الصمت

فيلم الصمت هو أكثر الأشكال الفنية لبرجمان إثارة للتساؤل والنقاش. لا يستند برجمان على الكلام في تفسير عاطفة الأبطال وإخراج حقيقة العاطفة في شخصية إيستر وشخصية آنا. يبني برجمان عالم كامل يتحدث عبر الصمت. وبالمقابل إذا كان الشكل الهندسي للفيلم قائم على الصمت يجب أن يتحدث الأبطال للتعبير عن أرائهم الحقيقية. هذه هي المشكلة الهندسية التي يسير عليها الفيلم. الصمت وسيلة للتخاطب أجدى وأنفع مقابل الكلام أو الصوت. أحب وصف هذا الفيلم بالهندسي لأنه قائم على مرتكزات صامتة حقيقية متفجرة تفرضها العزلة والمبادئ والغيرة والكره والحقد. رغم أن الفيلم ليس من الأفلام الصامتة إلا أنه الأكثر تعبيراً عن الأفلام الصامتة وهذه هي البراعة. فمجموع الحوارات في الفيلم لا يتجاوز الدقائق المعدودة ولذلك يوجه برجمان كل طاقته في استنطاق الوجه البشري لإظهار مختلف التعبيرات التي قد تنشأ من حياة الأبطال عبر الفعل ورد الفعل.

يحكي الفيلم قصة شقيقتين: إيستر وآنا والطفل يوهان. في طريقهم إلى الوطن يتوقفون في مدنية غريبة ويقضون عدة أيام في فندق فاخر للاستراحة ريثما تستعيد الشخصية الأولى إيستر عافيتها من المرض الذي يعذبها. هذه هي قصة الفيلم بشكل عام. الشخصية الأولى إيستر وصلت إلى درجة عالية من الثقافة وتقضي معظم وقتها كمترجمة للكتب الأجنبية. بينما الشخصية الأخرى آنا عبثية لأقصى حد, تمتلك الجرأة في تحقيق ما تريد ولا تفضل السير في طريق شقيقتها الكبرى إيستر. قد يخالفني بعض الأصدقاء في هذه النقطة ولكن يجب أن تطرح بما أن المجال مفتوح لكل الآراء. أليس التأويل المفتوح لفيلم برجمان الصمت هو الذي يجعله أكثر قابلية للاستمرار وتوليد المعاني وتفسير العواطف؟ أرى أن جمال هذا الفيلم ليس في التأويل وحسب, بل في اختفاء الماضي بشكل كبير و مؤثر. كما هو متعارف لإعطاء تفسير للحالة الإنسانية وكيف وصلت إلى ما وصل إليه يتم الرجوع إلى تاريخ الإنسان وحياته وغيرها من هذه الأمور ثم يتم تفسير هذه الحالة الطبيعية بعد توفر كل المعطيات. وفي تحفة برجمان هذه لا وجود لماضي ولا نرى فكرة لحياة مستقبلية. يعيشون الحاضر في عواصف الحرب وكل شخصية قلقة من الداخل ويظهر هذا القلق في الوجه والجسد وحركات العين واليد إلى أن يصل إلى نشر هذا القلق على الجميع ومن بينهم الطفل الذي لا يفقه شيئاً لصغر عمره.

فشخصية إيستر مثلاً التي أدت دورها ببراعة هنا انجريد ثولين شخصية مثقفة ومترجمة إلا أنها مصابة بالغيرة. توقف صيتها وحياتها كأنثى بعد أن فرضت على نفسها عزلة هائلة وأصبحت مجرد كائن فارغ في غرفة صامتة في عالم صامت لا يلتفت إلا للكلام والمشاركة. هناك مشهدين حدث فيه حوار بين الأختين, كل أخت تبرر عاطفتها للأخرى. أقول تبرر لأن كل واحدة منهم تحاول تبرير ما تفعل وما تكنه للأخرى, لم يصلوا إلى درجة من الاعتراف الصادق كما حدث في سوناتا الخريف. هل غيرة إيستر مثلاً قائمة على الجمال الجسدي الظاهر على شخصية آنا مثلاً؟ أم لفقدها للسلطة! الغيرة من جمال آنا الجسدي ما هو إلا قناع تبرر من خلاله إيستر انهيار سلطتها العقلية والفكرية. فهي دائماً تفضل أن تكون الأولى في كل شيء ولا يحق حتى لشقيقتها الصغيرة أن تتفوق عليها حتى في جاذبيتها للرجال. رغم أن إيستر لا علاقة بها بالرجال ولا تفضل إقامة علاقة صداقة على أقل تقدير إلا أن فقدها لكل ما تملك أورث في نفسها الحسرة على عدم استطاعتها أن تسيطر بقبضتها على أي شيء, حتى لو كان شيئاً تافهاً مثلاً علاقة آنا بالرجل.

