تاريخ القراءة


يجب على القراء أن يكون لهم مليون سيرة ذاتية. إن كتابة الانطباعات عن هاملت عند قراءته عاماً بعد عام، يشبه كتابة القارئ سيرته الذاتية، ذلك أنه عندما تتزايد معرفتنا بالحياة باطراد، يقوم شكسبير بتزويدنا بالتعليق اللازم على معرفتنا.
فيرجينيا وولف.

هل هناك تأريخ للقراءة؟ هل القراءة مثل أي شيء آخر، لها نتائج ومؤثرات وبدايات ونهايات ونظريات؟ عندما أبدأ بالتأريخ للقراءة، أبدأ بمن حتى يكون هو البداية؟

لا توجد بداية ولا توجد نهاية. ولا يوجد تاريخ كذلك للقراءة، تاريخ كوني عام وثابت، بل هناك تاريخ فردي خاص، بمجموع هذه التأريخات مع بعضها البعض يمكن قياس المنظور العام لتاريخ للقراءة, أي أن: تاريخ كل قارئ هو شهادة للتاريخ عن القراءة. أو كما يقول آلبرتو مانغويل: التاريخ الحقيقي للقراءة هو في الواقع تاريخ كل قارئ مع القراءة. تاريخ قراءة كاتب معين لا يبدأ غالباً بالكتاب الأول للكاتب وإنما بالقراء المستقبليين للكاتب. عندما يفتح القارئ الكتاب يبث فيه الحياة من جديد.

عندما أتصفح صفحات كنت قد قرأتها مسبقاً أجد فيها جزء من حياتي, جزء من التطور الفكري الذي ينشأ ويحدث، جزء من الحياة الخاصة، ذكريات وأيام قد تحمل السعادة والبؤس: لكنها في الأخير تشكل تاريخنا الشخصي الذي ننظر من خلاله للأمام، للعالم والمستقبل. إنه التاريخ الذي يعلن سلطة حضورك. لأن القراءة هو بداية لإعلان الحضور والمشاركة في الحوار العام. أن تكون من ضمن مجموعة خاصة أو مجموعة عامة يجب أن يكون لك حضور فاعل ومؤثر, حضور من أجل إثبات الوجود بداية، وحضور من أجل التأثير وصنع الرأي والقرار. قد يكون لك حضور ولك مميزات تجعلك صانعاً و مؤثراً دون أن تقرأ، ولكن القراءة قد تضيف لك: إنها تجعل من حضورك مميزاً وثابتاً ومدعوماً بمختلف الآراء، حين تكون قارئاً ستخوض غمار الفكر، وستفكر وأنت تقرأ وبعد القراءة: كيف ومتى ولماذا، إنها مجموع الأسئلة التي تطرح بشكل مستمر في حياتنا اليومية. وستكون في يوم ما من ضمن التاريخ الكوني للقراءة.

قد يصادف أحدا ما هذه الجملة:القراءة قوة، ويستخف بها. تبدو مثالية بشكل كبير. الخطأ في القياس على حالة من أطلق هذا الرأي. لو نظرنا إلى القرون السابقة مثلاً، قبل قرنين على وجه التقريب، لم يكن تعلم القراءة بالنسبة إلى المستعبدين والأرقاء المفتاح المباشر لنيل الحرية. وإنما أحد أهم الطرق للحصول على مدخل إلى أحد أهم أدوات القوة التي كان يستخدمها مستعبدوهم – إلى الكتاب. كان خشية الحكام المستعبدين والطغاة من قوة الكلمة المكتوبة لأنها قوة في البداية. من يتعلم قراءة بعض الكلمات يستطيع عاجلاً أو آجلاً أن يقرأ كل الكلمات ثم التفكير بهذه الكلمات، وفي نهاية المسار تحويل التفكير إلى أفعال. الكتب كما يقول فُولتير:

تشتت الجهل، ذلك الحارس الأمين والضامن الحريص للدول ذات الأنظمة البوليسية.

تاريخ القارئ الشخصي يبدأ من لحظة قراءة تلك الأحرف التي تكون كلمة عامة، اسم لشيء ما: لافتة في شارع، لوحة عامة، اللافتات القرآنية في المنازل، لحظات الدراسة الأولى، المعرفة الأولى التي تحسسك بأنك اكتشفت شيئاً كبيراً. الذكريات وتاريخ القراءة مع القارئ من البداية هي التشكل الفعلي لتاريخ القراءة العام. قراءة الكتاب الأول. القراءة الأولى. الاختباء خشية كشف ما هو ممنوع. القراءة بصوت عالي. الأماكن. المنزل. المكتبة. في السيارة، الشارع، على الرصيف، في صالة انتظار. في المطارات، الطائرات، في كل العالم.

