إشكالية التحيز


هناك من يقبل كل التفاعلات الحضارية بشرها وخيرها. وهناك من يرفض بحجة الحفاظ على الموروث الديني. وهناك من يتفاعل معها ويحمل عقلاً نقدياً يُخضعها للنقد والتمحيص. والنتيجة المنطقية لكل شخص من هؤلاء الأنماط الثلاثة، أن هناك تحيز. من يدعي بأنه على الحياد ويقف في المنتصف بين رأيين متنازعين هو في ذات الوقت منحاز. كيف ذلك؟ وماذا يعني أن أكون منحازاً؟ هل بمكاني أن أكون مستقلاً ومنحازاً في نفس الوقت ؟

هناك صورة عامة حول هذا المصطلح تحديداً: التحيز، إذ أنه يشير بصورة أو بأخرى أنه ناجم عن عداوة وسوء قصد. بينما هو عند آخرين طبيعة إنسانية لا يستطيع الباحث باعتباره إنساناً أن يتخلص منها مهما بلغت درجة إنصافه. لكن في المقابل بالإمكان التقليل من آثار هذا التحيز وتحييد تأثيرها ولو بدرجة ما. أما الإشكالية الخاصة بالتحيز فهي كالتالي: بما أن كل إنسان يتربى على قيم وعادات فهو يحمل تحيزات. هذه التحيزات يتشارك بها مع أفراد مجتمعه ككل حيث تجمعهم لغة واحدة ودين واحد وقيم واحدة. عند التعامل مع الآخرين – الأقوى منهم معرفياً واقتصادياً – النتيجة المنطقية أن كل طرف يحمل تحيزات مستقلة. ونظراً لحالة الخمود المعرفي أصبح أفراد هذا المجتمع يتبنون تحيزات الطرف الآخر للتعامل مع الآخر نفسه. يرى نفسه من منظور الآخر، ويدافع عن نفسه أمام الآخر بتحيزات الآخر نفسه.

عند طرح فكرة التقدم الاقتصادي مثلاً يتم النظر إلى الطرف الأقوى كمثال حقيقي يحتذى به. عند الوصول إلى ما حققه الطرف الأقوى يصبح التقدم محققاً وحقيقي، بينما إذا لم يتم الوصول إلى ما وصل إليه الطرف الأقوى نصبح متخلفين ومتأخرين جداً على طريق التقدم بشكل عام. عندما نسير على نفس الطريق الذي سار فيه الطرف الأقوى ستتوفر معطيات معرفية جديدة ليست من بيئتنا الحضارية. هذه المعطيات تحمل بداخلها تحيزات كامنة بداخلها قد لا يصح أخذها هكذا بشكل مجرد. تحمل تحيزات الطرف الأقوى في تعامله معنا. فعندما نستقبلها سنصبح متحيزين معه، وسنتعامل معه بتحيزاته هو، وهذا هو عنوان البحث الذي قام بتحريره المفكر الراحل عبدالوهاب المسيري: محاولة اكتشاف التحيزات الكامنة في مصطلحاتنا ومناهجنا وقيمنا المعرفية واقتراح مصطلحات ومناهج بحث وقيم معرفية بديلة تتسم بقدر كبير من الاستقلال والحيادية. استخدم المسيري في تحريره للبحث فقه التحيز بدلاً من علم التحيز، لأن الكلمة الأولى تسترجع البعد الاجتهادي والإبداعي للمعرفة، على عكس كلمة علم التي تؤكد الجوانب الدقة واليقينية والنهائية.


من القواعد التي يرتكز عليها فقه التحيز كما طرحها المؤلف أن التحيز حتمي. مرتبط ببنية عقل الإنسان وبإنسانيته. فكل ما هو إنساني يحوي على قدر من التفرد والذاتية ومن ثم التحيز. من جهة أخرى قد يكون التحيز حتمياً لكنه ليس بنهائي. وفي تفسيره لهذه القاعدة يقول:

التحيز ليس بعيب أو نقيصة، بل يمكن أن يُجرد من معانيه السلبية، ومن ثم توضع إشكالية التحيز على مستوى مختلف تماماً. بدلاً من أن أضع تحيزي في مقابل تحيزهم، يصبح التحيز هو حتمية التفرد والاختيار الإنساني. وهذه مفارقة ولكن هذه هي حياة الإنسان. هي مفارقة يمكن أن تشكل إطاراً عاماً لإنسانيتنا المشتركة المتنوعة لا الإنسانية الواحدة، وهذه السمة المزدوجة للتحيز هي تعبير عن تلك الثنائيات التي لا يمكن اختزالها أو تصفيتها. يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. وهذا مطلق أخلاقي لا جدال فيه. ومع هذا فإن هوية الأعجمي تختلف عن العربي، وتحيزاتهما من ثم مختلفة، إلا أن ثمة مرجعية نهائية مشتركة بينهما تماماً وهي التقوى. وهذا ما أعنيه بأن التحيز حتمي لكنه ليس نهائي. حتمي فلا يمكن تجاوزه، وليس نهائياً، فهو ليس نهاية المطاف، فالنهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية التي تسبق أي تنوع أو تحيز.

