الـعـار


في رواية البرتغالي الكبير جوزيه ساراماغو: العمى, انهارت الحضارة وعاد الإنسان إلى حياته البدائية المتوحشة, لم يعد للموسيقى أو أي شيء من كماليات الأرض حضور, ما يهم هو البحث عن الأكل, القدرة على تنظيم الحياة في عالم لا يرحم. قد تكون هذه الرؤية تطرح بقوة في روايات الخيال العلمي, ولكن, هل بمقدور الكائن البشري أن يصل إلى حالته البدائية بدون انهيار وسائل الحضارة؟

يجيب عن ذلك برجمان في فيلمه العار. هذا الفيلم من بين أغلب أفلام برجمان ليس للتسلية, بل هو أشبه بدرس فني بديع حول علاقة الممثلين بالمخرج, وعلاقة الممثلين بالمشاهد. وهو من جهة أخرى استكشاف النفس البشرية في بيئة مضطربة جنونية لا تعرف الرحمة: بيئة الحرب. لقد تعودنا دائماً أن نشاهد أفلاماً حربية تتحارب فيها الدول, فينحاز المشاهد إلى هذه الدولة لعدالة قضيتها, أو قد ينحاز المشاهد لبطل من الأبطال يعيش أوضاع بائسة ومزعجة في وقت الحرب, فيتحقق الانتصار أخيراً لهذا البطل حين يخرج من بيئة الحرب منتصراً ويعود لحياته الطبيعية كأن شيء لم يكن. كل هذا كذب! لم يكن في ذهني أن أصرح بذلك ولكن برجمان فعلها معي في هذا الفيلم.


سبب ذلك أن الانحياز الذي يشعر به المشاهد تجاه بطل من الأبطال غير موجود في تحفة برجمان هذه, العار, بل تم سحقه ولا توجد أي إمكانية إما للتعاطف أو الكره تجاه أبطال الفيلم. وربما هذا هو السبب الذي جعل برجمان يصرح بأنه غير راض عن العار لأنه شعر بأنه اقترب أكثر من اللازم من الحرب, وأنه يحب النصف الثاني من الفيلم، أي بعد توقف الحرب وسقوط الزوجين في صمت مطبق بعدما أدرك كل منهما الثمن الكبير الذي دفعه لكي يبقى على قيد الحياة.

جميع الشخصيات طيبة وجميعها سيئة كذلك. ها هنا انحياز للواقعية على حساب الرومانسية التي تغلف طبيعة الحرب ومكنوناتها وروحها. النفس البشرية ليست ثابتة في مجال واحد. تتأثر بالأجواء المحيطة وتؤثر بها كذلك. درجة التأثير تختلف حسب التغير الذي قد يصيب اقتصاد الفرد وأمنه وحياته الاجتماعية. عندما يصبح الفرد آمناً في منزله وأموره الاقتصادية والاجتماعية مستقرة, قد يصبح التأثير حسب التغير السياسي المحيط بالبيئة المحيطة, والتغيرات الفكرية والثقافية التي قد تطرأ على هذا المجتمع. أما في بيئة الحرب فيصبح كل شيء مختلفاً. كل الأدوات الرئيسية لحياة مستقرة تتعرض للانهيار. وعند الانهيار تتغير النفس البشرية, فينقلب الحب إلى كره, والهدوء إلى غضب, والبريء إلى مجرم. وهذا ما نراه هنا.

الموسيقار جان – والذي يؤدي دوره هنا ماكس فون – شخصية حساسة وبريئة. أو بمعنى أصح: ساذجة. لا يستطيع أن يقتل دجاجة. يعيش مع زوجته إيفا -الممثلة ليف أولمان – في جزيرة هي مسرح حرب بين دولتين لم يعلن عنهم أو عن سبب الحرب. زوجة الموسيقار أقوى من زوجها. تستطيع أن تتحمل صوت القنابل وتشحذ من همم زوجها للنهوض والرحيل. إنها قوة دافعة لزوجها الطيب. أساس الفيلم هي الطبيعة السيكولوجية المتغيرة في نفوس وروح الأبطال. كيف يتغير كل شيء بلمح البصر بطريقة طبيعية – صادمة. أقول طبيعية لأنها شيء طبيعي أن يحدث هذا التغيير في النفس البشرية في مكان أجواء الحرب تعصف به في كل مكان. وأقول صادمة لأننا – حسب مشاهداتي – لم أرى يوماً مثل هذا التغير الذي هو طبيعي. لم يستطع أحد من المخرجين من قبل – أظن ذلك – أن يظهر لنا هذه الروح العدائية في النفس البشرية, وكيف يصبح الإنسان البريء الذي لا يستطيع أن يقتل دجاجة, يستطيع أن يقتل إنساناً دون أي شعور بالذنب. وكيف يصبح الذي لا يستطيع أن يرفع يده في وجه زوجته, قادر على ضربها, وعدم مساعدتها للنهوض حتى لو سقطت وهي تسير معه.

لا أظن أحداً يستطيع تبرير القتل. ولكن ماذا لو انقلب القانون وأصبح قانون الغابة هو الحاكم؟ عندها, بلا شك, سأضطر إلى القتل مجبراً, دفاعاً عن نفسي. ولكن من الذي يحدد أن قانون الغابة هو الحاكم؟ هل المكان الذي يحيط به القتل من كل اتجاه, هل هو المكان المناسب لإخراج الجانب الآخر من النفس الإنسانية, الجانب المظلم المنزوي خلف الهدوء والسكينة, ليعلن اكتساحه, مكشراً عن أنيابه ويبدأ القتل, من أجل أن يعيش. جان لا يستطيع قتل دجاجة كما قلت. لكن عندما يجد في قرارة نفسه أن لاشيء يخسره, ولا يتبقى لديه شيء للدفاع عن نفسه, وعندما يجد وسيلة دفاع رئيسية تحفظ له حياته, فهو سيصبح وغد, قاسي لا يرحم. المصالح الذاتية تطغى على كل جانب في هذه الحالة, يصبح الممنوع أمراً محتماً لا مفر منه. حتى الأخلاقيات لا تستطيع إيقافه.

يقول آندريه تاركوفيسكي في كتابه البديع النحت في الزمن معلقاً على شخصية فون ماكس: لا بد أن تكون شخصاً ذا استقامة عظيمة لكي تشعر بالخوف إزاء الضرورة البشعة التي تدفعك لأن تقتل وتذل كائناً آخر. بإراقة ذلك الخوف, واكتساب الشجاعة ظاهرياً, يفقد الفرد قوته الروحية واستقامته الفكرية وجوانب من براءته. الحرب هي التي تحفز العناصر الوحشية, اللاإنسانية في الأفراد, وبيرجمان يستخدم الحرب في هذا الفيلم لكي يسبر رؤيته للإنسان. برجمان لا يسمح أبداً لممثليه أن يكونوا فوق الوضع الذي فيه يتم تعيين الشخصيات, ولهذا السبب هو يحرز نتائج ممتازة. في السينما, يتعين على المخرج أن ينفخ الحياة في الممثل, لا أن يجعل منه ناطقاً باسمه وينقل أفكاره.

7/5/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في إنجمار برجمان. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s