سوناتا الخريف


المخضرم الإيطالي مارشيلو ماستروياني في فيلم جوزيبي تورناتوري كلهم بخير يقرر زيارة أبناءه بعد فترة انقطاع. وعندما يزور أبناءه دون أن يخبرهم يجد ما لا يتخيّله. وعلى ذات المنوال يسير فيلم روبرت دي نيرو الجميع بخير بنفس الصياغة, أو بمعنى أصح اقتباس حرفي.

في سوناتا الخريف للعبقري السويدي إنجمار برجمان الوضع مختلف كل الاختلاف, ولا أظن أن هذه الفكرة طرحت من قبل كما طرحها هو. الأم شارلوت, – والتي تجسد دورها هنا الشهيرة إنجريد برجمان – تقرر زيارة ابنتها الكبيرة إيفا بعد غياب سنوات طويلة. لا توجد مفاجآت ولا استغراب من الوضع الذي تعيش فيه الابنة – والتي أدت دورها ببراعة هنا ليف أولمان -. بل أشد من التفاجئ والاستغراب: الاعترافات.

في علاقة الطفلة بالأم هناك مشاعر لا تقال. هناك شعور بالحب أو الكراهية الحادة التي لا يمكن أن تقال إلا في ساعات أشبه ما تكون بالمثالية والغير طبيعية. الكل منهم يحتفظ بحقيقة مشاعره للأبد خشية التصريح بها: ربما خشية تفجر المشاعر إلى عدم السيطرة عليها, أو انهيار العلاقة الوليدة بين الأم وطفلتها. هناك أسرار قد لا نصرح بها إلى أقرب المقربين منا خشية ردة الفعل الغير معروفة النتائج. سلطة الموقع تفرض هيمنة غير عادية. أن يمسك أحداً ما بالسلطة المركزية, وأنت خاضع ضمن نطاق هذه السلطة, لا تستطيع أن تفرض رأيك أو مجرد الإعلان عنه. لأن هناك خوف في الوقت الآني. وخوف مما يترتب على التصريح بالرأي الذي قد يكون مخالفاً وصادماً لدرجة كبيرة. عندما تفقد السلطة سلطتها ويصبح الأفراد متساويين في الحقوق والتعبير عن أرائهم يكون بالإمكان التعبير عن الرأي بكل حرية, وبإمكانه ترقب النتائج التي يقدر على تحملها مهما وصلت درجة تأثيرها.

وللتعبير عن الرأي الحاد الذي قد ينتج عنه تأثيرات مدوية يجب أن تسلك طريق النثر لا طريق الشعر. وهل هناك فرق في ذلك؟ سأسلك طريقة فرناندوا بيسوا, الشاعر البرتغالي الكبير في التعبير عن ذلك كماء جاء في اللاطمأنينة: الشعر, مثل الموسيقى, محكوم بقوانين إيقاعية محددة, وحتى لو لم تكن من نمط القوانين الصارمة للشعر المنظوم, فهي قائمة, كدفاعات, كإكراهات, كأجهزة أوتوماتيكية للضغط والعقاب. في النثر نتحدث أحرارا. بإمكاننا أن نضمن إيقاعات شعرية, وأن نوجد خارجها مع ذلك. إن تسرب إيقاع شعري معين بصفة عرضية إلى النثر لا يعوق النثر, لكن تسرب إيقاع نثري عرضاً إلى الشعر يفسد الشعر. الفن كله متضمن في النثر. من جهة لأنه الكلمة, في الكلمة الحرة يتركز العالم بكامله. ومن جهة ثانية لأنه في الكلمة الحرة توجد الإمكانية الكاملة لكي نعبر عن العالم ونفكر فيه في آن. في النثر نمنحه كل شيء, نمنحه اللون والشكل, ونمنحه الإيقاع الذي لا تمنحه الموسيقى إلا مباشرة أيضاً. وبدون شكل مجسد, ومجرد من ذلك الجسد الثاني الذي هو الفكرة, ونمنحه البنية التي إذا كان على المعماري أن يشكلها من مواد صلبة, معطاة وخارجية فإننا نصنعها من إيقاعات وترديدات من متتاليات وانسيابات, ثم نمنحه الواقعية بلا ليونة ولا استحالة, وأخيراً نمنحه الشعر, الشعر الذي دور الشاعر فيه شبيه بدور المبتدئ في محفل سري.