التطور القرائي الذي يعطينا تصور عام عن الكتاب المقروء يتطور كذلك مع سيرنا للأمام. – بما أن تاريخ القراءة العام هو جزء من تاريخ القارئ العام، أجد نفسي مضطراً للحديث عن نفسي لأني أُشكل مع كل قارئ في هذا العالم تاريخ للقراءة -. فكتاب مانغويل في الأخير هو سيرة ذاتية لعاشق الكتاب. اللحظة الأولى التي أمسكت فيها بالبؤساء كنت أعود للمنزل وروحي مرتفعة للأعلى. لأول مرة أقرأ شيئاً مثل هذا. كانت نسخة مختصرة. بها أشياء لم أعرف عنها من قبل. كنت أظن أني سأنغمس مرة أخرى في علوم الدين بعد قراءة البداية والنهاية. ولكن هيجو كان لي بالمرصاد ذلك الوقت. عندما أتممت هذه النسخة المختصرة في أيام قليلة أتذكر أني عدت للمنزل وأنا أحملها بيدي فخوراً بأني قرأت كتاباً ربما أهل منزلي لم يعرفوا عنه شيئاً. أحد أفراد أسرتي – والدتي – شاهدت الكتاب. كنت أظنها لا تعرف هذا الكتاب: تقرأ البؤساء الآن؟ كان سؤالها صادماً لي. تمنيت لو أنها لم تعرف الكتاب. أريد أن أكون فخوراً بأني حققت شيئاً استثنائياً. كنت طفلاً، ابحث عن انتصار أعلن فيه وجودي. سألتها: تعرفين الكتاب؟. أجابت: ومن لا يعرف جان فالجان! قرأتها عندما كنت في المرحلة الجامعية وكانت أيام جميلة مع هيجو. له رواية أخرى ابحث عنها وستحبها.

يرى عالم النفس جيمس هيلمات أن الأطفال الذين يقرأون بسن مبكرة من العمر أو الذين يُقرأ عليهم في هذه المرحلة من العمر يكونون في وضع نفسي أفضل ويستطيعون أن يطوروا مقدرات على التصور أفضل من أولئك الأطفال الذين تُروى عليهم الأقاصيص والحكايات في وقت متأخر، وعندما يتعرض الأطفال إلى هذه القصص في سن مبكرة تؤدي هذه القصص مفعولها في صياغة حياة الأطفال وتطورهم.

بعد سنوات طويلة، عندما اقتنيت البؤساء بترجمتها الكاملة، أعدت قراءتها من جديد، وهناك فرق كبير وهائل تحدثت عنه هنا بين النسخة المختصرة والكاملة. إن اللقاء الأول مع النسخة المختصرة هي ذكريات وجود القراءة الأول في حياتي. الصفحات الصغيرة وترك الكتاب على الأرض لأيام، ويُقذف بعيداً في الغرف بلا اهتمام. نوع الطبعة وسماكتها وضخامتها كلها تشكل البداية للتاريخ. عندما يكون القارئ في بدايته يرسم في ذهنه صور عديدة للكلام الذي يقوله المؤلف على لسان أبطاله. يرسم المشهد العام والمكان الذي يدور فيه الحدث. في عالم تموج فيه الصورة وأصبحت وسيلة اتصال رفيعة وقيمة أصبحت الصورة مع النص تشكل رؤية حديثة للنص، للقراءة. بمجرد إغماض العين يدور المشهد، مثل كاميرا سينمائية تصور مشهداً به ممثلين. عندما أتذكر القراءة الأولى والقراءات المتأخرة أجد الفرق كبيراً. لم تكن هناك صورة في البداية. والآن أصبحت الصورة متعززة أكثر من أي وقت مضى. أتذكر هيجو – أحب الحديث عنه دائماً – ولكن هذه المرة ليس من أعماله، بل سيرة حياته. في سنوات المنفى التي قضاها في جزيرة جيرسي تاركاً وراءه نابليون الثالث يعيث فساداً في فرنسا، ترحل زوجة هيجو في المنفى، تفترق عنه، تاركة زوجها في مصيبة أشد بعد وفاة رفاقه. استطاع فيكتور أن يدفن حفيده إلى جواره في المنفى، أما زوجته فإنها عادت إلى باريس لتدفن بالقرب من ابنتها حسب رغبتها. لم يستطيع هذا الشيخ المنفي أن يمضي في أثر المتوفاة، إنه لا يستطيع سوى الوقوف، بعيداً على الحدود، يرقب النعش وهو يختفي عند الأفق. عندما قرأت هذه الكلمات – لا يستطيع سوى الوقوف، بعيداً على الحدود، يرقب النعش وهو يختفي عند الأفق- لم أجد سوى الصورة أمامي. صورة هيجو وهو واقف في مرتفع من مرتفعات الجزيرة الصخرية: يضع يده اليمنى على حاجبيه، يرى الجنازة وهي تسير للأمام، تبتعد عنه، حتى تختفي عند الأفق. بماذا كان يفكر عندما اختفى كل شيء أمامه ؟ بماذا كان يفكر عندما أعطى ظهره للأفق التالي وعاد إلى الجزيرة، إلى البحر الذي يهوى.

