John Adams


كان صمويل آدامز – ابن عم الرئيس الأمريكي جون آدامز – داهية في السياسة، رغم فشله الذريع في كل المناصب العملية التي تولاها في حياته. لم يكن من هدف في حياته إلا شيء واحد: أن يشعل ثورة ويحقق الاستقلال. وصل إلى مسامع الجنرال الإنجليزي جيدج أنباء تفيد بأن الوطنيين في ماساتشوستس يجمعون البارود والعتاد الحربي. أرسل جزء من قواته لمصادرة هذه الذخيرة والقبض على صمويل آدامز وإرساله إلى انجلترا لمحاكمته جنائياً. عندما وصلت فرقة الجنود الإنجليز إلى بوسطن اصطفوا في الساحة العامة بشكل منظم. يقال أن الجنود تلقوا سيلاً هائلاً من الشتائم من أهالي المدينة إلى درجة انطلقت رصاصة بشكل طائش من أحد الجنود تجاه السكان المدنيين. ويقال كذلك أن قائد الجنود أمر بإطلاق النار تجاههم. سواءً كانت رصاصة طائشة أم بأمر من قائد الجنود الإنجليز، فالنتيجة واحدة: تركوا وراءهم ثمانية قتلى: أول دم في الثورة الأمريكية وحرب الاستقلال الأمريكية.

كنت قد كتبت قبل سنة على وجه التحديد مقال عن كتاب الفيلسوفة الأمريكية – من أصل ألماني – حنة أرندت: في الثورة. فكرة الكتاب هي عن الثورة، عن ماهيتها وأفكارها ونتائجها، وعن الثورة الفرنسية والأمريكية والفرق بينهما. لم يستطع أحد أن يسبر غور الثورة الفرنسية بمثل ما استطاعت حنة أرندت. في كتاب في الثورة تحليل ذكي للظاهرة السياسية الحديثة نسبياً، وفيه تنظر أرندت في المبادئ التي تشكل أساس الثورات جميعها، بدءاً من الأمثلة الأولى في أميركا وفرنسا، مروراً بكيفية تطوّر نظرية الثورة وممارستها، وصولاً إلى توقعات التغيير في العلاقة بين الحرب والثورة، وما ينتج من هذا التغيير على صعيد العلاقات الدولية.

يجب أن أقول أن المقال الذي تحدثت عنه هنا ناقص. كنت مهتماً بشكل خاص بتحليل أرندت للثورة الفرنسية وتأثير روسو الحاد على مسارها. وتناسيت أن أكتب عن الثورة التي سبقت الثورة الفرنسية وكانت الإلهام لها. أقصد الثورة الأمريكية. وهل هناك ثورة أمريكية في الأصل؟


الحقيقة المؤكدة أن الثورة الفرنسية التي انتهت بكارثة قد صنعت تاريخاً عالمياً. في حين أن الثورة الأمريكية التي كانت مظفرة في نجاحها قد ظلت حدثاً لا تتجاوز أهميته المحلية إلا قليلاً. إذا أردنا أن نفهم الثورة وما انطوت عليه عموماً بالنسبة إلى الإنسان ككائن سياسي وأهميته السياسية بالنسبة إلى العالم الذي نعيش فيه، علينا الرجوع إلى اللحظات التاريخية حين بدت الثورة بأصفى مظاهرها واتخذت شكلاً محدداً وبدأت تنشر سحرها في عقول البشر، بعبارة أخرى علينا الرجوع إلى تاريخ الثورة الفرنسية والأمريكية. مع الأخذ بعين الاعتبار أن قادة الثورة كانوا مقتنعين بأن عليهم مهمة إعادة النظام القديم الذي جرى إرباكه وانتهاكه من قبل الحكومة الملكية أو سوء استخدام السلطة من قبل الحكومة الاستعمارية. يريدون العودة للوراء نحو القديم، حيث يجب أن تكون. ولكن هناك لبس. لا سيما بخصوص الثورة الأمريكية التي لم تفترس أبناءها، وبالنتيجة، فإن الرجال الذين ابتدئوا الثورة هم من أنهوها ثم تولوا السلطة والحكم في النظام الجديد.