قسم المسيري التحيز إلى عدة أنواع: منها التحيز لما يراه الإنسان أنه الحق، وهذا النوع من الأشخاص على استعداد لوضع ثمره بحثه ومعرفته في موضع الاختبار. هو لا يؤمن بأن أحكامة – المتحيزة – هي الحكم النهائي إذ أن أحكامه أولاً وأخيراً اجتهاد. وهناك التحيز للذات، وهو النقيض للنوع الأول حين يجعل الإنسان من نفسه مرجعية مقبولة. وهناك التحيز الواعي الواضح، وهو تحيز من يختار عقيدة أيديولوجية ثم ينظر للعالم من خلالها ويقوم بعملية دعاية وتعبئها في إطارها.

هناك بعض الملاحظات طرأت في ذهني عند قراءة الكتاب قبل شهر من الآن. بعيداً عن مصطلح التحيز وأقسامه وتفسيراته، ما يريد أن يصل إليه المسيري والباحثين الذين شاركوا في تحرير الكتاب هو إيجاد قيمة ثقافية عالمية من الثقافة العربية والإسلامية تصلح لأن تكون وسيلة للتخاطب والتحاور مع الآخر. ما هي الأسس والمرجعيات التي تحكم ردة الفعل على هذا الكم الهائل من الأدوات الحضارية: هل تكون أسسنا ومرجعياتنا الفلسفات الصادرة من الآخر هي الحكم في ذلك أم من الثقافة العربية والإسلامية. هذه هي الفكرة بشكل عام بعيداً عن مصطلح التحيز. ثم ساق المسيري أمثلة للتدليل على ذلك. قد يفهم أحد القراء هذا المصطلح وكأنه مرادف لنظرية المؤامرة. لا أنكر أني لحظة قراءة الكتاب كنت أحمل رأياً مسبقاً يقول أن الكتاب ما هو إلا ديباجة من قوميين يريدون رفع نظرية المؤامرة من جديد. ومن الجيد أني لم أجد شيئاً عن المؤامرة ولو بطرق ملتوية. إلا أني لاحظت الآتي: بعض الأمثلة تفسر التحيزات الكامنة فيها بشكل خارجي ولم يدخل الباحثين أو المسيري في العمق لمعرفة سبب ذلك. في أحد الأمثلة ينتقد المؤلف الإشادة مثلاً بالثورة الفرنسية لأن النتيجة التي ظهرت بعدها بحر من الدماء. هذا المثال وطريقة تفسير التحيز بداخله غير منطقية، فهو لم يفسر لماذا ظهر العنف بهذا الشكل وما هو السبب في ذلك. ثم أن النتائج لا تكون بعد حدوث الشيء بشكل مباشر خصوصاً فيما يتعلق بمسألة السلطة وعلاقتها بالمواطن. بل تظهر بعد عقود طويلة حيث يتم فيها اختبار القوانين التي تم الاتفاق عليها وهل ستنفذ على الجميع أم سيعود الأمر كما كان. الملاحظة الثانية: تم نشر وتحرير الكتاب في فترة زمنية مختلفة بشكل كامل عن الوقت الحالي. في ذلك الوقت كانت وسيلة الاتصال تحتاج لبعض الوقت بعكس الآن الذي تنتقل فيه المعلومة في ثانية واحدة ويتم تناقلها في هذا العالم أجمع مرة واحدة ويتشارك فيها الجميع. إذا كانت منطلقات أو تحيزات الآخر مثلاً تحمل قيم إيجابية – وقد تكون لصالحنا في الأخير – لماذا لا نتشارك مع الآخرين فيها حتى لو كانت من الآخر نفسه. لماذا نضرب حصاراً حول أنفسنا من جديد ونعيد طلاء التفاعلات الحضارية لتكون محلية. بالطبع يجب أن نأخذ من هذه التفاعلات ما يلائم بيئتنا وثقافتنا، ولكن من يحكم هذه التفاعلات ويقرر أن هذه الفكرة مثلاً أو هذه المادة ملائمة لنا دون أن يكون لنا الجرأة للقيام بنقد حقيقي. إذا توفر النقد بشكل عام – داخلياً بالأخص ومع من نتشارك معهم القيم والثقافة – من الممكن أن تظهر تفاعلات حضارية مستمدة من ثقافتنا المحلية. أما دون وجود النقد والحوار الصريح فلن يكون هناك تفاعل مع القيم الحضارية بشكل مؤسسي.

لم انتهي من قراءة الكتاب حتى الآن. هذا البحث نُشر في كتابين، الكتاب الأول بعنوان فقه التحيز، والكتاب الثاني بعنوان محور العلوم الطبيعية. وجميع هذه الكتب من إصدار المعهد العالمي للفكر الإسلامي – واشنطن.

11/3/2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s