اللاطمأنينة


توصلت اليوم إلى إحساس لا معقول وصحيح في آن. لقد تنبهت، بوميض برق باطني، إلى أنني لا أحد. لا أحد، على الإطلاق لا أحد. حينما أضاء البرق، هناك حيث المدينة المفترضة لم يكن ثمة غير سهل قاحل، أما النور الذي أسفر عنه فلم يكن ليكشف أي سماء فوقه. لقد سُرِقت مني قدرة أن أوجد قبل وجود العالم. وإذا كان عليّ أن أعاود التجسد، لقد عاودت التجسد بدوني، بغير تجسد أناي.

أنا هوامش مدينة ليس لها وجود، أنا التعليق المسهب على كتاب لم يكتب، لست بأحد أنا، لا أحد. لا أعرف كيف أحس، لا أعرف كيف أفكر، لا أعرف أن أرغب، أن أريد. أنا نموذج في رواية ينبغي أن تكتب، يمر مرور الأثير، ويتوارى، بدون أن يكون قد وجد، في أحلام من لا يعرف منحي الاكتمال.

دائماً أفكر، دائماً أحس، لكن تفكيري لا يحوي أي منطق. وعاطفتي خالية من أية عواطف. أحس بأنني اسقط عبر الفخ المنصوب هناك في الأعلى، في الفضاء اللانهائي بتمامه، سقوطاً ليس له اتجاه، سقوطاً لا متناهياً وفارغاً، روحي تيار بحري أسود: دوار أسود حول الفراغ، حركة محيط لانهائي حول ثقب من هباء، وفي المياه الدوارة تطفو جميع صور ما رأيت وما سمعت في هذا العالم – منازل، وجوه، كتب، صناديق، مخلفات موسيقية، مقاطع أصوات في دوامة- ليس لها قرار.

مرة أخرى عثرت على مقطع لي مكتوب بالفرنسية مرت عليه خمسة عشر سنة. لم أزر فرنسا قط. لم تكن لدي نزاعات مع فرنسيين، ولم يسبق لي أن لجأت البتة إلى استخدام هذه اللغة التي كنت قد تركتها. أنا اليوم أقرأ الفرنسية كثيراً كما كنت أفعل دائماً. أنا أكثر كهولة، أكثر حنكة من حيث التفكير، كان علي أن أتطور. بيد أن ذلك المقطع من الماضي البعيد يشف عن وثوقية أفتقر إليها اليوم في استعمال الفرنسية، فالأسلوب سلس سلاسة لست قادراً على تملكها اليوم في تلك اللغة. ثمة فقرات كاملة: جمل، صيغ، وأشكال تعبير تدل على تمكن تام من تلك اللغة التي ضيعتها بدون حتى أن أتذكر بأنني قد امتلكتها ذات يوم. كيف نفسر هذا كله؟ من هذا الذي حللتُ محله بداخلي؟

حسناً، أعرف أن من السهل تلفيق نظرية معينة عن سيولة الأشياء والأرواح. وأن من اليسير أن نفهم أننا عبارة عن مرور داخلي للحياة، ونتخيل بأننا عبارة عن كم هائل، وأننا كنا كثيرين .. الخ. لكن ها هنا شيء آخر ليس بالانتقال المحض للشخصية بين هوامشها الخاصة: ها هنا يوجد الآخر المطلق، كائن غيري كان بحوزتي. لقد فقدت بتقدمي في السن التخيل والعاطفة، فقدت نمطا من الذكاء، من الإحساس، وهذا كله لا يدهشني، وإن سبب لي الحزن. لكن بحضرة من أكون عندما أقرئني كمن يقرأ أجنبيا عنه؟ في أي ضفة أنا إن كنت لا أرى نفسي إلا في القعر؟

أحياناً أخرى ألتقي بمقاطع لا أذكر أنني كاتبها – وهو ما يثير القليل من العجب – بل إنني لا أتذكر حتى إمكانية أن أكون أنا كاتبها، وهو ما يرعبني. ثمة عبارات معينة تنتمي إلى ذهنية أخرى. كما لو أنني عثرت على صورة فوتوغرافية قديمة، هي صورتي بلا ريب، بقامة مختلفة، بملامح نكرة، لكنها ملامحي بلا مراء.
إنها أنا .. يا للهول!

فرناندو بيسوا / كتاب اللاطمأنينة

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s