1984 : هل صدق جورج أورويل؟


ما يزال لدى الكثيرين منا اعتقاد راسخ بأن كل خيار، حتى الخيار السياسي، هو بين الخير والشر. وأنه إن كان شيء ما ضرورياً فهو أيضاً خير. أعتقد أننا يجب أن نتخلص من هذا الاعتقاد الذي ينتمي إلى الطفولة المبكرة. ففي السياسة لا يستطيع المرء أن يفعل أكثر من تقرير أي الشريّن أقل. وهناك بعض الحالات لا يستطيع المرء أن يتخلص منها إلا بالتصرف كالشيطان أو الممسوس. فالحرب مثلاً، قد تكون ضرورية، لكنها بالطبع ليست خيرة أو عاقلة. وحتى الانتخابات العامة ليست مشهداً مفرحاً أو مهذباً تماماً. فإن كان عليك أن تشارك في أمور كهذه – وأظن أن عليك أن تفعل، مالم تكن محصناً بالشيخوخة أو الغباء أو النفاق – فسيكون عليك أيضاً أن تُبقي جزء من نفسك غير منتهك.
* من كتاب مقالات جورج أورويل / الجزء الرابع

في غالبية الكتب الأدبية حتى لو كانت قصة حب هناك مجال للسياسة. هناك من كتب عن الثورة ومجد لها مثل مكسيم غوركي في رواية الأم، وهناك من هاجم الثوريين الذين يريدون القيام بإنقلاب شامل في الدولة عبر إراقة الدماء وحلل ذهنيتهم مثل دوستويفسكي في الشياطين، وهناك من رسم لوحة درامية هائلة للفرد في ثورة بدل أن تعلي من شأن الفرد وحريته واستقلاله قامت بقمعه وجعلته آلة حقيرة مثل الدكتور زيفاجو للشاعر ليونيد باسترناك. ولكن هؤلاء الكتّاب في الأخير يستطيعون الكتابة دون أن تكون السياسة ذات ركن أساسي يستند عليه البناء الروائي بأكمله. أستطيع تخيل هذا الشكل للبنية الروائية: روائي يكتب وفي ذهنه فكرة لا علاقة لها بالسياسة، ثم دون إرادة قوية منه يضع هذه الفكرة في قالب عام السياسة جزء منه. ولكن من هو الكاتب الذي كانت أعماله الأدبية سياسية في المقام الأول؟ لطالما أبدع الروس كما في الأعمال السابقة، ولكن أياً من هؤلاء لم يستطع أن يزيح الروائي الإنجليزي جورج أورويل عبر عمله الشهير 1984 والذي يُعتبر من الكلاسيكيات الأدبية السياسية.


كتب جوروج أورويل في إحدى أشهر مقالاته لماذا أكتب: أكثر ما أردت أن أفعله خلال السنوات العشر الماضية هو تحويل الكتابة السياسية إلى فن. بالنظر إلى الوراء من خلال أعمالي أرى أنني دائماً حين لا يكون لدي هدف سياسي فإنني أكتب كتباً لا حياة فيها. توصل أورويل إلى حيث يرى نفسه كاتباً سياسياً. يقول عنه كاتب سيرة حياته برنارد كريك: لم يدع أنه فيلسوف سياسي ولا حتى مجادل سياسي, إنه كاتب. كاتب بشكل عام. كاتب روايات ومقالات وقصائد ومراجعات كتب لا حصر لها. وكلها كانت تنم عن وعي سياسي. وبهذا المعنى يعتبر أفضل كاتب سياسي باللغة الإنجليزية منذ جوناثان سويفت الذي تأثر به أورويل كثيراً.

في غمرة هذه الثورات التي تعصف بالعالم العربي والتحركات المنادية بالإصلاح والقوة الهائلة لمواقع التواصل الاجتماعي والتي أصبحت ذات سلطة هائلة ومرعبة قررت إعادة قراءة رواية جورج أورويل 1984. في الصفحة الأخيرة قرأت تاريخ انتهائي من قراءتي الأولى لها 31/10/2007م. أربعة سنوات مرت على هذه القراءة. أربعة سنوات انقلبت فيها المفاهيم وأصبح للطبقة الفقيرة رأي وحراك وأحدثت دوياً تتابعه وسائل الإعلام، ومواطنوا الدول الأخرى يتعلقون بهذا الخبر ويتابعون بحماس وكأن الأمر هو جزء منهم.