حين غدت الثورة في الأزمنة الحديثة حدثاً معتاداً للغاية في الحياة السياسية لجميع الأقطار والقارات تقريباً كما تقول حنة أرندت في كتابها، نجد أن عدم إدخال الثورة الأمريكية في العرف الثوري قد انعكس سلباً على السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي بدأت تدفع ثمناً باهظاً عن الجهل الواسع الانتشار في العالم وعن النسيان السائد لدى أهالي البلاد. النتائج المرتبة عن جهل العالم بأن ثورة ما قد أنجبت الولايات المتحدة وأن الجمهورية إنما جاءت إلى الوجود ليس بفعل ضرورة تاريخية ولا بفعل تطور عضوي بل جاءت بفعل متعمد، ألا وهو تأسيس الحرية.

ولكن ما الفرق بين الثورة الفرنسية والأمريكية؟
الثورة الأولى لم تفترس أبناءها، بعكس الثورة الأخرى على ضفاف الأطلسي التي أكلت الأخضر واليابس وافترست أبناءها. سأذكر بعض هذه الفروقات التي ذكرتها حنة أرندت في كتابها والتأثير المختلف على مسار كل ثورة عن طريق مونتيسكيو في الثورة الأمريكية، وروسو في الثورة الفرنسية.

كان البعض من قادة المؤتمر الأمريكي قد حذروا بعض الضباط الفرنسيين المشاركين في حرب الاستقلال الأمريكية بألا يدعوا كما قالوا :آمالهم تتأثر بانتصارنا على هذه التربة العذراء. إنكم ستحملون مشاعرنا معكم، ولكن إذا حاولتم غرسها في قطر فاسد على مدى قرون فستواجهون عقبات أشد من عقباتنا. إن حريتنا قد جرى كسبها بالدماء، أما دماؤكم فستراق سيولاً قبل أن تمتد الحرية جذورها إلى العالم القديم. ولكن سببهم الرئيس في الثورة كما قال توماس جيفرسون قبل سنتين من اندلاع الثورة الفرنسية أنه:

من بين العشرين مليوناً من الناس في فرنسا، هناك تسعة عشر مليوناً أكثر بؤساً وأكثر ابتلاء، في كل ظرف من ظروف الوجود الإنساني من أتعس فرد موجود في أمريكا بأسرها.

الذي لم يكن موجودا في المشهد الأمريكي هو البؤس والحاجة، لا الفقر. ذلك أن الخلاف بين الفقراء والأغنياء، وبين الذي يكدحون والذين يتطلبون، وبين العلماء والجهال، كان موجوداً بوضوح في المشهد الأمريكي ويشغل عقول الآباء المؤسسين الذي كانوا – على الرغم من رخاء بلادهم – مقتنعين بأن تلك الفوارق المميزة – وهي فوراق أزلية قدم الخلق وبسعة الكرة الأرضية – هي فوراق أزلية. يقول مثلاً جون آدامز:

إن ضمير الرجل الفقير ضمير مرتاح، إلا أنه يشعر بالخزي. إنه يحس بنفسه خارج أنظار الآخرين، متخبطاً في الظلام. إن الجنس البشري لا يحس بوجوده. إنه يهيم على وجهه ويطوف وما من أحد يلتفت إليه. إنه، سواءً أكان وسط الجمهور أم في كنيسة أم في سوق، فهو في عزلة مطبقة وكأنه في حجرة مسقوفة تحت السقف أو في قبو تحت الأرض. إنه ليس المستهجن أو المستنكر أو الملام. ما هو إلا المنبوذ الذي لا يرى. أن يكون المرء موضع تجاهل تام فهو أمر لا يطاق. ولو كان روبنسون كروز وهو في جزيرته وبين يديه مكتبة الإسكندرية وهو على يقين بأنه لن يقع قط على إنسان، فهل سيفتح مجلد من مجلداتها؟

كان العرف الأمريكي في القرن الثامن عشر ينادي بالسعادة العامة، في حين كان الفرنسيون ينادون بالحرية العامة. كانت المسألة بالنسبة للثورة الأمريكية هي: هل تقوم الحكومة الجديدة بتكوين ميدان خاص بها من أجل السعادة العامة لمواطنيها أم أن هذه الحكومة إنما صممت فقط لخدمة سعي مواطنيها وراء السعادة الخاصة ولضمان ذلك بشكل أكثر فعالية مما كان عليه في النظام القديم؟ أما بالنسبة للثورة الفرنسية فالمسألة كانت: هل غاية الحكومة الثورية تكمن في إقامة حكومة دستورية تقوم بإلغاء عهد الحرية العامة بواسطة ضمان الحريات والحقوق المدنية، أم أن الثورة يجب أن تعلن في حال دوام وذلك ومن أجل الحرية العامة.

