في انتظار غودو


دراما اللامعقول, مسرح العبث Theater of the Absurd, المسرح الطليعي. المسرح الجديد المسرح المضاد. كل هذه المصطلحات تصب في هدف واحد, وتحمل نفس المعنى والأفكار, وتسير على طريقة معينة رغم تعدد الأساليب والأصوات.

لنختصر هذه المصطلحات في مصطلح واحد هو دراما اللامعقول, حتى يتكشف كل شيء عن روح هذا المسرح وأفكاره. على أرض الواقع, لا توجد هناك مدرسة فنية أو حركة فكرية تطلق على نفسها هذا الاسم. ربما لو أوقفت المسرحي الحائز على جائزة نوبل صاموئيل بيكيت وهو خارج من مقهاه الباريسي, وسألته هل هو يتبع دراما اللامعقول, لأجاب غاضباً أنه لا يتبع هذه الحركة ولا يعرف ماذا تعني. وهو على حق, إذ أن كل كاتب من هؤلاء يسعى للتعبير عن رؤياه الشخصية للعالم لا أكثر ولا أقل.

هناك مسرحيات سلكت طريقاً خاصاً بها, صدرت من عدد من المسرحيين الأوروبيين في أواخر الأربعينيات والخمسينيات والستينيات. عندما ظهرت مثل هذه المسرحيات – مسرحيات بيكيت وإيونسكو وجينيه – حيرت معظم النقاد والمشاهدين وأثارت سخطهم. رغم السخط, إلا أن هذا النوع من الفن لاقى رواجاً حين سلطت الحرب العالمية الثانية الضوء على هشاشة الحياة البشرية. هذه المسرحيات حطمت الرؤية الكلاسيكية للمسرح. هناك من يذهب إلى المسرح ليشاهد مسرحية محكمة الصنع, لها هدف أو قصة, لها بداية ونهاية. توجد شخصيات لها مشاعر صادقة. هذا النوع من المسرح الجديد يسخر من المسرح الكلاسيكي المحكم. لا يوجد شخصيات حقيقية, شخصيات على أرض الواقع لها هدف أو غاية. ولا يوجد حوار. كل ما في هذا المسرح هو نوع من الثرثرة. وحتى البداية والنهاية, لا وجود لها. غالباً ما تبدأ بداية غريبة وتنتهي كما بدأت. لم أقرأ يوماً حواراً مع هؤلاء المسرحيين, ولكن أعتقد لو تم الحوار مع أحدهم لوجدنا أنهم يرفضون مناقشة أية نظريات أو غايات وراء أعمالهم. ربما يشيرون إلى شيء واحد: التعبير عن رؤاهم للعالم كأحسن ما يقدرون عليه, وذلك لأنهم فنانين يشعرون بحافز لا يمكن كبته للقيام بهذا.


الناقد الفرنسي المسرحي مارتن أسلين اقترح تسمية مسرح العبث على هذا النوع من المسرحيات. وهو يرى أن عمل هؤلاء المسرحيين يضفي بُعداً فنياً على فلسفة ألبير كامو. ويطرح مصطلح دراما اللامعقول على أنه نوع من الاختزال الفكري لنمط معقد من التشابه في التناول والطريقة والتقليد, ومن الأسس الفنية والفلسفية المشتركة, سواءً كان بوعي أو بلا وعي, ومن التأثيرات الناجمة عن رصيد مشترك. ويعتقد أن أصول مسرح العبث تعود إلى الحركة الدادائية. أما الذين شكلوا مصدر إلهام فهم ألفريد جاي, ولويجي بيرانديللو, والسورياليين.

بعيداً عن التنظير الفني لدراما اللامعقول, يمكن فهم هذا النوع من الدراما أو المسرح الجديد بقراءة بعض مسرحيات هذا النوع. قرأت مسرحية آميديه ليوجين إيونسكو, أحد رواد هذا المسرح. في المسرحية رجل و زوجته في منتصف عمرهما, لم يغادرا شقتهما لأكثر من خمسة عشر سنة. تعمل الزوجة في تحويل المكالمات الهاتفية, أما الزوج فهو كاتب مسرحي لم يكتب طوال تلك الخمسة عشر سنة إلا سطر واحد فقط. في غرفة النوم توجد جثة. لا يتم الكشف عن حقيقة الجثة. ربما يكون عاشق للزوجة وقتله الزوج في ثورة غضب, أو ربما يكون لص, أو زائر, أو طفل. لا رؤية محددة تجاه الجثة. ولكن الشيء الغريب لهذه الجثة أنها تظل تنمو حتى تحتل مساحة الشقة بأكملها.

