شِعرية الصورة في سينما كيشلوفيسكي


الكتابة عن مؤلف أمر بديهي وسهل. سيتم هذا الأمر بعد الاطلاع على غالبية المؤلفات أو كتاب واحد وإلى أي اتجاه ينتمي هذا المؤلف وما درجة التأثير الذي أحدثه، وخلافه من هذه الأمور الطبيعية التي نجدها في أي مقال يتحدث عن مؤلف ما. أجد نفسي الآن أمام مفارقة عجيبة، أريد أن أتحدث عن مخرج، ولكن كيف؟ إذا طرحت المقال سوف أواجه الجمهور السينمائي، أو من الذين يملكون معلومات كثيرة حول هذا المخرج، ودرجة تأثيره وطبيعة فنه وغيرها من الأمور البديهية عند كل عاشق للسينما. المشكلة أني لا اهتم للمخرجين. غالبية الأفلام التي كتبت عنها لا أعرف من هم المخرجين ولا حتى كاتب النص. اهتم بالمادة السينمائية المطروحة أمامي فقط وكيف تفاعلت معها.

ما هو الشيء المميز إذا الذي يجبرني على الكتابة عن مخرج ما؟
وكيف اكتب هذا المقال؟

لا أملك إجابات ترضي عشاق السينما بشكل عام وعشاق هذا المخرج بشكل خاص. سأتحدث عنه كما تفاعلت مع أعماله بشكل شخصي، ولن التفت لأي معلومة من هنا أو هناك عن تطور أو تأثير أو عصر هذا المخرج. لا اعرف بالتحديد كيف التقيت بالمخرج البولندي كريستوف كيشلوفسكي. ربما يعود الفضل في ذلك إلى المنتديات السينمائية وعشاق هذا المخرج بشكل خاص، أو ربما الأوصاف التي توصف بها أعماله من حيث الشاعرية والإتقان وغيرها. أذكر أن أحد محبي هذا المخرج وصفه بالفيلسوف. استغربت هذا الوصف. ما الذي يجعل هذا الشخص – والذي أنا معجب بذوقه السينمائي – يصف كم هائل من الألقاب والأوصاف حول هذا المخرج؟

ربما لو سألته سيعطيني لمحات رئيسية من أعماله وعن كيفية تلك الشاعرية التي يتغنى بها. ربما تكون مناسبة له، وقد لا تكون مناسبة لي. سأكتشف ذلك بنفسي دون أن أقرأ عنه أي شيء آخر قد يساهم في تكوين نظرة أخرى بعكس ما أريد أن أحصل عليها مباشرة من ذلك المخرج.


شاهدت الحلقة الأولى من المسلسل الذي قام بإخراجه وكتابته، مسلسل الوصايا العشر The Decalogue، وهو مسلسل تم إذاعته على التلفزيون البولندي في ثمانينات القرن المنصرم. بعد عشر دقائق من المشاهدة قمت بإغلاق التلفزيون مباشرة. هذه العشر دقائق كانت كافية بالنسبة لي. أعطتني مساحة هائلة من مادة سينمائية لا أظن أني شاهدتها من قبل. سبب ذلك يعود إلى تلك الصورة التي لم تفارقني حتى بعد مرور عشرة أشهر على مشاهدتها. قبل أن أتحدث عن الحلقة أو المادة السينمائية المعروضة أمامي أفكر في الصورة التي احتلت كل تفكيري وجعلتني غير مصدق: هل ما شاهدته الآن.. هل شاهدته من قبل ؟ أم كائن آخر أعرفه؟ هل مر أحد بهذه اللحظة من السكون والوحدة؟ هل هو كائن وحيد؟ وما كان مصيره؟. سأفصل هذا المشهد. صوت الفيولون ينطلق من بداية الحلقة بموسيقى حزينة تحمل كل أحزان هذه الأرض. يركز المخرج عدسة الكاميرا على إنسان متدثر بثيابه يجلس في ساحة عامة من ضواحي العاصمة البولندية وارسو، يمد يديه تجاه النار من أجل تدفئة جسمه في هذا الجو الساحق البرودة. يركز عينيه تجاه النار. ثم يبكي. ليس ذلك البكاء الناتج عن مأساة حدثت للتو، ولا أظن أنه بكاء نتيجة فقد حدث قبل أيام، أو تذكر أيام مضت كانت الأحوال فيها مختلفة عن الآن. بل بكاء حقيقي ونادر. إنه البكاء الذي يصيبك في لحظة تتخلى فيها عن كل شيء. البكاء الذي تؤمن بأنه قادر على غسل روحك وجسدك ببضع قطرات منه. إنه البكاء المقدس الذي يحدث في حالة صفاء روحي، تكون فيها روحك معلقة بالسماء. والآن، لماذا أغلقت شاشة العرض؟ هذا الرجل الذي احتل تفكير كل من شاهد المسلسل مجرد صورة سينمائية ليس لها أي دخل بالمادة المعروضة: ليس بطل من أبطال الحلقة، لا يتحدث مع أحد، لا يتحرك من مكانه، بل ليس له شأن. مجرد صورة سينمائية فقط. يظهر كل خمسة عشر دقيقة لمدة ثواني معدودة ثم يختفي. أفكر فيه كثيراً حتى بعد أن تغلبت على شعور التفكير المسيطر عليّ وشاهدت الحلقة كاملة. بعد آخر نفخة من آلة الفيولون وفي آخر دقيقة من الحلقة، لا زلت أفكر فيه. هناك عدة أمور تبقي هذا الشخص الغريب مثار تفكيري لعشرة أشهر ماضية كلما تذكرت اسم هذا المخرج. المعرفة. أريد أن أعرف كل ما يدور حول هذا الرجل المتدثر بثيابه. أنا مؤمن بأنه صادق. قد يفتح لي خزائن الحزن داخل قلبه وأشاركه البكاء. ربما يكون حديثه مقتضب، ولكن صادق وحقيقي وحار. أظن أن هذه الصورة قد تمر على كل إنسان على سطح هذه الأرض. ساعة يبقى فيها لوحده ويخرج كل مكنونات روحه دفعة واحدة. دفعة واحدة دون أن يمس الجانب الإنساني فيه. إنها الساعة التي يتغلب فيها على الذئب بداخله، ويبقي الشعور النبيل الحي المتعاطف مع أي كائن إنساني آخر، ليس لأجل مشاركتهم, بل لأجله أولاً. لأن تلك الساعة لا تتكرر، ولا تحدث إلا في زمن واحد، ساعة واحدة، أو ربما دقائق معدودة. لكنها كافية. كافية لأن تصنع منك إنسان مختلف وفريد.

كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء عن هذا المسلسل, طرح علي هذا السؤال مباشرة: هل تعرف قصة هذا الرجل ذو العيون الزرقاء الحزين الذي يبكي؟ كنت أظن أن هذا الرجل لفت نظري أنا فقط، لم أعلم بأن هذا الرجل الذي لا وجود له إلا في دقائق معدودة، وفي حلقة واحدة سيكون مثار جدل وتفكير. في كتاب الناقد البحريني أمين صالح الكتابة بالضوء يذكر هذه الجزئية بشكل تفصيلي، يقول: ترددت تساؤلات حول من يكون هذا الشاب وما يمثّله. قيل بأنه يمثّل رموزاً مختلفة، وقيل بأنه كيشلوفسكي نفسه، لكن المخرج ينكر ذلك. يقول كيشلوفيسكي: لا، إنه ليس أنا. وأنا في الحقيقة لا أعرف من يكون. لفترة طويلة شعرت بأن هناك شيئا مفقوداً في السيناريوهات. يوماً ما كنت أشاهد فيلما مع مخرج زميل وكاتب بولندي متقدم في السن. كلنا اعتقدنا أن الفيلم عادي تماماً، لكن الكاتب أبدى إعجابه بالفيلم، وبالأخص المشهد الذي يدور في المقبرة حيث يظهر رجل مرتدياً ملابس سوداء. لا أنا ولا زميلي شاهدنا ذلك الرجل الذي تحدث عنه الكاتب. زميلي أصر على عدم وجود الرجل في المشهد، لكن الكاتب أكّد بأنه رآه. بعد أسبوع، مات الكاتب. فجأة أدركت ما كان مفقودا في الأفلام: عنصر الغموض أو اللغز، ذلك الشيء المحيّر والمتعذّر تفسيره.

هذه العشر دقائق كانت كافية لأفتح الباب واسعاً لكل أعمال كيشلوفيسكي السينمائية: ثلاثية الألوان، الحياة المزدوجة لفرونيكا، الحظ الأعمى، فيلم قصير عن الحب، فيلم قصير عن القتل، ومسلسل الوصايا العشر.

هناك الكثير مما يقال عن ثلاثية الألوان: الأزرق، والأبيض، والأحمر. وهي ثلاثة أفلام سينمائية منفصلة عن بعضها البعض، أخرجها كيشلوفيسكي بعد انتقاله إلى فرنسا. شاهدت هذه الثلاثية دفعة واحدة، وفي جلسة واحدة. وبعد كل مشاهدة تظهر لي شعرية كيشلوفيسكي القادرة على النفاذ داخل مكنونات الروح البشرية وصراعاتها. أعرف أن هذا القول سيغضب الكثيرين: سيقول البعض – وهم صادقين في ذلك – لو كانت هذه الشعرية مثل مرآة دوستويفسكي ربما نتفق معك، أو لو كانت كاميرا برجمان سنتفق ونختلف معك، ولكن كاميرا كيشلوفيسكي قد تحمل النزر اليسير من تلك القدرة على النفاذ داخل مكنونات الروح، ولكن ليس بتلك القدرة الهائلة التي تجعل الممثل أمامك يخرج كل صراعات روحه بتلك الصورة الرهيبة.