نظرية مونتيسيكو في الفصل بين السلطات كانت قد غدت أمراً بديهياً بالنسبة إلى الفكر السياسي الأمريكي، وكذلك فكرة روسو عن الإرادة العامة التي تلهم الأمة وتوجهها وكأنها لم تعد مؤلفة من جموع زاخرة بل تتشكل من شخص واحد، كانت قد غدت أمراً بديهياً لجميع الفئات والأحزاب للثورة الفرنسية لأنها كانت البديل النظري للإرادة ذات السيادة لملك مطلق. من أجل ذلك، كان تأثير مونتيسيكو في الثورة الأمريكية يضاهي تأثير روسو في الثورة الفرنسية. مونتيسيكو – الذي استمد الآباء المؤسسون منه حكمتهم السياسية – كان يرى أن القوة والحرية إحداهما تنتمي إلى الأخرى، وأن الحرية السياسية من الناحية المفاهيمية لا تكمن في ( أنا – سوف ) بل تكمن في ( أنا – أستطيع )، وبالنتيجة فإن الميدان السياسي يجب أن يفسر وأن يجري تكوينه بطريقة تجمع بين القوة والحرية.

لم يكن في وارد الأمر أن أكتب عن الثورة الأمريكية. ما كان يشغل تفكيري لحظة قراءة كتاب في الثورة لحنة أرندت هو الثورة الفرنسية فقط. عند قراءتي للكتاب كنت أرى البؤس والموت في الثورة الفرنسية، بعكس الحياة والسعادة التي كانت تشع في الثورة الأمريكية. وعدت نفسي عند كتابة المقال السابق أن أكتب عن الثورة الأمريكية متى ما حان الوقت الملائم. ولم أجد وقت أفضل من الكتابة عنها بعد مشاهدة هذا المسلسل: جون آدامز. من إصدار قناة HBO الأمريكية عام 2008م.

جون آدامز هو الرئيس الثاني للولايات المتحدة الأمريكية بعد جورج واشنطن، وهو كذلك أول نائب رئيس في التاريخ الأمريكي، ومن المؤسسين للولايات المتحدة. لماذا تم اختيار آدامز ليمثل التاريخ الأمريكي والثورة الأمريكية في القرن الواحد والعشرين؟

جون آدامز يختلف عن الرئيس الأول، الجنرال العسكري جورج واشنطن. ويختلف عن الرئيس الثالث توماس جيفرسون، والذي هو مفكر أكثر منه سياسي. اختيار آدامز يُظهر الحلم الأمريكي كما أراد منتجوا الفيلم – وجهة نظر – وسأفصل ذلك في عدة نقاط.

بالدرجة الأولى جون آدامز محامي. في المشهد الافتتاحي للمسلسل يظهر الجنود الإنجليز وهم يطلقون النار تجاه سكان مدينة بوسطن، وهي الحادثة التي سُجلت في التاريخ باسم مذبحة بوسطن، والتي أشعلت نيران الثورة الأمريكية. تم القبض على الجنود وتقديمهم للمحاكمة. كثرت الأقاويل عن الطريقة التي أردى فيها الجنود المدنيين. فبين من يقول أن إطلاق النار تم دفاعاً عن النفس كما يقول قائد الجنود، أو كما قال الثوار الوطنيون أن الإنجليز تعمدوا إطلاق النار، والذي يمثلهم صامويل آدامز. كان صامويل آدامز في المحاكمة يهيج القضاة والحضور ضد الجنود، ولكن في الجهة الأخرى، كان هناك محام صغير القامة يقف مدافعاً عن الجنود الإنجليز بكل ما أوتي من قوة، هذا المحامي هو جون آدامز. نجح آدامز في الحصول على براءة كل الجنود الذين شاركوا في هذه المذبحة. ونتيجة ذلك حصل سخط شعبي تجاهه ولم يستعن به أحد بعد الآن في سلك المحاماة. هذا الموقف يمثل انتصار للعدل حتى لو كان ضد أخي أو ابن وطني. العدل يجب أن يسود الجميع. من تنبه لهذا الانتصار للقيم الأخلاقية وللحق والعدالة هو ابن عم جون آدامز – صامويل آدامز، والذي رأى في ابن عمه مثال للقيم الأخلاقية والإنسانية التي يجب أن تسود.