وفي المقابل لشخصية إيستر هناك الشخصية العبثية آنا. رغم أن آنا تصرح بكره إيستر لغيرتها المفرطة وأنها هي السبب في هذا الكره الناشئ بينهم إلا أن آنا كذلك تغار غيرة شديدة من إيستر, غيرة لا تقل عن غيرة إيستر لآنا. هذه الغيرة كذلك ناشئة لعدم استطاعة آنا أن تصل إلى المستوى العقلي والفكري الذي تتمتع به إيستر. شخصية إيستر في الأخير شخصية جذابة وراقية, التعاسة التي أصابتها هي في العزلة التي فرضتها حول نفسها وهي سبب كل الغيرة والحقد تجاه آنا. أيضاً ليس الأمر مجرد فقد كل من الشخصية إلى ملكة يمتلكها الطرف الأخر. برجمان يظهر شخصياته وهم يحاولون التبرير عبر الانتقام. وهذا الشكل من الحوار هو أكثر الأشكال الفنية سوداوية و موتاً. لا يوجد رعب أكبر من أن يتم وضع مبادئك التي آمنت بها أمامك ويتم إسقاطها واحداً تلو الآخر. تصبح جميع القيم والمبادئ التي آمنت بها مثلاً تلك الشخصية تختفي مثل السراب. والأكثر سوداوية أن يتم إسقاطها بأفكار تؤمن بها تلك الشخصية صاحبة القيم والمبادئ مثلاً. كل شيء في إيستر يتمركز حول ذاتها. الحياة دون أن يلتفت إليك أحد أمر لا يطاق. كل شيء يجب أن يكون له هدف أو غاية.

رغم أن الفيلم هو ثالث فيلم من ثلاثية برجمان ( خلال زجاج معتم / ضوء الشتاء / الصمت ) إلا أني أفضل أن يكون هذا الفيلم هو جزء أول لفيلم برجمان التوت البري Wild Strawberries. ما لم يكشفه برجمان من شخصية إيستر في الصمت ظهر بأوضح صورة في التوت البري. في التوت البري يستيقظ البروفسور إسحاق بورق وهو يفكر برحلته التي سيتم من خلالها تكريمه بالدكتوراة الفخرية. إلا أن هناك حلم عصف بذهنه قبل أن يستيقظ. حلم سوريالي جسد من خلاله برجمان معنى السوريالية كما فسرها دالي في كتاباته. وجد نفسه في شارع أبيض لا حياة فيه, يتطلع إلى الساعة الكبيرة في الشارع فيجدها بلا عقارب, يسقط تابوت من عربة الخيول, فيخرج من في التابوت شبيه له, أو بمعنى أصح هو نفسه. بعد سنوات من الإنجازات وتحقيق الذات ورفعة الاسم والمجد والطموح, ماذا بقي للبروفسور إسحاق وهو في طريقه لتسلم شهادته الفخرية؟ يغادر العجوز إسحاق ذو الثمانية والسبعين ربيعاً مع زوجة ابنه في رحلة طويلة يكشف من خلالها ماضية: كيف فرض العزلة على نفسه وأضحى وحيداً معزولاً عن مجتمعه. الفلاش باك في سينما برجمان مذهل في هذا الفيلم. حين يتوقف إسحاق أمام منزله القديم يجد أفراد عائلته وحبيبته وهم صغار يتحدثون ويمرحون ويقضون حياتهم. بينما هو لا يجد نفسه من ضمنهم. الوقت انتهى, ولا إمكانية لإعادة الأيام الماضية حتى يمكن إصلاح ما يمكن إصلاحه. حين يتوقف في إحدى المحطات للتزود بالوقود يرفض صاحب المحطة و زوجته أخذ مقابل. ها هنا يطلق العجوز صرخة هائلة غير مسموعة: ليتني عشت هنا. التشاؤم في سينما برجمان غير معقول وهائل جداً. بل لا استبعد أن يصيب المشاهدين بذلك وهذا ما يتميز به برجمان. لا يصنع مشهد خالداً بقدر ما يستطيع أن يصنع حياة كاملة خالدة هي دقائق الفيلم بأكملها. نحن لا نكشتف تاريخ إسحاق بوعي وإرادة منه, بل هي رحلة عبر لا وعيه الذي أصبح يتحدث وأخرج إنجازات إسحاق على مرأى منه. هذه الإنجازات كانت قائمة على أرضية صلبه أساسها العزلة والوحدة. لم يظهر سخط هذه العزلة والوحدة في فترة الحياة العامة, لأن الإنجازات والرضا كانت هي المسيطرة وتفرض الأمر الواقع. بعد أن أصبح الإنجاز مجرد تاريخ تظهر الوحدة والعزلة لتأخذ نصيبها من تاريخ هذا الرجل.

كاميرا برجمان حادة بشكل قاسي. رغم شعور السخط الذي ينتابني بعد كل مشاهدة لبرجمان وتلقي هذا الكم الهائل من السوداوية والتشاؤم إلا أني اعترف بعبقرية برجمان المذهلة في إخراج مجمل العواطف البشرية عبر التركيز على الوجه. فالكاميرا ليست مجرد تصوير لممثل يؤدي دور منوط به, بل إظهار عواطف هذه الشخصية. هذا الإظهار لا يتحكم به البطل ويتصرف به متى ما أراد, بل يؤمن به, ويحس بالغيرة والحقد والكره والحب. أظن أن بطل أي فيلم لبرجمان يحتاج لعدة أيام حتى يعود إلى حالته الطبيعة بعد أن ينتهي من الوقوف أمام كاميرا هذا السويدي الذي لا يرحم.

1/5/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في إنجمار برجمان. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s