في عالم لا حرية فيه، في عالم لا تستطيع أن تتنفس فيه بكل حرية دون أن تتهم بمخالفة أوامر الدولة، في مثل هذا العالم يكتب ونستون سميث بطل رواية جورج أورويل بخط رفيع في ورقة مسجلاً التاريخ بأنه العام 1984، وبثورية غمرته للحظات يصرخ من داخله دون أن يصرح خشية أن تلتقط كاميرات المراقبة هذه الكلمات: ليسقط الأخ الأكبر .. ليسقط الأخ الأكبر. يكتب بسرعة رهيبة. ما يغمر شعوره في لحظات قد لا يأتي مرة أخرى: سيرمونني بالرصاص ولن أبالي .. سيطلقون عليّ النار من الخلف غير أني لا أبالي, وليسقط الأخ الكبير .. إنهم دائماً يطلقون النار عليك من الخلف، لكنني لن أبالي. وليسقط. سميث مواطن في دولة مختلقة هي أوشيانيا، يرتدي مع جميع سكان هذه البلدة زياً موحداً، في منازلهم آلة رصد ترصد تحركاتهم، الأطفال جواسيس على الآباء، الجيران جواسيس على الجيران الآخرين. أي موعد تعطيه لفرد آخر هي محاولة مدبرة من الذهن للقيام بتحركات غير مشروعة. يستيقظ سميث على وقع كلمات الأخ الكبير في آلة الرصد ثم يذهب إلى عمله في وزارة الحقيقة. هو لا يقوم بالحفاظ على الحقيقة، بل يقوم بتغيير الماضي لجعله يتوافق مع الحاضر. بمعنى إذا كانت توقعات الحزب مخالفة لما هي عليه في الوقت الآني، يتم تغيير التوقعات الماضية في السجلات بحيث تتطابق مع الواقع الحالي، أي أن الحزب الحاكم أو الأخ الأكبر هو بمثابة الإله: كل ما يقوم به، كل تحركاته، كل حركة وكل قرار يتخذه هو قرار حكيم وصائب وغيره خطأ. حتى لو قال الأخ الأكبر أن 2+2 = 5، فيجب أن تكون هذه هي النتيجة الصحيحة.

أتذكر ذلك الشعور الذي غمرني لحظة قراءتها قبل أربع سنوات. في غمرة الصدمة قلت هذه الرواية بالغة الروعة. إنها تصف العقل المفكر للحزب أو للدولة ذات التوجه الرسمي الواحد. كيف يتصرف مع السكان وكيف يستحوذ على عقولهم إما برضا منهم أو رغماً عنهم. لم يكن إعجابي بسبب بنية الرواية بشكل كامل، بل بسبب الكتاب الثاني الذي زجه جورج أورويل في الرواية وهو كتاب غولدشتاين. وكتاب غولدشتاين هذا هو كتاب أهداه أحد ضباط الشرطة لسميث ليقرأه حتى يعرف الطريق للثورة وكيفية تحطيم الحزب الواحد وتغيير الواقع الذي يعيش فيه. ثم يكون هذا الكتاب السبب الرئيس في عودة عقل سميث المضطرب إلى أحضان الحزب ويتقبل كل ما يقوله الأخ الأكبر رغماً عنه ودون إرادة منه. والآن وبعد أن أعدت قراءة الرواية تساءلت: كيف تقبلت هذا الكم الهائل من التشاؤم قبل أربعة سنوات؟ إنها رواية تشاؤمية بامتياز. تحطم إيمان الفرد بالأمل، بالحب، بكل شيء جميل على هذه الأرض. هل كان أورويل مهتماً بزرع هذه الروح التشاؤمية الهائلة وأن ينشرها كعلامة على تحطيم الأمل وأية بذرة حقيقية في الحياة؟

لا أظن ذلك. كتابة الرواية كانت أشبه بالتحذير الذي قد تخلفه هذه الأنظمة في شعوبها. حيث يؤمن شعب هذه الدولة بأن نهاية التاريخ قد حلت. يستيقظ سميث ومن هم من أمثاله في دول العالم الواقعة تحت نظرة واحدة وفكرة واحدة بأن الماضي ابتداء من الأمس قد تم محيه بالكامل. وحتى إذا كان له وجود فقد يكون في أشياء قليلة مصمتة لا كلمات عليها. لا نعرف شيئاً محدداً عن الثورات والسنوات التي سبقتها، كل السجلات تم إتلافها أو تحريفها، وكل كتاب أعيد كتابته، وكل صورة أعيد رسمها، وكل تمثال وشارع وبناية جرى استبداله، وكل تاريخ جرى تحريفه، ومازالت تتواصل حتى يتحقق نهاية التاريخ. انتفت صفة الوجود عن كل شيء عدا الحاضر الذي لا نهاية له. المقارنة بين النظام الذي قام بخلقه جورج أورويل في روايته قد ينطبق بالتمام على النظام السوفييتي السابق والأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية في الثلاث العقود الأخيرة من القرن العشرين. سيكون مبالغاً فيه أن يتم وصف نفس هذا النظام الأورويلي بالأنظمة العربية ذات الرؤية الواحدة. الإدارة ليست هي نفسها. ولكن الفكرة: الفكرة الأورويلية موجودة في غالبية النظم الديكتاتورية في العالم قديماً وحديثاً. أي أنها تنطبق على الدول ذات الحكم الواحد بلا استثناء. إن مشاهد التحقيق والتعذيب الذي مر بها سميث هي نفسها سلطة القمع التي تصادر حرية الإعلام وتفرض وجهة نظر واحدة يجب أن يتقبلها. قد لا تكون وسيلة الإعلام هي الصحافة كما هو متعارف عليه. بل عملية ذهنية منظمة تنتقل إلى الفرد عبر التعليم والاقتصاد والنظم الاجتماعية وغيرها. يتم تكبيله من جميع الأطراف إلى أن يصل إلى حالة يتوحد فيها مع النظام دون إرادة منه. يفقد الأمل في التغيير. يفضل أن يعيش دون أن يتعرض له أحد، مهدداً إياه في أبناءه وحياته وسلامة جسده وعقله.