من جهة أخرى هو أب ورب عائلة. للمرأة مكان في حياته إلى درجة أن زوجته أبيجيل سميث كانت مستشاره الأول في المؤتمر الوطني للاستقلال والمحاماة وعمله الدبلوماسي والرئاسي. نراها في المسلسل توجه زوجها إلى نقاط ضعفه وقوته. عندما تم تعيينه في فرنسا مفوضاً عاماً للمؤتمر الأمريكي كان يحس بالفشل الذريع يلاحقه لابتعاده سنوات طويلة عن زوجته. عندما تنضم إليه أبيجيل يؤمن بأنه قادر على العطاء أكثر من ذي قبل. عندما تم تعيينه في لجنة مع توماس جيفرسون وآخرين لصياغة خطاب الاستقلال، كان جيفرسون هو من كتب الوثيقة، وجون آدامز هو الذي احتل المكان الأول في النقاش على تبنيه، ودافع عنه وأظهر قوته بتأثير حاد من زوجته التي نبهته على طريقة تصلح لأن يخاطب بها أعضاء المؤتمر الأمريكي. أما جون آدامز الأب فهو يمثل الحلم الأمريكي على مختلف المستويات. على مستوى النجاح، بعد أن أصبح عجوزاً هرماً كان الرئيس السادس للولايات المتحدة هو جون كوينسي آدامز، ابن جون آدامز من زوجته أبيجيل. وعلى مستوى الفشل توفي ابنه تشارلز وهو شاب بسبب إدمانه للمسكرات.

على المستوى السياسي والرئاسي يمثل آدامز كذلك الحلم الأمريكي على مختلف الاتجاهات. بجانبيه الإيجابي والسلبي. فهو من شارك في صياغة خطاب الاستقلال ومن دافع عنه في المؤتمر. وكان سفير المؤتمر في فرنسا لطلب دعم الفرنسيين ضد المستعمر الإنجليزي، وأول من أشار إلى المؤتمر ترشيح جورج واشنطن كقائد عام للجيش. كان تأثيره في المؤتمر عظيماً، وكان تقريباً عجولاً من البداية لانفصال المستعمرات عن بريطانيا. ساند القرار المشهور المقدم من قبل ريتشارد هنري لي بأن تلك هذه المستعمرات لها الحق بأن تكون حرة ومستقلة، ولا أحد دافع عن هذه القرارات التي تم تبنيها بشكل بليغ وعملي أمام المؤتمر مثل آدامز كما يظهر في المسلسل.

على المستوى الرئاسي يظهر النجاح والفشل الذي تعرض له آدامز. بعد تنحي واشنطن عن السلطة، أصبح آدامز رئيساً ووجد نفسه في صراع مع أحد الوزراء الرئيسيين في حكومة واشنطن السابقة – هاملتون – ، والذي أدى خدمات جليلة لا يمكن إنكارها. قد يستطيع آدامز كمحامي أن ينفذ ما يؤمن به حتى لو أدى ذلك إلى خسارة مصدر دخله الوحيد. ولكن في السياسة، عندما تنفذ ما تؤمن به، ويعارضك الغير – وقد تكون مجموعة كبيرة-، قد تنتصر، ولكن ستخسر كثيراً. وهذا ما حدث بالضبط لآدامز الذي جلب السلام مع فرنسا وأسقط خيار الحرب معها، رغم معارضة هاملتون والرأي العام الشعبي الذي كان يتوق للحرب مع فرنسا. ترشح لفترة رئاسية ثانية، إلا أنه فشل في الحصول على أصوات تخوله القيام بدور رئاسية ثانية، فعاد مزارعاً إلى بلدته، وخلف وراءه صديقه الذي يتشارك معه في القيم، ومن صاغوا معاً خطاب الاستقلال، وعدوه اللدود في السياسة، ومن مات معه في يوم واحد: توماس جيفرسون.

