتنبي، فهو شاعر ومن عظماء الشعر العربي، ولكن ذلك لا يعني خمود المتنبي معرفياً وشعرياً والحجر عليه في زاوية القراءة وسماع قصائده فحسب. ديوان المتنبي هو ديوان حياة، ما إن يكتشفها المرء حتى يتذوقها تذوقاً مختلفاً بعكس التذوق الأول الذي يأتي دون معرفة بسيرة حياة الشاعر.

المؤلف والموسيقي اللبناني الكبير منصور الرحباني يشكل علامة مضيئة في هذا التجديد الذي أتحدث عنه هنا، من خلال مسرحية أبو الطيب. هناك من يظن أن اتساع الرقعة الجغرافية في حياة المتنبي قد تشكل خطراً لعدم تنفيذ عمل مسرحي جميل للمتنبي، ولكن منصور يقدمها هنا بصورة جميلة للغاية. فها هنا نرى المتنبي في حلب وفي شيراز ومصر وفي الكوفة، وفي كل مدينة نرى سلوك الناس وهمومهم وانشغالاتهم من خلال المتنبي الذي يتطلع في صورة سيف الدولة الذي وجد فيه ملاذه الذي يبحث عنه في الأراضي العربية. ثم ها هو المتنبي يبقى في حلب وسيف الدولة يخرج للحرب، يتغزل في خولة التي يراها تاج حكمه الموعود. ثم نرى خولة التي لا نسمع صوتها في التراجم العربية، تصرخ في المتنبي وهي تنشد بصوت كارول سماحة: يا متنبي! هواجس تعصف بي، تفتك بي، وإننا نستوطن المحال .. إلا أن المتنبي وهو في غمرة عشقه لخولة، يرسم خارطة طريق لقصائده: خارطة طريق لرحلاته وثورته الدائمة وقوميته العربية، يبث في ديوان حياته أعنف ما يهز قلبه، يصرخ بكلمات أصبحت حِكم ينطقها الصغير قبل الكبير، ولا نستطيع إلا أن نتغنى وراءه:

لِتَعْلَمَ مِصْرُ وَمَنْ بالعِراقِ
ومَنْ بالعَوَاصِمِ أنّي الفَتى
وَأنّي وَفَيْتُ وَأنّي أبَيْتُ
وَأنّي عَتَوْتُ على مَنْ عَتَا

14/5/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب عربي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s