هذه أول مرة أجد نفسي أهرب من الأفلام المقتبسة من أعمال أدبية. حاولت مشاهدة Nineteen Eighty-Four 1984 المقتبس من رواية أورويل هذه ولم أستطع أن أواصل المشاهدة، بسبب مشهد التحقيق وعملية تحطيم إرادة سميث وإعادة خلقه من جديد عبر شخصية أوبراين. يتم القبض على سميث ويقوم أوبراين بعملية تحطيم الفكرة التي تدور في ذهن سميث حول الدولة والثورة والأخ الأكبر. إن كان هناك من شك حول النظام العام يجب أن لا يتم تحطيمه فحسب، بل يجب أن يلغى من الذاكرة نهائياً. لا شيء حقيقي في هذا العالم سوى الأخ الأكبر والحقائق التي يقصف بها أوبراين عقل سميث. الحقيقة عند أوبراين ليست حقيقة بالمعنى المتعارف عليه، هي مجموعة من الأكاذيب التي يجب أن تكون حقيقة ثابتة، حتى لو وقفت العمليات الرياضية والفيزيائية ضد هذه الأكاذيب, يجب أن يتم تحطيم المنطق والعمليات الرياضية الأكيدة لتتناسب مع فكرة الأخ الأكبر. هذا المشهد الطويل والمرهق نفسياً هو شبيه بالمشهد الذي يقوم فيه الثائر V في فيلم V for Vendetta بزج إيفي في الحبس والقيام بتعذيبها والتحقيق معها بأسلوب قاسي. إلا أن الفكرة التي يسير عليها البطلين مختلفة كل الاختلاف. هناك من يزرع الخوف، وهناك من يحطم الخوف. سميث يخرج من الغرفة 101 ولم يعد يعرف من هو، هل له روح بالأصل: هل هو إنسان يسير على قدميه أم مجرد آلة تسيرها ماكينة الإعلام الضخمة لحزب الأخ الأكبر. بينما إيفي تخرج وهي تبسط ذراعيها وكأنها تحتضن القادم من نشيد V في الخامس من نوفمبر، إنسان جديد وروح جديدة وإرادة جديدة وُجدت لتعيش.

أحد النقاد قال بعد قراءة الرواية : أورويل في عمله هذا ليس لديه أي أمل، لا يترك للقارئ أية ارتعاشة فتيل من الأمل. هنا دراسة في التشاؤمية لا تسمح بالارتياح أو الاستبدال إلا بفكرة أنه إذا كان الإنسان قادراً على تصور 1984، فإنه يستطيع أيضاً أن يتجنبه. أظن أن هذا الناقد تناسى الفصل السابع من الرواية، وتحديداً المقدمة ذات العشر أسطر. هذه السطور تمثل قمة الأمل، بل هي ما نراه الآن ويراه العالم على الشاشات, حين يقول سميث:

إن كان هناك من أمل، فالأمل يكمن في عامة الشعب. من هذه الكتلة البشرية يمكن أن تنبعث القوة القادرة على تدمير الحزب. لا يمكن إسقاط الحزب من داخله. فأعداؤه، إن كان له أعداء أصلاً، لا يمكنهم أن يجمعوا صفوفهم أو حتى أن يتعارفوا. أمر الانتفاضة يعرف من نظرة في العيون أو نبرة في الصوت أو في الغالب بكلمة يُهمس بها من وقت لآخر. لذلك لو أمكن لعامة الشعب أن يدركوا مدى قوتهم لما كانت هناك حاجة للتآمر، فكل ما يحتاجه الأمر أن ينتفضوا مثلما ينتفض الحصان لإزاحة الذباب بعيداً عنه. ولو أرادوا لمزّقوا وأحالوا الحزب هشيماً تذروه الرياح بين عشية وضحاها، ولا بد أن يخطر لهم ذلك إن عاجلاً أو آجلاً .. !

7/2/2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s