هذه الرؤية المسرحية قد تكون حلماً. ولا يمكن أن تكون واقعياً. إيونسكو يكسر قوانين المسرح الواقعي ويريد أن يكون لهذا الحلم حضور واقعي في المسرح. هذا الحضور يعطي الجثة التي تنمو بشكل مستمر صورة شعرية. وبما أن هذا الرمز – الجثة – حلماً أولاً, وواقعياً ثانياً, من غير الممكن كشف الحقيقة الكاملة وراءها. من طبيعة الأحلام والصور الشعرية أن تكون غامضة, وأن تحمل حشداً من المعاني. ربما نستطيع أن نقول أن الجثة ترمز للقوة المتزايدة لجرم ماض, أو ربما ذبول الحب. أو صورة شر لا يتوقف.

الناقدة الأمريكية سوزان سونتاغ كتبت مقالاً مهماً عن إيونسكو في كتابها ضد التأويل ومقالات أخرى. تقول: يهزأ إيونسكو بالمسرح الأدبي القديم: إنه يحب شكسبير وكلايست, ولكنه لا يحب مشاهد مسرحياتهما على الخشبة. يقترح اعتماد حيلة تقوم على أن يمثل المرء عكس النص, أي أن يحول إنتاجاً رصيناً إلى نص عبثي وهزلي. إنه يكرس نفسه للملهاة العنيفة. بدلاً من القبو أو القصر يضع مسرحياته في غرفة المعيشة, وميدانه الهزلي هو غثاثة البيت وقمعه. بالمقارنة مع جينيه وبيكيت يعد إيونسكو كاتباً ثانوياً حتى في أفضل أحواله, فأعماله تفتقر إلى الوزن والقوة نفسها. أما أعماله, لاسيما القصيرة منها, وهو الشكل الذي يتلاءم أكثر ما يكون مع مواهبه, تحوي فضائل جمة: الجاذبية, والذكاء, والإحساس الجميل بتشخيص الموت, لكن الموضوعات المتكررة مثل الهويات التي تفلت من عقالها, والتكاثر الفظيع لأسماء, وفظاعة البقاء معاً, قلما تكون مؤثرة و مروعة كما يجدر بها أن تكون.

من أكثر المسرحيات شهرة وشعبية هي مسرحية الكاتب الإنجليزي صاموئيل بيكيت: في انتظار غودو. قرأت المسرحية في جلسة واحدة. لم أجد شيئاً في المسرحية. أحاول أن ابحث عن شيء استند عليه كما في المسرح الكلاسيكي ولم أجد. طوال فترة قراءتي للمسرحية كنت أقول: متى سأتخلص من هذه الثرثرة والكلام الفارغ الذي لا طائل له. انتهيت من قراءة المسرحية ولم أعرف ماذا قرأت على وجه التحديد. لا يوجد موضوع محدد. ولكن أين الجاذبية في مسرحية بيكيت؟ قوة هذه المسرحية لا تعتمد على القراءة كما في حالتي أنا, ولا تعتمد على المشاهدة كما شاهدها آخرين على المسرح, قوة مسرحية بيكيت تأتي ما بعد القراءة أو المشاهدة. تجعلك تفكر بالشخصيات وبهذه الثرثرة الممتدة في فصلين. وكلما تعمقت في تحليل النص أو فك رموزها كلما تكشف لك جمال المسرحية و رؤيا بيكيت.

