أنا السوريالية


الرسام ليس هو الشخص الملهم، لكنه الشخص القادر على إلهام الآخرين.
سلفادور دالي – الاعترافات السرية

كان فرويد ينعت السوريالية بالجنون, و من يسلكون هذا الخط هم مجانين يجب أن يتم علاجهم. يتطلع إليهم كحالة لا كأشخاص. بعد لقاءه سلفادور دالي قال فرويد في تراجع ملفت للنظر عن رأيه بالسوريالية بأن رأيه قبل لقاءه بدالي كان خاطئاً, ومن المهم إعادة النظر في المنهج النقدي لهؤلاء التعبيريون والسورياليون من جديد, لكن العمر لم يسمح له بأن يفتح منافذ جديدة من المنظور السوريالي. وهل نحتاج لفرويد حتى نتعرف على السوريالية؟ وهل يجب أن نقرأ سيرة كل السورياليين حتى نحاول فهم هذا الفن وطرق تعبيره وأدواته ومنهجه الفني؟ ولكن بالمقابل كيف يتطلع الجمهور إلى فنون هؤلاء وما يثيره من انتقادات وهجوم قد تصل إلى نعت هذه الفنون بالعبثية, وبأنها ترتكز على أساس الفن من أجل الفن ذاته؟

كان جورج أورويل مؤلف الرائعة الأدبية 1984 يرفض لوحات دالي وينتقدها, بل يقول أنها تثير التقزز لبشاعة موضوعاته وأفكارها. لكنه أبداً لم يقم بإدانة هذا الفن الذي شكل صدمة هائلة في الفن الحديث. دالي يشكل عند جمهور واسع من الجمهور أحد عظماء الفن في العصر الحديث, وهو عند جمهور واسع آخر كذلك رجل مريض ومعتوه, غريب الأطوار لا ينفك أن يطرح لوحات فنية صادمة تثير الاشمئزاز والغرابة.


في الاعترافات السرية لسلفادور دالي, والتي تشكل سيرة ذاتية فنية لفنان كان أحد المؤثرين في حركة الفن الحديث, لم يقم دالي بمحاولة تقديم السوريالية للجمهور الغير العارف بهذه الحركة, أو الدفاع عنها تجاه منتقديها. لسبب محوري ورئيسي يخص دالي نفسه. عبر قوله الشهير: أنا السوريالية, والسوريالية هي أنا. من أجل أن نفهم دالي – حسب تصور دالي- يجب أن نفهم السوريالية, وإذا أردنا فهم تقنيات السورياليين يجب أن نقرأ السوريالية ذاتها متجسدة في أساسها, والمتمثلة بدالي نفسه!.وهو إلى ذلك يقدم أسباب لتأليفه هذا الكتاب, منها حسب قوله فتح أبواب المعرفة على الأعماق المتقلبة لحياته, وطرح الإجابات لمشاعر الموت وأزمة الزمان والمكان, وكشف مصادر المنهج الذي سمح له بترويض الجنون, كل الجنون.

دالي في اعترافاته هذه يقدم نفسه كمفكر سيكولوجي يبحث في أساسيات الفن والصورة, وكيف قام بخلق المنهج الفني للسوريالية من خلال الطبيعة البشرية ذاتها, بجنونها وطيبتها وعنفها. وهو إلى ذلك يكتب بأسلوب مختلف لم أعتده أنا كقارئ من فنان. فأسلوبه في الكتاب يصبح شاعرياً للحظات عندما يتحدث عن ملهمته جالا وإقليم كاتالونيا وسواحلها التي كانت المنبع لهذيانه وإبداعه, ثم ينقلب بصورة درامية, يتحدث وكأن نيتشه عاد من جديد, بأسلوب نيتشوي صريح لا يعطي للشاعرية مكان إلا في الأماكن الحميمية له, أما بقية العالم فيفتح النار عليه بأسلوب متفجر نيتشوي مثير للإعجاب, وإن كان ما هو الأكثر إثارة هي صراحته المدهشة. عقل دالي حسب تصوره بلغ حداً من المنزلة الرفيعة والتركيز لم يصل إليه أحد في القرن العشرين إلا نيتشه الذي مات مجنوناً على أية حال.

