كرانفورد: مرثية في مقبرة ريفية


أشاهد هذه الأيام مسلسل Cranford, من إصدار البي بي سي, وهو مقتبس من رواية للروائية الإنجليزية إليزابيث غاسكل. ميزة هذا المسلسل أن لا قصة مركزية فيه. بسيط جداً. لا يوجد شيء يجعل المشاهد يحبس أنفاسه ويتحمس لمشاهدة الحلقات تباعاً. تدور أحداث المسلسل في بلدة خيالية تدعى كرانفورد في شمال انجلترا في عام 1840م, ويتناول حياة وعادات وتقاليد بعض عجائز البلدة من الطبقة المتوسطة في تلك الفترة. إذا كان هذا هو الخط الرئيسي للمسلسل.. ماهي الفائدة من مشاهدته إذا؟ الجواب يكمن بأن ما يتناوله المسلسل هو الحياة. الحياة فقط. بكل ما فيها من ذكرى وفرح وألم. أواصر الصداقة بين كبار السن. لحظات الصداقة والخطبة والزواج والهروب. تقاليد المنزل والحب الذي يربط أبناء البلدة الواحدة والبيت الواحد. الكفاح من أجل الحياة. الطبقة الغنية التي لا تعرف ماذا يدور في البيوت الصغيرة. الطبقة المتوسطة والفقيرة التي لا تعرف ماذا يدور في القصور الكبيرة. السرقة من أجل الأكل. تربية الأغنام. حلب البقر. قراءة الشعر تحت ضوء شمعة. الكتاب. القراءة في المنزل. تشارلز ديكنز البطل الجديد للعصر الحالي. شكسبير وذاكرة الشعر. هذا هو مسلسل كرانفورد لا أكثر ولا أقل.

قبل أن أشاهد المسلسل قمت بقراءة بعض التعليقات في موقع IMDB, أحد الذين كتبوا تعليقاً قال: أرجوكم .. ألا يعرف أحد الشاعر الذي ألقى قصيدته هاري في تأبين السيد؟ طوال مشاهدتي للمسلسل كنت أريد أن اسمع هذه القصيدة التي لا أعرف عنها شيئاً سوى أن أحد المشاهدين أعجب بها. كنت أسأل نفسي: هل سأكون مثل هذا الشخص يبحث عن القصيدة؟ وهل الموقف أو المشهد جميل لحظة إلقاء القصيدة؟ ومن هو الشاعر؟ هذا ماظهر لي في الحلقة الأخيرة من المسلسل.


المفاجأة أني تحدثت عن هذه القصيدة قبل سنتين في أحد المنتديات. وبحق, لم يكن تركيزي منصباً على القصيدة ذاتها بقدر اهتمامي بالشاعر. كنت أقرا عصر فولتير في قصة الحضارة لديورانت, وقرأت عن شعراء ذلك العصر الإنجليز: ألكسندر بوب و جيمس طومسون و وليم كولنز و توماس جراي. والآن تظهر لي القصيدة في مشهد جميل وعذب, وبسيط كل البساطة.

السيد كارتر هو النسخة الإنجليزية من جان فالجان الفرنسي بصورة مبسطة من ناحية الفكر وليس بتشابه السيرة. هو يعمل مدير في ملكية الليدي ليدلو الغنية. صارم في الأمور المالية. تلك الصرامة المالية كان تحتاج لضابط من نوع خاص حتى يستطيع وقف هذا التشدد الذي قد يتحول إلى نوع كريه غير مقبول بالوسط العام. الضابط الذي كبح جماح كارتر هو الطفل هاري. الطفل هاري ابن لعائلة تسكن في كوخ حقير على الطريق العام. يحاول إعانة والدته وإخوته الصغار عن طريق السرقة من ملكية السيدة ليدلو. يضبط كارتر هاري متلبساً بالجرم المشهود. وهنا يكتشف كارتر نوع هذا الطفل الذي لو توفرت له وسيلة مناسبة لأصبح رجلاً ذكياً ومثقفاً وبارعاً. كيف بطفل فقير, يعيش في كوخ مع أهله أن يقرأ؟ تفاجأ أن هذا الطفل الذي لم تتوفر لديه وسائل التعليم يعرف القراءة.

الزمن يتغير. وكل تطور للزمن يحتاج الإنسان لأن يتغير كذلك حتى يتكيف مع الظروف المحيطة ويستطيع مواجهة المصاعب التي قد تقابله في الحياة. ولكن كيف بطفل فقير أن يتعلم القراءة؟ هنا تتضح الأزمة شيئاً فشيئاً, وكأن معيشة أفراد مجتمع كرانفورد قائمة على الصدمات الحضارية. التعليم للأغنياء وليس للفقراء. مكان الفقراء هو العمل في نسج الصوف أو في رعاية الأغنام وما شابهها من حرف تقليدية. أن يتعلم طفل فقير أمر خطير لا يمكن السماح به. وسكة القطار: أليس في دخول هذه الآلة المزعجة ما يهدد مستقبل البلدة؟ دخول كائن جديد في محيط بلدة متمسكة بالعادات والتقاليد قد يهددها ويجبر سكانها على كتابة شهادة الوفاة لهذه البلدة الصغيرة.