حين أقول الصراعات الرهيبة داخل النفس البشرية فإني أحدد نوعية تلك الصراعات كما كان يرسمها دوستويفسكي في العبث بشخصيات أبطاله. هؤلاء الذين يعيشون أوضاع مزرية، ومن الطبقة المسحوقة، ويتكلمون عن أرواحهم بأصدق ما يكون الحديث. هل هذه الصراعات مشابهه تقريباً لتلك التي يخرجها كيشلوفيسكي ؟ لا يوجد شبه على الإطلاق. شخصيات دوستويفسكي يتحدثون عن آلامهم بكل عنف، وبعد صراع مرير يصلون إلى السلام الروحي. طريق الاطمئنان يمر عبر طريق طويل من العذاب والموت. بينما شخصيات كيشلوفيسكي يحملون معهم هذا القدر من الآلام كقصيدة شعر ثنائية، تقودهم أخيراً للاطمئنان. في ثلاثية الألوان: الأزرق بالتحديد، يحكم القدر على جولي بأن تفقد عائلتها، زوجها وابنها في حادث تصادم سير مؤسف. يترك كيشلوفيسكي بطلة فلمه لوحدها في هذا العالم، ترسم قصيدة آلامها ومرارة الفقد طوال ساعة ونصف. هي ربة عائلة وزوجة موسيقار فرنسي عظيم كان يستعد لأن يعزف أعظم مقطوعاته الموسيقية بمناسبة الوحدة الأوروبية. العائلة تفككت، والموسيقى التي كانت تعزف طوال أيام في منزل الموسيقار أضحت مجرد أوراق، نوتات موسيقية ليس لها معنى بغياب صاحبها. والآن، أين قصيدة الشعر في آلام جولي: إنها في روح جولي ذاتها. تلك الروح المنقسمة إلى ثنائيتين متصارعتين: الروح الأولى تفكر بالماضي والذكريات. الروح الثاني تفكر بالمستقبل. الروح الأولى تصرع الثانية، ثم تخفت الأولى وترتفع الثانية. ربما يكون الأمر غير منطقي. كيف يمكن لتلك الأرواح أن تتصارع ولا شيء يجمعهم بما أن كل زمن من زمن تلك الأرواح يختلف؟ كيف تصرع الروح الأولى الروح الثانية؟ سيبدو الأمر وكأننا أمام كائن يعاني من انفصام في الشخصية. ولكن، لا. هذا الأمر جد طبيعي ويحدث لكل منا. لا يوجد مواجهة مباشرة. ولا يصح أن نطلق عليها مواجهة في الأصل. وإنما عملية بناء. أو اكتمال. أو بمعنى اصح اندماج. عندما يتم التصالح مع الماضي بالإمكان النظر للمستقبل والانطلاق معه . كأننا أمام وثبة من وثبات كيركيجارد الثلاث، وإن بصورة مختلفة. بحيث هناك الماضي والحاضر والمستقبل. جولي تعيش في الماضي ويتملكها هذا الشعور بالصدمة، وتعيش في الحاضر بصورة تعاكس ما تربت عليه من قيم في الماضي. لا تستطيع أن ترى ما في المستقبل حتى تصالح بين الماضي والحاضر.

من أجل ذلك يدفع كيشلوفيسكي بمزيد من الأحداث حتى تتم عملية التصالح بين ماضِ وحاضر جولي: الجنون الذي تملكها نتيجة الفقد إلى درجة الانتحار، تمزيق النوتات الموسيقية، الخيانة، بيع الممتلكات بأكملها والعيش في منزل آخر. الماضي الذي كان رائعاً لم يكن جميلاً إلى هذه الدرجة، بل كان يحمل أشياء أخرى: خيانات، وطفل من عشيقة. خادمة جولي تعرف أن هذه الأرملة الجميلة تعاني صراع لا يحتمل: لم يظهر هذا الصراع على جولي من حيث قسمات الوجه أو ارتخاء العضلات، بل لأنها لم تبكي مذ الفقد. لم تبكي أفراد عائلتها بكاءً حقيقياً، زوجها وابنها. بكاءها في المستشفى لم يكن على الفقد بقدر ما كان تعزية لها وتسلية، أن تفرغ مكنونات روحها لدقائق معدودة. أن يلتفت إليك العالم وتطلب المواساة. ولكن العالم لن يقدم يديه لك. هو يريد منك بالمقابل.

لا يمكن تغيير الماضي. أبداً. بل يجب الاعتراف به، والتعامل معه كحقيقة واقعية. تندمج ذكرى الموسيقار الراحل عبر موسيقاه، والتي ستصنعها هي بنفسها من جديد، والقيام بالواجب تجاه طفل لم يبصر النور حتى الآن. ثم تصل إلى تلك الدرجة من الاطمئنان، عبر البكاء. تكررت مفردة البكاء أكثر من مرة هنا. البكاء في سينما كيشلوفيسكي بكاء مختلف، طبيعي وحقيقي، لم أرى مثيل له على الإطلاق في أي سينما من قبل. إنه ذلك البكاء الذي قد يفضله أحداً ما على لحظات السعادة، البكاء الذي يعطيك دفعة هائلة للمستقبل والحياة، البكاء الذي يحررك من كل القيود. لمن يريد أن يعرف كيف يكون البكاء عند سينما كيشلوفيسكي يجب أن يشاهد المشهد الأخير من اللون الأزرق واللون الأبيض: عندما تبكي جولي بكاء حاراً وصادقاً، كأصدق ما يكون البكاء. بعد أيام طويلة من الفقد وعدم تقبل ذلك الموت، ثم الشعور بالمرارة والصراع النفسي، ثم السكون والوحدة .. والبكاء.

هذا هو المشهد العام فقط. أقصد الأداء العام للممثل أمام كاميرا المخرج. لا أقول هناك أشياء أخرى ساعدت في إخراج هذه الصورة بأحلى ما تكون. هناك أشياء مكملة، أو بمعنى أصح رئيسية في كاميرا كيشلوفيسكي: الحوار، الإضاءة، زاوية الالتقاط، الأشياء الصغيرة، الموسيقى. ولكن، أليست هذه الأشياء ضرورية في أي عمل سينمائي؟ كل هذه الأشياء ضرورية في أي عمل. إذا أبهرنا عمل ما سنقول بأنه رائع ومذهل، ولكن متى سنتذكر تلك التفاصيل الصغيرة التي ننساها فور إغلاق شاشة العرض؟ إني لا أتذكر أي أشياء صغيرة قد تكون ضرورية للعمل السينمائي، قد أقول أن الفيلم مبهر والحوار رائع ولكن متى سأقول بأن استخدام الإضاءة في هذا المشهد مبهر ولا ينسى. لم أفكر يوماً في عامل الإضاءة وكيف ينعكس ذلك على وجه الممثل والتعبير الذي سيُرسم على قسمات الوجه. اللون الأزرق الذي يتماهى على وجه جولييت بينوشيه في أغلب مشاهد الفيلم، درجة الإضاءة وانحرافها بزاوية حادة على وجه كارول، خاصة في المشهد الأخير من الأبيض.