فن دالي قائم على أساسيات البارانويا, أو ما يفضل بأن يسميه بالبارانويا النقدية. عندما أتطلع إلى الأساس الذي يقوم على أساسه فن دالي أجده يستند على أشياء تعتبر من الأمراض النفسية كالشكوك واضطراب الشخصية وجنون العظمة والشك والتوهم. لكن هذا الأساس عند دالي غير واقعي ويجب أن يتم التحكم به. عند اضطراب الشخصية في النفس البشرية تصبح إمكانية العبقرية أعلى من مثيلاتها في النفس البشرية التي لا تعاني من البارانويا. عند الاضطراب تصبح العبقرية في هذه الازدواجية بين أعلى مستوى من الذكاء النقدي وبين نقيضه الديناميكي غير المنطقي. الهذيان البارانوي هو الجوهر الحقيقي للسوريالية, كما يقول دالي: البارانويا هي ذلك التنفس الهائل للحياة, وهي ثورة جنون تدفع بي إلى الوجود ولها قدر من الثبات بقدر الصور التي أقوم بتحريكها. أنا أعلم أن الحياة ليست حلماً لأن حياتي واضحة أمامي, تسكن في هذا التنفس لقوى الحياة, والتي تثيرني وتلون كل الأشياء, لكن, يا له من خواء! يا له من تباين! ما الغرابة في كل هذا من حولنا؟ كيف نعتقد في المادة في حد ذاتها؟ وما هي المادة؟ تبدو لي أحياناً أنها على طرف فرشاتي, لدي حاسة عميقة بالحقيقة اللانهائية, أؤمن برفض تصديق الحقيقة, و أن دور الفنان هو أن يقوم بتنظيم الفوضى بفرض هواجسه على الآخرين. و الفكرة هي استعمال عناصر العالم الخارجي لتصوير تصميم العقل, و أن تخلق حقيقة للصورة المزدوجة للتطبيق الصحيح لمنهج البارانويا النقدية بالخدعة و المهارة والاستفادة بأقل المصادفات للأشكال و الألوان, التي تحول صورة العنزة إلى حصان، والسحابة إلى امرأة، و تسارع الرغبة يعطي هذه القوة الخلاقة القدرة اللانهائية.

أنا دالي .. موتي تسبق ولادتي!
كان لدالي أخ شقيق أكبر منه – اسمه سلفادور دالي – توفي قبل ولادة دالي الفنان بثلاث سنوات. شكلت وفاة الأخ الأكبر صدمة لعائلة الفنان, فأطلقوا على الابن الثاني اسم الأخ الأكبر سلفادور دالي. كان دالي يتطلع في البيت وغرفة النوم وفي المقبرة الموجودة على طريق المدرسة, يجد صدى أخيه يتردد في أذهانه ويرسم صورة عبر لاوعيه تقول بأن دالي المتوفى هو نفسه دالي الفنان, دخل عالم الموت ليخرج منه بعد ثلاثة سنوات إلى الحياة. حياة دالي في العشرين سنة الأولى من حياته يمكن وصفها بالجنون والعبثية, يستلذ بتعذيب الأطفال وركل ذوي الاحتياجات الخاصة الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم, يقضم خفاش ميت بأسنانه ليتطلع إلى الدم, يضع نفسه في مواقف تعذيب ليجرب الألم في لحظات أقل ما يقال عنها بأن دالي شخصية مضطربة مريضة إلى أقصى حد, يجد اللذة الكبرى في تحطيم والده ووالدته. هذا الجنون العبثي تم إيقافه ومن ثم توجيهه إلى مسار آخر هو الفن. من أوقف هذا الجنون ووجه كل طاقات دالي إلى الإبداع الفني ؟ إنها جالا دالي. حبيبة دالي وعشيقته وملهمته. إذا كان فن دالي قائم على الهذيان الذي يحيى من خلاله, فإن جالا هي من قامت بترويض هذا الثور الهائج ليوجه كل قوته صوب الفن. في لقاءها الأول مع دالي كشفت جالا حقيقة دالي, والتي يرفض أن يعترف بها أو يصدقها. كان العبث والجنون والهذيان يسيطران على دالي, في أول لقاء بينهما ألقت جالا مقاصد دالي الإجرامية في وجهه مجردة, بتفاصيل دقيقة كمخرج يضع مشهداً رئيسياً. من خلال هذا الكشف العقلي لحقيقة دالي أزالت جالا الحواجز, وحررته من قلقه, وثورته التدميرية للذات, حتى تحول صمت دالي إلى حياة, لم يتمادى دالي في الجنون, لأنها سيطرت على الجنون .. جنون دالي.