على هذا المنوال بالإمكان التأكيد أن النص/ السيناريو في سوناتا الخريف قوة ضاربة. قوة ضاربة تمنح الجسد التعبير اللازم للتشكيل وفق درجة حرارة النص وتهييجه للمشاعر. ربما يكون كلامي مبهماً وغير واضح, سأوضح ذلك من صناعات برجمان الحوارية النارية. وهي حوارات نارية بالفعل, إذ ماذا بالإمكان التوقع من مخرج يجعل نصف المدة الزمنية للفيلم في مكان واحد, وجلسة واحدة, وحوار واحد بين شخصيتين: تسمك الأولى بالاعتراف الأول لخمسة دقائق متتابعة, ثم تنقطع لثوان, وتستأنف الحوار لمدة زمنية طويلة, ثم تستلم الأخرى زمام المبادرة بالاعترافات التي خرجت وليدة الصدفة, لتجسد نفسك في الأخير لم تشاهد فقط, بقدر ما قرأت نصاً نثرياً حارقاً من نصوص الاعترافات التي اعتدنا على قراءتها والبحث عنها في أدب القرن التاسع عشر.

عندما يكون النص حارقاً و مؤثراً يجب أن يكون صادقاً بالدرجة الأولى. صادقاً إلى درجة التعبير عن أشد ذكرياتك قسوة وتطرفاًً, والتي قد تخشى التصريح بها في وقت مضى. ولكن, تجد نفسك في وقت ما مجبراً على التصريح بها, لأن تلك الساعة حانت. ساعة الاعتراف. الإيقاع السريع الذي فرضه الواقع المعاصر حاول اختصار هذه الاعترافات المطولة في أجزاء قصيرة: في حوار بسيط ويستخدم كل الوسائل المساعدة الأخرى للتخفيف من درجة تدفق المشاعر في لحظة الاعتراف. في الأدب وحتى في السينما. ولكن أياً من تلك الاعترافات لم تشكل جزء حقيقي من حقيقة أن هناك اعترافات يجب أن تقال. وبقدر حرارة هذه الاعترافات يجب أن تتفجر ولا يوقفها أحد. إن توقفت, فهي مجرد ثرثرة ليس إلا. يجب أن يتحكم البطل بالإيقاع, ويرسم حدوده الجغرافية, وعند الانتهاء, يعود كل واحد منهم إلى التأثير الذي أحدثه هذا الاعتراف. هناك طمأنينة بالمقام الأول: لأن ذلك الثقل الذي كان يرزح تحت العقل ويشكل ضغطاً للخروج أصبح خارجاً ولم يعد له مكان. مكان ذلك الثقل أصبح فارغا الآن. تتم إعادة ملئه عن طريق مواجهة الواقع الذي أحدثه الاعتراف. هناك اعترافات دون ضوابط محددة, يجب أن تقال لأن هذا هو وقتها: لا يوجد شيء من هذه الاعترافات يرتكز على حقيقة أكيدة يجب أن يتم تأكيدها. مثل مارميلادوف مع راسكولينكوف. وجد نفسه يكشف نفسه بكل ما فيها من حقارتها ووضاعتها. كان خارج نطاق العقل. ولكن الصدق المتأتي منها يجعل حديثه أصدق حديث قد يقوله يوماً لأنه أخرج ما في نفسه بكل ما فيها. وهذه هي المقدرة على الكشف عن أغوار النفس البشرية.