درجة إتقان التعبير لدى الممثل هو حجر الزاوية في إتقان الممثل للدور المنوط به. ومن أجل ذلك الإتقان يجب أن تكمله بأشياء أخرى إضافية قد تساهم في صدقية هذا التعبير البشري، الصعب. أتذكر أحد تلك المشاهد التي اجتمع فيها كل شيء، الأشياء الصغيرة الرئيسية والتعبير. في ثلاثية الألوان: الأبيض: يلتقي بطل الفيلم كارول، بشخصية أربعينية ناجحة هي جد حزينة: ماكلوي. رغم النجاح الذي أصاب ماكلوي في هذه الحياة إلا أنه يرى أن حياته لم تعد لها أي فائدة ترجى، ويجب أن يموت. شخصية ماكلوي تبدو مثالاً مناسباً للنزعة الانتحارية التي حللها سيكولوجياً الشاعر الألماني هيرمان هسه في ذئب السهوب. ما يتميز به ماكلوي هو أنه يشعر أن ذاته هي جرثومة الطبيعة الخطرة إلى أقصى حد، دائماً يرى نفسه عرضة لخطر هائل، وكأنه يقف وهو بالكاد يجد موطئ قدم على قمة جرف شديد الانحدار، حيث تكفي دفعة صغيرة من الخارج لكي تطيح به.

جمال هذا المشهد هو في تلك الروح التي انتقلت إلى الموت وعادت إلى الحياة في أقل جزء من الثانية. ماكلوي يريد الموت، يريد أن يقوم أحداً ما بقتله. لا يريد أن يقتل نفسه بنفسه حتى لا يعرض سمعة عائلته وأبناءه للخطر. في سكة قطار قديمة يصوب كارول فوهة النار تجاه صدر ماكلوي. ثم يطلق رصاصة الرحمة. ربما يكون هذا المشهد طبيعياً ومتكرراً، إذ أنه مشهد انتحار ليس إلا. ولكن الجميل هو عدم التيقن من وفاة ماكلوي. نراه قبل دقائق لا يجد نفسه إلا كائن عدمي فارغ من كل الطاقة الحيوية داخل النفس، ثم تهب له الحياة نفسها وكأنه اكتشف سر الحياة ومذاقها الفريد. أصبح طفلاً من جديد، ولد في لحظة لا تتجاوز الثواني المعدودة. هل سيفضل الانتحار مرة أخرى؟ لا، ذاق الموت والحياة دفعة واحدة، واختار الحياة.

ما بين الإضاءة و زاوية العرض والسيناريو والحوار وغيرها من هذه الأمور الرئيسية يبقى الأمر الأكثر أهمية، القادر على ملئ مساحات شاسعة من العمل السينمائي. أقصد الموسيقى. من الأشياء البديهية أن للموسيقى قدرة عجيبة على الاستذكار بطريقة غامضة وغير محددة. العديد من المشاعر الإنسانية كالحزن والمرح والحب والتعاطف، والتي تقود إلى ذرف دموع سخينة، لا يُستبعد أن تكون الموسيقى حاضرة خلالها لتسبب ارتشاح عيوننا بالدمع، ولا سيما عندما تكون أحاسيسنا قد ارتبطت بمشاعر رقيقة وفياضة. تسبب الموسيقى تأثيراً غريباً، أي إحساس قوي أو مشاعر أو استثارات – كالألم، والهيجان، والمرح، أو غمرة حب، وغيرها، لها ميل خاص لجعل الجسد يرتعش. الارتعاشة البسيطة التي تسري في فقرات المتأثرين بالموسيقى تحمل العلاقة نفسها، كما لو أن الدموع التي ارتشحت بسبب الموسيقى قد سببها البكاء الناجم عن أي عاطفة قوية أو حقيقية أخرى.

وهنا يحق السؤال: إلى أي درجة يصبح العامل الموسيقي مهما في العامل السينمائي؟ هل هو مكمل للرئيسيات، أم طرف أساسي من ضمن التشكيلة الأساسية لصناعة الفيلم السينمائي؟ هل يجب أن تكون الموسيقى ضمن الحوار بين شخصيات العمل السينمائي، – بمعنى تتحدث شخصيتين ويتم إدخال العامل الموسيقي لإحداث التأثير – أم يفضل أن تكون الموسيقي في ساحة مخصصة لها، بحيث تكون طرفاً أساسياً في حوار صامت؟

أسئلة كثيرة. وبصراحة، لا نية لي للبحث عن أجوبة لها. سأحاول القفز على هذه الأسئلة واحداً واحداً حتى أصل إلى المعنى من استخدام العامل الموسيقي في العمل السينمائي وتحديداً في أعمال كيشلوفيسكي. في عمله الأخير الحياة المزدوجة لفرونيكا، قصة الفيلم تدور حول الفتاتين فيرونيكا في بولندا و فيرونيك في فرنسا. لا يعرفان بعضهما البعض، لكنهما يشعران بوجود الآخر في خلفية حياة كل منها. فيرونيكا البولندية تنال فرصة لعرض موهبتها في الغناء الأوبرالي. و في نفس اليوم الذي تنال فيه فرصتها، بل وفي ذات اللحظة، تنهار، و تموت. بينما في فرنسا تشعر فيرونيك بالخوف، بالوحدة، و تقرر بدون مقدمات الانسحاب من دروس الموسيقي التي تتلقاها لصقل موهبتها و كأن هاتفاً أتاها ليحذرها من نتيجة ذلك، و تتوالى الأحداث.