ولكن عن أي جنون يمكن الحديث عنه هنا. أو بمعنى أصح كيف يمكن قراءة الجنون الذي تم ترويضه وانطلق إلى الفن, أو بصورة أخرى كيف نقرأ لوحات دالي؟ إذا قلنا مهرج سوف يسخر منا دالي بأن التهريج هي سخريتنا العبثية, والمجتمع بلا وعيه الساذج والذي يلعب لعبة التحلي بالجدية, ويخفي جنون نفسه. أو كما يقول دالي عن لوحاته: لوحتي هي تركيبة قمت بحفرها مرة واحدة وإلى الأبد, هي اليد والفوتوغرافيا اللونية للصور الكامنة والرائعة والمتقنة والمفرطة الحساسية للاعقلانية الملموسة. هذا ليس تعريفاً عقلياً! فأنا أفكر بأحشائي, بأمعائي, بكل جسدي, وقعت في الحب من خلال أذني في قمة البرج, واكتشفت الحقيقة الملموسة من خلال كوعي, أنا أقدر القيم الميتافيزيقية الجمالية والأخلاقية من خلال فكي! وأنا أعلن أن أول أداة فلسفية للإنسان هي فكاه, وأنا أتيح الوعي بالحقيقي, أنا في طليعة رجال عصري لأن جسدي بأكمله موصل بالحقيقة, وبسبب ذلك كان لدي موهبة التحذير التي ظهرت على سبيل المثال قبل ستة شهور من الحرب الأهلية الإسبانية, بإنذار لوقوع مثل هذه الحرب.

الحياة مع سلفادور دالي في سيرته الذاتية هي حياة أوروبا العجوز وأمريكا المراهقة, وكلاهما ينفحه بالقصص الطازجة بما يكفي لتقديم رؤية لا تنسى, سواء في صالونات باريس أو شوارع نيويورك أو متاحف إسبانيا. فدالي صديق للوركا, و بونويل, و بيكاسو وهيلينا روبنشتاين و كوكو شانيل. وإن كان لدي من وقفة في هذه السيرة فهو في حديث دالي عن لوركا. المؤرخ الإسباني إيان غيسبن, والذي أمضى سنوات طويلة في البحث عن تاريخ لوركا ومن قتله, يقول بأن السوريالية ليست في دالي, بل في لوركا, وإن كان لدالي بأن يوصف بالسوريالي فذلك بفضل لوركا الذي يجسد السوريالية بكليتها, وهو من بعث هذه السوريالية إلى دالي ومختلف أصدقاءه. لم يقل دالي ذلك صراحة ولا أظن بأنه نطق بها, لأنه يؤمن بأنه هو السوريالية بأكملها. في الفصول الأولى من السيرة الذاتية يأخذنا دالي إلى لوركا عبر رسمه لمشهد. الرمزية بداخل هذا المشهد شفافة ورائعة. يقول دالي: جارثيا لوركا يمثل هيأته, ما زلت أستطيع تذكر وجهه ميتا وفزعاً, وراقداً على سريره محاولاً المرور بمراحل موته البطيء, العفونة من وجهة نظرة تستمر أياماً خمسة, ثم يصف التابوت وكفنه, والمشهد الكامل لغلقه, وتقدم النعش في شوارع غرناطة الورعة. وحين يتأكد بأننا جميعاً قد تملكنا الفزع, ينهض فجأة منفجراً بضحكة بريئة تظهر كل أسنانه البيضاء الرائعة ويرسلنا خارج الباب عدواً بينما يعود لسريره لينام هادئاً في حرية. دالي دون شعور منه اعترف ضمنياً بأن لوركا هو من يستحق بأنه هو السوريالية. لا أعرف كيف كتب دالي سطراً من سيرته الذاتية يسقط من خلاله كل أفكاره حول نفسه والتي يصفها بأنها هي السوريالية و يحولها إلى لوركا. فهو لا يردد بأنه كشف رمز الموت في لوحاته, وهو أعظم إسباني على الإطلاق, كالفارس النبيل دون كيخوته. ولكن في حديث دالي عن لوحة هاجس الحرب الأهلية أو ما تعرف بالتشكيل الناعم للفاصوليا المسلوقة قال دالي عن موت لوركا : كان لا بد للوركا أن يموت لأنه أعظم إسباني على الإطلاق, ولأنه رمز لكل الموتى .. !

11/3/2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في فن تشكيلي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s