أن يكون المخرج عبقرياً في إخراجه لهذا السيل من كشف الذات البشرية لهو أمر يستحق الإعجاب فعلاً. وأن يكون هو نفسه كاتب النص والحوار, لم يعد بالإمكان الشك أو التساؤل حول تلك المقدرة الإخراجية الفذة التي تظهر لك الصراع, بمعنى الصراع الحقيقي بكل تدفق وسهولة, وبأقصى طاقتها. كأوراق الخريف. إظهار الصراعات من (النص/ الورق) إلى (الشاشة/ الوجه) يلزمه مقدمات. مقدمات أساسية يتم البناء عليها حتى يكون لمفردة الصراع قيمة حقيقة ومعرفة لدى الآخر/ المشاهد. ومشهد عزف مقطوعة شوبان بين شارلوت وإيفا لهو أفضل محتوى رمزي لإيصال حقيقة المشاعر دون التصريح بها علانية. تصل الأم إلى منزل ابنتها بعد قطيعة دامت سنوات. شارلوت الأم تكرر دون شعور منها بأن ما قامت به في حياتها هو الصواب ولم تقم بأي عمل خاطئ تجاه تربية طفلتها إيفا. ما يترسب في طفولة إيفا من تجاهل أمها ومغادرتها لشهور طويلة يتفجر بعد سنين طويلة. يتدرج برجمان في علاقة إيفا و شارلوت, لم يقم بتفجير الحوار بينهما منذ البداية, بل حاول أن يقدم مقدمات تمهد للتفجير الذي ستصل إليه العلاقة بي الأم وابنتها. وما أروع هذا التقديم في مشهد مقطوعة شوبان!

إيفا تعزف المقطوعة الثانية لشوبان. شارلوت تتململ من هذا العزف ولا تستطيع إبداء رأيها الحقيقي بسوء العزف. ليس بسبب فترة الانقطاع, بل خشية تفجر براكين راكدة لا يمكن أن تظهر. سواءً أرادت ذلك شارلوت أم لا, فهي وقعت في مصيدة ابنتها دون شعور من الاثنتين في ذات الوقت. شارلوت العازفة الموسيقية البارعة, والتي أفنت عمرها في الرحلات الموسيقية لتعزف أعظم المقطوعات الموسيقية ترى في مقطوعة شوبان الثانية ثنائية الألم واللذة. لا تستطيع إيفا أن تكشف أسرار مقطوعة شوبان, لأنها تعزف وهي تصرح بداخلها بأن هناك ألم مكبوت. بينما هي في الحقيقة كما تقول شارلوت: يجب أن تكون ساخرة, رجولية, غاضبة.

تسأل والدتها عن رأيها فتقول رائع .. أكملي. لكن لا توجد هناك ثقة بينهما. تغضب إيفا وتهاجم والدتها. هذه المرة تريد أن تعرف رأيها الحقيقي في عزف ابنتها. صوت برجمان يظهر في هذا المشهد الموسيقي. لا أستطيع أن أصدق بموت المؤلف في النص الروائي إذا تم إسقاطه على هذا المشهد بالتحديد. المؤلف هو المخرج, وكاتب السيناريو. يسمع الموسيقى ويرسم صورة للوجه الذي ينطق به. حتى أكثر المواقف التي تمارس فيها الاستقلالية, لا بد أن يوجد رأيك بين صفحات الكتاب أو النص أو الفيلم, كما في حديث شارلوت عن شوبان: شوبان ليس مفرط العاطفية يا ايفا. انه عاطفي ولكن ليس على نحو صبيانى. هنالك هوة كبيرة بين الإحساس والعاطفة المفرطة. البريليود التي عزفتها تفصح عن ألم مكبوت, وليست أحلاما موسيقية, يجب أن تكوني هادئة, واضحة وقاسية. الحرارة مرتفعة إلى درجة الحمى, ولكن التعبير رجولى ومحكم. لنأخذ الآن الأسطر الأولى .. إنها تؤلم ولكنني لا أظهر ذلك. ثم استراحة قصيرة. ولكنها تتبخر تقريبا على الفور والألم هو نفسه, لا أكثر ولا أقل. ضبط النفس طوال الوقت. كان شوبان فخوراً , ساخراً , مشبوب العاطفة, معذباً , غاضباً , وشديد الرجولة. وبتعبير آخر, لم يكن عاطفياً على نحو صبياني. هذه الافتتاحية الثانية يجب أن تصاغ لتبدو وكأنها قبيحة. لا يجوز بتاتا أن تصبح سارة أو مرضية, يجب أن تبدو وكأنها خطأ. يجب أن تقاسي لتشقي طريقك عبرها وتخرجي منتصرة .. هكذا.