فيرونيك الفرنسية تؤمن بأن هناك جزء منها موجود في هذا العالم، تشبهها في كل شيء، إلا أنها لا تصل إلى الاهتداء إليها. في مشهد حفلة الدمى، ما يقارب الخمس دقائق، مشهد صامت ضخم يجسد اللحظات الأخيرة من حياة فرونيكا البولندية. فيرونيك من ضمن الحضور. تشاهد مع مجموعة من الأطفال تلك الدمية التي تغني أمام الجمهور ثم تسقط، وتطير كفراشة حرة، تحررت من الجسد وتجوب الفضاء بروح شفافة رشيقة. الموسيقى في هذا المشهد عبارة عن حوار بين عدة أبطال، حوار غير مكتوب بين فرونيكا الفرنسية والبولندية والجمهور في كلا الدولتين. الكلام هو الوسيلة المثلى لإيصال المعنى. بالإمكان توضيح ذلك للمشاهد في حوار يدور بين شخصيتين عن ذلك الحادث وكيف فارقت فيرونيكا الحياة وهي تغني على المسرح. ولكن, عند كيشلوفيسكي، يمكن اختصار كل هذه الحوارات الطويلة والمملة عبر الموسيقى القادرة على إحداث التأثير.

سأسير الآن على حقل ألغام قد ينفجر لاحقاً وقد لا ينفجر للإجابة جزئياً على بعض الأسئلة المطروحة. أقول, أن كيشلوفيسكي لا يعطي أهمية كبرى للموسيقى داخل الحوار بين الشخصيات. في الحوار لا يجب أن يكون هناك أي تأثير موسيقي قد يعطي معنى غير المعنى الذي يريد أن يصل إليه المخرج. هو يهتم بدرجة رئيسية بتعبير الوجه القادر على إيصال المعنى، وعبر الحوار المباشر. لا يرتكز على الفرعيات في الحوار، بل يدخل في صلب الموضوع مباشرة. قد يكون الحوار رمزياً وقد لا يكون. في فترات الصمت الطويلة في الفيلم، أو حتى في الانتقال من صورة لأخرى يكون استخدام الموسيقى ضرورياً. هذا لا يعني أن الموسيقى أصبحت رئيسية. هي في الحقيقة تنقسم لقسمين. هي مكملة للمشهد العام، للإضاءة وزاوية العرض من جهة. ومن جهة أخرى تصبح طرفاً أساسياً بديلاً للحوار قادر على إيصال المعنى أكثر من الحوار نفسه. وهذا ما أجد كيشلوفيسكي يتميز به. كل مشاهد قد يصل إلى معنى غير المعنى الذي وصل إليه مشاهد آخر. هناك الآن رؤى متعددة لمشهد واحد لم يحدث فيه أي حوار.

شعرنا، أنا وبيزيفيتش، باليأس. كان يوما ماطراً، وكنت قد فقدت قفازي. عندئذ استدار بيزيفيتش نحوي فجأة وقال: شخص ما يجب أن يحقق فيلماً عن الوصايا العشر. واقترح أن تحققه أنت. لا أدري لماذا قررت البدء في المشروع. لا أحد منا كان يعرف السبب. ربما كان هناك شيء ملموس في الجو. كنا نعيش زمناً صعباً، كل شيء في بولندا كان في فوضى شاملة. لم يعد أحد يعرف حقا ما هو الصواب وما هو الخطأ، أو لماذا نستمر في العيش. فكرنا أن من الأجدر ربما العودة إلى المبادئ الأبسط، الأكثر أساسية، للمسألة التي تتصل بكيفية قيادة المرء لحياته…

غير معقول .. غير معقول على الإطلاق!
هذا هو رد فعلي الأول بعد مشاهدة الوصايا، أهم أعمال كيشلوفيسكي وأجملها على الإطلاق. من الأفضل استخدام كلمة على الإطلاق، فهناك أعمال أخرى جميلة مثل الثلاثية وفيلم قصير عن الحب، صفة التعميم قد تخفض من سقف جمال الأعمال الأخرى. ولكن لا، أحببت الثلاثية وجميع الأعمال الأخرى، ولكن الوصايا عمل مختلف ونادر. عمل سينمائي حقيقي بسيط تم تكثيفه بعدة تقنيات رئيسية تجعل كلمة – على الإطلاق – مناسبة لإعطاء وصف مناسب لهذه الوصايا العظيمة.