ماذا لدينا في مسرحية في انتظار غودو؟ انتظار اللامجهول. فقط. خمس شخصيات ينتظرون غودو الذي نعرف اسمه ولا نعرف شيئاً عنه. وتنتهي المسرحية على أمل أن يظهر غودو لنعرف سبب انتظار هؤلاء لغودو, وتغلق ستائر المسرح ولا يأتي غودو. الأكثر جنوناً في المسرحية هو البداية والنهاية. في الحقيقة, لا توجد بداية ولا توجد نهاية. لا يوجد زمان ولا مكان في لا بداية غودو. ولا يوجد كذلك لا زمان ولا مكان في لا نهاية غودو. نهاية المسرحية تبدأ بعد القول الأول في المسرحية لأسترجون وهو يحاول خلع حذاءه: عبثاً.

مسرحية غودو أشبه بمقتطع صغير من حياة كل فرد. هل توجد بداية ونهاية في حياة الإنسان؟ إنه يمضي الساعات بغاية أو بدون غاية. كل ما عليك فعله لمحاولة معرفة مسرحية غودو أن يأخذ كل إنسان في حياته ساعة زمن, وأن يضع فيها كل الهراء والإحباطات في تلك الفترة الزمنية دون تحديد أي شيء ظاهر المعالم, ثم يقدمها للجمهور فقط.

لا أظن أن أحداً قرأ المسرحية – أو شاهدها – حتى يتفق معي أن أكثر شخصيات المسرحية إثارة وجنوناً هي شخصية لاكي. الشخصية الخادمة, المضطهدة, والتي أظهرها لنا بيكيت وكأنها أشبه بالكلب تحت سياط بوزو. و الذي كما أراه في الفصل الأول يمثل السلطة الديكتاتورية الجنونية الإقطاعية, والتي تمارس التعذيب ضد كل الكائنات الحية الغير قادرة على الدفاع عن نفسها.

رغم أن بيكيت كان صديقاً حميماً للروائي الكبير جيمس جويس إلا أنه لا يتفق معه على طول الخط, وتحديداً في حقل اللغة. جويس مؤمن بقوة إمكانات اللغة اللامحدودة, وبيكيت مؤمن بعجز اللغة عجزاً كاملاً.

قمت بالبحث في اليويتوب عن بعض مشاهد مسرحية غودو. وجدت أجمل مشهد في المسرحية, مشهد حديث لاكي. ماذا يدور في هذا الحديث؟ لا شيء. لاكي يتحدث بلغة غير مفهومة, هو عبد مأمور تحت سياط سيده بوزو, يأمره بالرقص فيرقص, ويأمره بأن يفكر فيفكر. ويطلق العنان لكل أفكاره. رغم عدم التيقن الكامل من مقصد لاكي أو ما ذا يريد قوله, بالإمكان اكتشاف البراءة التي كست روحه وتحدثه بنبرة عدمية مهاجماً كل الإحباطات التي تواجه إنسان القرن العشرين. من ما قاله وبالإمكان فهمه هو قول لاكي: يبدو جلياً أن الإنسان على خلاف الرأي المعاكس, أن الإنسان في بريس وتتسو وكونارد, أن الإنسان بالمختصر, ورغم تطور التغذية وإبادة النفايات فإنه يضعف بالتوازي والتزامن ولأسباب مجهولة. أعتقد أنه من الأفضل مشاهدة هذا المشهد. لاكي يستطيع التعبير عن نفسه أكثر من أي أحداً آخر.

يقول مارتن اسلين في تعقيبه على مشهد حديث لاكي: بيكيت يعارض ساخراً لغة الفلسفة والعلم ويستهزئ بها في الخطبة الشهيرة التي يلقيها لاكي. إن معظم الأحاديث اليومية خالية في الأعم الغالب من المنطق, ومن المعنى. وهنا نجد أن دراما اللامعقول تستطيع فعلاً أن تتفق وأعلى درجات الواقعية. إذا كانت أحاديث الناس الواقعية هي في حقيقتها لا معقولة, فإن المسرحية المحكمة الصنع هي غير واقعية, لما فيها من حوار منطقي مصقول, في حين تكون دراما اللامعقول تسجيلاً للواقع. وقد غدا دراما اللامعقول في عالم أصبح لا معقول, أكثر التعليقات صدقاً على الواقع وأكثرها دقة في نقل هذا الواقع.

28/10/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s