الظاهر ليس حقيقة أبدية في سينما برجمان. هو قناع يخفي المزور الزائف, الحقيقة كل الحقيقة هو الذي يدور في كامن الإنسان نفسه. وهو مع ذلك لا يعطي تأكيد لإعطاء صفة الشر بشكل مطلق أو الخيّر بشكل مطلق على إحدى الشخصيات. فهو على العكس من ذلك, يظهر أبشع ذكريات ومواقف الشخصية. يظهر الألم الذي أحدثه الطرف الآخر, ثم يظهر في نفس الوقت نقيض هذه البشاعة, حيث يمنحنا القدرة على استشفاف الروح الإنسانية من بين أنانيتها وقسوتها.

لا أخفي إعجابي بإسم الفيلم. لماذا اختار الخريف من بين كل الفصول؟ لماذا لم يختار الربيع مثلاً؟ ربما لو اختار برجمان فصل الربيع ليكون عنواناً للفيلم لأحدث مشكلة بين الشخصيات والعنوان. صحيح, قد لا يرتبط العنوان بالفيلم أو الشخصيات, لأنه رمزي, – وسواءً أراد برجمان ذلك أو لا, وحتى غيره من المخرجين, العنوان هو بوابة العبور الأولى لـ (النص/ الصورة). الربيع يحمل صورة حميمية للعلاقات, علاقات لا تشوبها شائبة. إنها صورة يحملها هذا الفصل بكل تفتح الورود, الكل متفتح وسعيد بهذا الجو. غير أن الخريف بسقوط أوراقه, يعطي دلالة رمزية على السقوط, وما جرى بين بطلتي الفيلم, لم يكن إلا .. مجرد سقوط.

هذا الفيلم هو أول تعاون بين المخرج إنجمار برجمان والممثلة الشهيرة إنجريد برجمان. ما يكشفه برجمان في المصباح السحري عن لحظات تصوير الفيلم ملفت للنظر. إنجريد توقفت عن تمثيل الفيلم لعدة أيام من أجل استئصال الورم الخبيث الذي تعاني منه, وبعد أن عادت كذلك عاد إليها المرض وظهرت أورام جديدة. رغم أن السيناريو هو من أجمل وأذكى السيناريوهات إلا أن الممثلة الشهيرة سخرت منه لحظة قراءته وحتى تجسيدها للفيلم, ووصفته بالغباء والمروع. حتى مشهد معزوفة شوبان الذي يمثل الذروة الأولى في النص الأول من الفيلم كانت تنظر إليه بإستحقار وغير مصدقة بأن إنجمار سيرسم هذا المشهد في الفيلم. كما تقول: يا ربنا الذي في السموات! هل ستعزف هذه المقطوعة في الفيلم مرتين! انغمار أنت مجنون حقاً, فالجمهور سينام. هذا المقطع ممل لدرجة أني أتثاءب الآن!

يقول برجمان: في أحد الأيام كنا جالسين في الأستوديو بانتظار أن تجهز الإضاءة. كانت الشمس على وشك الغروب وقد توزعنا في زاويتين متقابلتين لصوفا جلدية مهترئة. قامت انجريد بحركة نادرة بالنسبة لممثلة .. رفعت يدها و مررت بها على وجهها عدة مرات, ثم تنهدت بعمق ونظرت إلي دون مودة ولا حتى محاولة للتواصل. قال: أنت تعرف أنني أعيش زمناً مستعاراً .. ابتسامة مفاجئة .. زمن مستعار!

30/4/2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في إنجمار برجمان. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s