في كل عمل سينمائي يختار المشاهد بنفسه مشاهد خالدة. إما لصدقية التعبير أو جمال الحوار وغيرها من هذه الأمور. غالباً ما تكون هذه المشاهد مشاهد فقد، انتصار، تحقيق هدف بعد تعب، انهيار، ردود غير متوقعة من أحد الشخصيات، خطاب جماهيري، خطبة حماسية، الوفاء، التضحية في سبيل الآخرين، عدة مناسبات يكون فيها المشهد خالداً، وقد يتفق عليها الكثير من المشاهدين. ما وجدته في سينما كيشلوفيسكي أن لا وجود لمشاهد خالدة. لنأخذ هذه الوصايا بالتحديد كمثال: أين أجد المشاهد الخالدة في هذه الوصايا؟ لا يوجد. وهذه هي الميزة العظيمة لهذه الوصايا. كل مشهد في الوصايا، كل دقيقة أو ثانية منه هي جزء من مشهد خالد هي الحلقة بأكملها. المشهد الخالد في عمل سينمائي قد يكسبه حضوراً عاماً ويكثر الحديث حول هذا المشهد واتقانه. في الوصايا لا يوجد ارتكاز على مشهد واحد لا يتعدى دقائق محدودة. كل مشهد هو جزء من المشهد الخالد الذي لا يكتمل إلا في الدقيقة الأخيرة من نهاية الحلقة. حين استشهد مثلاً بالوصية الثانية، حين تقف الزوجة في الممر تنتظر الطبيب. مجرد وقوف ليس إلا. لو قال لي أحداً ما أن هذا المشهد خالد لقلت هذا الكلام مبالغ فيه بصورة غير طبيعية. بينما، وعبر تفاعلي مع الوصايا أرى أن هذا المشهد يقوم بعملية بناء للمشهد الخالد من الأساس، يبدأ بالزوجة التي تنتظر الطبيب، وينتهي بالزوجة وهي تعزف الموسيقى بعد أن تخلصت من المعضلة الأخلاقية. كيشلوفيسكي لا يهتم بكيفية صناعة هذا المشهد الخالد، قد يكون مشهداً عادياً وتتفاجأ في النهاية أن هذا المشهد كان رائعاً ولا يقل عن روائع المشاهد السينمائية العالمية. أتذكر حين مشاهدتي للحلقة الثالثة من الوصايا، كان رد فعلي الأولي بعد أربعين دقيقة من المشاهدة: ما هذه الفوضى يا كيشلوفيسكي؟ أي كاتب نص أحمق يستطيع أن يصنع قصة وسيناريو أفضل بألف مرة من هذا الذي يحدث أمامي في حلقة سائق التاكسي. ولكن، في النهاية .. بمقطع حواري لا يزيد عن نصف دقيقة، يقلب المخرج الطاولة على المشاهدين ويفاجئهم بالذي حدث ويحدث. المشهد الذي قلب فيه كيشلوفيسكي الطاولة على المشاهدين ليس خالداً أو جميلاً، هو جزء أخير لا يساوي نسبة بسيطة. بينما المشاهد التي كنت أظن أنها فوضى مدمرة وغير منطقية ولا تعقل، أحدثت انقلاباً في عقل المشاهد. وأصبحت جميلة ورائعة، لا يكتمل المشهد الأخير إلا بها. هذه هي البراعة في تنفيذ أروع المشاهد، المشاهد الخالدة.

أفكر بالحالة التي تصيب المشاهد عند مشاهدته مشهداً خالداً. يصيبه الفرح إذا كان المشهد حقق ما يتمناه المشاهد. يصل إلى حالة من النشوة والارتقاء تجبره على القول مباشرة هذا أفضل فيلم شاهدته من فترة طويلة، حتى لو كان الفيلم عادياً و مر مرور الكرام. أو قد يصاب بالحزن – وغالباً ما تكون عند الفقد أو التضحية بالنفس في سبيل الآخرين. يستشعر المشاهد أن ما قام هذا البطل هو الفعل الذي يجب أن يقوم به. في سينما كيشلوفيسكي لا توجد مثل هذه الأشياء. لا يصيبك الفرح ولا يصيبك الحزن كذلك في أي مشهد كحالة خاصة مستقلة، رغم أن موسيقى هذه الوصايا، لا أعرف ماذا أقول عنها، لكن في الحقيقة، لا أظن أن المؤلف الموسيقي يرسم إبداعاته الموسيقية وهو في حالة طبيعية. أظن أنه يجبر نفسه على العيش حزيناً حتى يرسم موسيقى كلاسيكية حديثة تطرب لها الروح. الموسيقى التي تخاطب بداخلك، تخبرك بالذي يجري، ترسم لك صورة ما ورائية عن الحدث، الوصية، الأزمة الأخلاقية التي يتفنن كيشلوفيسكي في الزج بها في كل دقيقة من دقائق الوصايا.

يقال أن القصة الواحدة قد تروى بطرق متعددة. قد نسمعها من شخص ونقول: قصة عادية وسخيفة. وقد نسمع ذات القصة من شخص آخر – رغم أننا سمعناها سابقاً – لكن سنقول: قصة رائعة ومذهلة. السبب يعود إلى الأسلوب. الطريقة. البدء من أين، والتوقف متى، وصف قسمات الوجه لدى الشخصيات، الصوت الهادئ، المرتبك، الحزين، السعيد، المتشائم، الساخر. القصص الرومانسية أو التي تطرق باب الحب، ليس ضرورياً أن تكون من بدايتها إلى نهايتها عبارة عن شوق ومحبة، عن أقوال أصبحت فارغة بل وتم تشويهها عبر الإكثار منها حتى فقدت معناها. إني أتذكر أحد الروائيين الإنجليزي – من أصل ياباني -، كتب رواية عن الحب والعشق، رغم أن الرواية تدور حول هذه المعاني السامية إلا أنه لم ينطق بكلمة حب على الإطلاق، بل لم تقل أي شخصية لأخرى أنا أحبك، ومع ذلك، من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة قائمة على الحب. كيف يكون ذلك؟ عبر الفعل، والذي من خلاله بالإمكان التصريح بالحب دون الإعلان عنه مباشرة. الشخصية في حالة يرثى لها، تفضل أن تكتم هذا الحب بداخلها ولا تتجرأ الإعلان عنه خشية السقوط أو الفشل. من مشاهدتي للوصايا أجد كيشلوفيسكي يسير بهذه الطريقة، لا يصرح مباشرة عبر أبطاله، بل يكتشفون ذلك. ومن أجل اكتشاف ذلك يجب أن يكون المكان الذي سيخضع لسلطة الكاميرا متكاملاً. أصغر الأشياء في المكان قادرة على إعطاء قدرة توليدية ضخمة للحدث، وتُكمِل من خلاله الحدث الدائر. أعطي مثال على هذه من الوصايا الحلقة الثانية.