مؤلف الكتاب آلبرتو مانغويل – وهو من كبار القراء في العالم – من النجاحات التي يحسدها عليه كل قارئ أنه أمضى سنتين من حياته يقرأ على خورخي لويس بورخيس الذي أصابه العمى بشكل جزئي. من خلاصة تجارب مانغويل مع بورخيس هو أن بعض النصوص تتطلب قراءتها بصوت مرتفع. هذا الالتقاط ذكي. بعض النصوص لا تظهر جمالها إلا إذا قرأتها بصوت مرتفع. حين قرأت للمرة الأولى مرثية لوركا الطويلة مرثية سانشيز ميجاس كنت أقرأها بهمس. القصيدة أعجبتني. لكن عندما سمعتها من آندي غارسيا وهو يؤدي دور لوركا السجين قبل أن يقتل وهو يلقي الأبيات الأولى للقصيدة بصوت مرتفع، اكتشفت شكلاً مغايراً من القراءة. قراءة هذه القصيدة بصوت عالي أعطتها زخماً تصويرياً هائلاً، تجعلك تشارك في هذه المرثية وتتأثر بها. في رسالة بعث بها تشارلز ديكنز إلى زوجته كاثرين يحكي لها ما حدث خلال قراءة أجراس السنة الميلادية يقول فيها: لو كنتِ قد رأيت البارحة مساءً ماركيدي – أحد أصدقائه – وهو يبكي وينشج جالساً على الأريكة وأنا أقرأ، لشعرتِ مثلي تماماً ماذا يعني أن تكون للإنسان مثل هذه القوة. وهناك حادثة أخرى مشابهه لحادثة ديكنز. تصف زوجة دوستويفسكي الحالة التي انتابت طلاب جامعة موسكو وهم يستمعون من دوستويفسكي مباشرة حلم راسكولينكوف حول الحصان القتيل. تقول: رأيت الحاضرين مخطوفين وقد ارتسم الرعب على وجوههم، والبعض يبكون، ولم أتمكن أنا نفسي أن أحبس دموعي.

في قراءات البداية لا نطرح الأسئلة بعد نهاية القراءة. لأن رصيدنا المعرفي قليل جداً, ولا نستطيع أن نفجر الأسئلة. أليست مهمة القراءة هي تفجير الأسئلة! كان بورخيس يسجل الصفحة المقروءة عليه في داخله من أجل البحث عن كلمة أو جملة أو مقطع كان قد خلف أثراً في ذاكرته. هو يحب القراءة في الآداب الإنجليزية القديمة، يبحث عن كلمة قديمة ويقوم بتحليلها، لو قرأ بورخيس رسالة كافكا لصديقه أوكسار بولاك، ماذا سيقول:

إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا فلماذا نقرأ الكتاب إذا؟ كي يجعلنا سعداء كما كتبت؟ يا إلهي، كنا سنصبح سعداء حتى لو لم تكن عندنا كتب، والكتب التي تجعلنا سعداء يمكن عند الحاجة أن نكتبها، إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة التي تؤلمنا، كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، التي تجعلنا نشعر وكأننا قد طردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس، مثل الانتحار! على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد فينا.

* اخترت أن أسلط الضوء بشكل عام دون التطرق لأساسيات الكتاب والتي هي جميلة وممتعة للغاية. مانغويل في هذا الكتاب يقدم نخبة من عظماء العالم الذين كانوا يحبون القراءة مثل أرسطو وابن الهيثم وماريا المجدلية والقديس وأوغسطينس وريلكه. ولا يركز بشكل رئيس على المشاهير، بل يمتد حديث ليشمل أكبر سارق للكتب في العالم الدوق ليبري، وقصة ثورة القراءة مع العمال الكوبيين الذي أطلقوا أسماء أبطال الروايات الأدبية على أنواع سجائرهم. بعد قراءة هذا الكتاب لا يجد المرء بداً من القول بأن مانغويل من كبار القراء في العالم.

الكتاب من إصدار دار الساقي، وترجمة سامي شمعون

22/12/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s