يظهر لنا توماس جيفرسون في المسلسل كما هو مذكور في كتب التاريخ: رجل فكر أكثر منه رجل عمل. كان الغرض العظيم الذي يهدف إليه آدامز هو أن يوفر للدولة تنظيماً أكثر وأعظم دقة. أما جيفرسون فكان الغرض العظيم إليه هو منح الأفراد حرية أوسع، مؤمناً بأن لكل إنسان ولكل جماعة من الناس الحق في الحكم الذاتي. كان آدامز يخشى الفوضى ويفكر في الأساليب التي تكفل النظام، في حين كان جيفرسون يخشى الطغيان ويفكر في أساليب الحرية.

تقول حنة أرندت في كتاب في الثورة عن جيفرسون:

كان جيفرسون مقتنع اقتناع تام بأن الدستور ليس بشيء ثابت، بل متغير وقابل للتعديل باستثناء حقوق الإنسان الثابتة، لأنها ليست من صنع الإنسان، بل من خالق الإنسان. معاداة جيفرسون بين حين وآخر للدستور كانت معاداة عنيفة، لا سيما ضد الذين ينظرون إلى الدساتير بتقديس وكأنها تابوت العهد عند اليهود. حين قال: إننا حتى الآن لم نبلغ بدساتيرنا حد الكمال المحتمل، حتى نغامر بأن نجعلها غير قابلة للتغيير. هل يمكن أن تُجعل غير قابلة للتغيير؟ الجواب هو كلا، ليس هناك من شيء غير قابل للتغيير سوى حقوق الإنسان الثابتة، ومن بينها كذلك حق التمرد والثورة.

حين وصلته رسالة من الولايات المتحدة وهو في باريس، تفيد بقيام أحد الثوار بالتمرد في ماساتشوستس لم ينزعج أبداً، وإن كان قد قال أن دوافع التمرد قائمة على أساس الجهل، لكنه رحب به بحماسة قائلاً: ندعو الله ألا نكون من دون مثل هذا التمرد على مدى عشرين سنة. إن كون الشعب قد أخذ على عاتقه أن ينهض ويعمل كان كافياً بالنسبة إليه بصرف النظر عما في قضية الشعب من حق أو باطل، ذلك أن: شجرة الحرية يجب أن تسقى من وقتِ إلى آخر بدماء الوطنيين وبدماء الطغاة، فهذه الدماء هي سماد الشجرة الطبيعي كما يقول.

علاقة جون آدامز مع توماس جيفرسون أقل ما يقال عنها أنها غريبة. غريبة لوجود هذا الوفاء والتنازع فيما بينهما. تشاركا مع بعضهما البعض في المؤتمر الأمريكي، وصاغا معاً خطاب الاستقلال. جيفرسون كتب الخطاب. وآدامز وقف في المؤتمر مدافعاً عن الخطاب. تم تعيينهما سوية في فرنسا مفوضين للمؤتمر الأمريكي. خاضا معاً مشكلات الدستور والثورة والحرب والسلام. ثم انقلبت هذه العلاقة إلى خصومة أبدية بعد فوز جيفرسون بالرئاسة مقابل هزيمة آدامز. وتنقطع العلاقة بينهما لسنوات. ترحل زوجة آدامز إلى الله وتترك زوجها العجوز يواجه الحياة لوحده بعد أربعة وخمسين سنة زواج. لا يجد آدامز بعد رحيل زوجته إلا صديقه القديم، صديقه في الثورة والاستقلال، وعدوه في السياسة: توماس جيفرسون. هناك شيء استثنائي جمع بينهما كذلك: توفي توماس جيفرسون في نفس اليوم الذي توفي فيه جون آدامز!

هذا المسلسل التلفزيوني هو أحد أفضل الأفلام السياسة التي شاهدتها على الإطلاق. لا توجد معارك حربية أو قصة انتقام أو شيء من هذا القبيل. ولا يلعب على وتر العاطفة أمام المشاهدين لكي يؤمنوا بعدالة القضية المطروحة وأبطال المسلسل. الرؤساء الثلاثة تشاركوا في النضال واختلفت علاقتهم إلى درجة الكراهية فيما بينهم بسبب بعض الرؤى والأفكار. لا توجد نهاية في مسلسل أو فيلم سياسي أعظم من نهاية هذا المسلسل. كانت النهاية عبارة عن رسائل متبادلة بين العجوزين الذين ينتظرون الموت: جون آدامز، وتوماس جيفرسون.

15/9/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s