في الحلقة الثانية، رجل مصاب بالسرطان، في حالة احتضار في المستشفى. المشرف على حالته طبيب للإيمان في قلبه مكان رحب. هذا الطبيب يعيش في نفس البيت الذي يسكن فيه المريض وزوجته. تنتظر الزوجة الطبيب أمام بوابة منزله، تطارده كظله, تريد أن تعرف حالة زوجها الحقيقية، إن كان زوجها سيموت أم سيعيش. و لكن الطبيب لا يستطيع إخبارها بذلك. بالنسبة له، الحديث عن الموت عند حالة مريض يشرف عليه يشبه النطق بحكم الإعدام، و كمؤمن فإنه لا يستطيع أن يفعل هذا. لكن زوجة المريض ينمو بداخلها الإصرار أكثر وأكثر. تريد أن تعرف إن كان سيعيش أم لا. هذه الزوجة لها أسبابها الخاصة لمعرفة حياة أو موت زوجها. هي حبلى من رجل آخر. وفي نفس الوقت تحب زوجها. الزوج لا يعرف حول هذا الأمر. هي تحب طفلها الغير مولود، لكنها تحب زوجها أيضا. إذا عاش فيجب أن تجهض نفسها. وإن كان على مشارف الموت، فيمكنها أن تحتفظ بطفلها. الطبيب المتدين هو الذي سيقرر حياة هذا الطفل، وتتوالى الأحداث.

لنأخذ جزء من المشهد العام لهذه الوصية الثانية. غرفة مرضى في مستشفى. غرفة كئيبة وسوداء بالروح التي تسكن بداخلها. ليست روح المريض، بل روح المكان والمرض. المريض مستلقي على جنبه بصورة تدعو للرثاء، يفتح فاه وكأنه لم يشرب قطرة ماء منذ أيام عديدة. فوق السرير، ماء يخرج من ثغرات جدار متهدم. ويتساقط على الأرض. قطرة فقطرة. كيشلوفيسكي لا يركز على الشخصية الأهم في هذه الغرفة، بل يركز على الفرعيات، الأشياء الأخرى الغير ضرورية، من خلال هذه الفرعيات يعطي المشاهد مساحة للتأمل: المرض، الحياة، الزواج، الاستقرار. من خلال قطرات الماء المتساقطة من الجدار يصف المرض وحجم الرعب الذي استولى على جسد المريض. القلق المسيطر على الزوجة حول التضحية بالطفل ومصير زوجها الغريب. لا أريد الحديث أكثر خشية الكشف عنها خصوصاً لمن لم يشاهدها. ما أريد أن أشير إليه هو هذا التكثيف الهائل لإعطاء قطرات الماء زخماً كبيراً يقوم بعملية اكتمال لكل ما في الغرفة. لجسد المريض المشرف على الموت. للزوجة التي تدخن بشراهة وهي قلقة على حياتين، يجب أن تختار بينهم. وأيضاً، تبدو هذه الحلقة مثالاً رائعاً للحديث عن الموت في سينما كيشلوفيسكي. لا أعرف كيف سيقابل قولي هذا، لكن هذا ما رأيته: لم أجد كيشلوفيسكي يستعذب الموت، ويكثر منه، ويتفنن به. عندما يكون هناك موت – بسبب تدخل بشري – فهو يهاجمه بكل عنف، وإن كان الموت متعلق بالظروف الصحية، حتى لو كانت كل الدلائل تشير إلى موت محتم، يختار الحياة. وعند تفضيله للحياة، يعزف على الوتر الموسيقي لتبيان جمالها رغم الأزمات التي جر بها كيشلوفيسكي أبطاله. موسيقى تكتب نصاً حوارياً تأملياً حول الأزمة الأخلاقية التي وجدت الزوجة نفسها واقعة فيه. إنها الموضوعات الإنسانية التي تخاطب الإنسان في أي مكان. هكذا يقول كيشلوفيسكي.

هذه الوصية – السادسة – تم إعادة إصداراها من جديد في فيلم بعنوان فيلم قصير عن الحب. في هذه الوصية شاب في مقتبل العمر يراقب امرأة تكبره في العمر من خلال منظار. وقع هذا الشاب في حب هذه المرأة التي تكبره في السن. يقوم بعمل أي طريقة مناسبة لمقابلتها، يعمل في البريد، ويتلاعب برسائلها حتى تحضر إلى مكتب البريد دائماً. يعمل في وظيفة أخرى لإيصال المواد الغذائية إلى منزلها كل صباح. يقوم بتوقيت الساعة على ساعة دخولها للمنزل وخروجها. الحب يعمل أشياء كثيرة، لا تخطر على بال. وهو يراقب هذه المرأة يراها تمارس الجنس مع عدة رجال. حين ينكشف كل شيء أمامها وتعلم عن حقيقة مراقبتها من قبل هذا الشاب يظهر أسلوب ديفيد لورانس بكاميرا كيشلوفيسكي: هل الحب هو الجنس؟ وبدون الجنس هل هو حب؟ وهل هناك شيء اسمه حب؟

هناك الآن شخصيتين في صراع، صراع طاحن رغم برودة الأجواء والحوار البسيط. ماجدا لا تؤمن بالحب. الحب هو الجنس فقط. هذا الشاب المراهق الذي يراقبها ستعطيه درساً في الحب لن ينساه. الشاب توميك يريد أن يثبت أن هناك شيء في العالم هو الحب، مشاعر وأحاسيس قادرة على إعطاء الطرف الآخر الطمأنينة دون علاقة جسدية. كما قلت سابقاً، الكلام هو الوسيلة المثلى لإيصال المعنى وتفسير الرؤى. أما في سينما كيشلوفيسكي فهي وسيلة ثانوية وليست رئيسية. من خلال الفعل، التعبير البشري، النص الموسيقي في مشهد صامت، النظر إلى الماوراء هو الطريقة المناسبة لإيصال المعنى بشكل رئيسي. هذه الطريقة تأملية. يدعو المشاهد للتفكير معه. بالإمكان أن يكون ذلك حواراً مباشراً، ولكن، فور إغلاق شاشة العرض سيكون النص متكامل. لا توجد مساحة للتفكير ولفتح مساحات حوار أخرى حول النص السينمائي المشاهد. هذه الطريقة في إيصال المعنى فلسفية بامتياز. ليس المهم توفر الإجابات. بقدر ما تقدر على طرح سؤال يتبعه سؤال، إلى أن تصل إلى السؤال الذي لا إجابة له. بماذا أحست ماجدا بعد أن قام توميك بالفعل الذي لم تفكر به، الفعل الذي يثبت من خلاله أن هناك شيء اسمه حب؟ لقد شعرت بالذي تفتقده. في هذه الوصية بالتحديد المشاهد قبل أن يستمتع بالعمل، ينتظر، يفكر: إلى أين ستصل هذه الفكرة بالتحديد وما هي الطريقة المثلى لإثبات ما تؤمن به من قيم جمالية وأخلاقية. كنت أشاهد هذه الوصايا بشكل متتابع، ولكن عند هذه الوصية شاهدت مباشرة فيلم قصير عن الحب، وهو النسخة المطولة من هذه الوصية. رغم أن المشاهد أغلبها مكررة إلا أن المشاهدة تستحق بسبب النهاية الدرامية المذهلة. يوماً عن آخر أقول هذه النهاية أفضل نهاية على الإطلاق- عند كل مشاهدة لعمل ما-. ولكن، لا أظن أني سأقول عن عمل سينمائي آخر يطرح قضية الحب والعشق والعاطفة، يستحق أن أقول أن نهايته مذهلة بسبب نهاية هذا الفيلم لكيشلوفيسكي. إنه مرة أخرى يدعوك للتأمل. للتفكير، وللاستمتاع! من يتخيل أن المنظار الذي تُراقب من خلاله، يكشف كل خباياك، يأتي يوماً ما ثم تنظر من خلاله على مكان إقامتك، ترى كل ما كنت تقوم به في حياتك. إنه يكشف حياتك، ويعريها أمامك بكل مباشرة.

كيشلوفيسكي في طرحه لهذه الوصايا يمر عبر الخطايا. لا يهمه أن تكون الوصايا تحمل قيم جمالية وأخلاقية، فيقوم بإلباسها لباساً مثالياً من أجل إثبات وجودها وحقيقتها وقيمتها في عالم اليوم. في حين الوصية تقول لا تقتل، يخرج فيلماً عن شخصية تمارس القتل، الوصية تقول لا تسرق، يخرح فيلماً عن السرقة. وصية الشرف بين الأب والأبناء، يقوم بعمل إشكالية أو بمعنى أصح انقلاب في العلاقات بين الطرفين. هذا التعرض للوصايا ومخالفتها لا يعني أن كيشلوفيسكي كان فوضوياً ويريد تدمير هذه الوصايا، والتي هي بالمناسبة قيم عالمية يتشارك فيها كل أصحاب الديانات. بل يسعى إلى إثباتها. ولكن قبل الإثبات: يجب أن يتم انتهاكها، ثم التفكير بالخيارات المطروحة التي من الممكن من خلالها إثبات هذا الوصايا.

هناك الكثير عن الوصايا. قد يأتي أحد المشاهدين ويتحدث عنها ببراعة أفضل مما تحدثت عنها هنا. قد نتفق ونختلف حول الوصايا وأيهم أجمل، ومدى وجود المخرج ورأيه الخاص داخل الوصايا كما في الوصية الخامسة عن القتل، ولكن سيكون هناك إجماع – أظن ذلك – بأن هذه الوصايا بلا استثناء قُدمت بطريقة تجعلنا ننظر إلى كيشلوفيسكي على أنه عبقري ويستحق التقدير. وهي كذلك مرآة داخلية لنفس الإنسان، مرآة تأملية يتشارك فيها كل شيء، في كل مكان، حول الأزمات الأخلاقية والاجتماعية.

شكراً كيشلوفيسكي,
تقود مشاهدك ببراعة نحول التأمل، والجمال.

6/12/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s