هذا هو المسلسل بشكل عام. يناقش الحياة, يسير في طريق الحياة حتى تنتهي المواقف ويعود كل فرد من هذه البلدة إلى بيته ليقرأ أو لينسج الصوف. رغم أني لا أعرف من الشخصية التي ستكون هي المرثية بالمسلسل إلا أني حينما استمعت لهذا المشهد بين السيد كارتر السيدة غاليندو أيقنت أن السيد كارتر هو الشخص المفقود. يقول: هانبيري كانت جزءً كبيراً من حياتي. لم أبلغ الثلاثين بعد عندما تقدمت لطلب العمل. الذي كان يدير الملكية آنذاك دربني على طرقه, حتى أنه سمح لي بالزواج من ابنته. زوجتي كان لديها القليل من المال, وعندما ماتت, خطر لي شراء مزرعة صغيرة. أبدأ بداية جديدة بعيداً عن ذكراها. لكن لم أستطع التخلي عن الماضي و المكان الذي أصبحت أحبه كثيراً. أقنعني صديق بالاستثمار في مطحنته في هاليفاكس, و بدون مجهود. جنيت مالاً أكثر مما قد أجنيه في 30 سنة في هانبيري, لكن عندما ذهبت لرؤية المكان الذي جعلني ثرياً أصابني بالاشمئزاز! كان هنالك أطفال يجرون أكياس كبيرة من الصوف, ينامون تحت آلات النسج من التعب بشكل يرثى له, لدرجة مزقت روحي!

يقف الطفل هاري في غرفة صغيرة, أمام جثة السيد كارتر. ويلقي تلك القصيدة :

Here rests his head upon the lap of Earth
A youth to Fortune and to Fame unknown.
Fair Science frowned not on his humble birth,
And Melacholy marked him for her own.

Large was his bounty, and his soul sincere,
Heaven did a recompense as largely send:
He gave to Misery all he had, a tear,
He gained from Heaven (’twas all he wish’d) a friend.

ما أجمل التصوير الفني في هذه الأبيات. ! هذه الأبيات تمثل الأبيات الأخيرة من قصيدة الشاعر الإنجليزي توماس جراي الطويلة :مرثية في ساحة كنيسة ريفية. في التراب, في ظل الشوك الهائل هناك وسادة لشاعر حزين. تجاهلته الشهرة والمجد في ظلمة هذا الزمن المتقلب. لم ينل من مناهل العلم والفن سوى كأس ظامئ. صاغت الليالي حزنه وطوقته بالشجن. الكون بأكمله كان في قلبه: يخفق بالود والحنان. من أجل ذلك, ولا لشيء آخر سواه, كافأته آلهة الشعر على نبل أخلاقه وكرمه. أعطى للبائسين والبؤس كل ما يملك: دمعة. فأكرمته السماء بأن أعطته أنبل ما في الوجود: قلب صديق.

قرأت ترجمتين للقصيدة. القصيدة الأولى كانت ترجمة حرفية للدكتور عبدالوهاب المسيري. والترجمة الثانية شعرية أدبية بواسطة الشاعرة العراقية نازك الملائكة. وهذا يقودنا لسؤال: ماهو المنهج الملائم لترجمة الشعر؟ يطول الحديث في هذا الموضوع. ولكن اختصر الجواب برأي لبورخيس. يقول بورخيس في إحدى محاضراته عن الشعر أن الترجمة الحرفية تساعد على فهم النص فقط. أما المنهج الذي يجب أن يُتبع في ترجمة الشعر لا بد من إنجاز ترجمة أدبية, تعتمد التمعن بدقة في العمل الأصلي قصد إيجاد وسائل لإعادة إبداع قول أو معنى الشاعر.

يقول ديل ديورانت في قصة الحضارة عن توماس جراي: ألبس جراي الاكتئاب الرومانسي لبوساً كلاسيكياً دقيق النحت، مستبدلاً بمقطوعات ألكسندر بوب الزوجية العالية الرنين رباعيات هادئة تتحرك في وقار شجي. طبقت شهرته الآفاق حيناً. فانعقد الإجماع في 1757 على أنه يقف على قمة الشعراء الإنجليز، وعرضت عليه إمارة الشعر فرفضها. وقال فيه كوبر متخطياً ملتون إنه الشاعر الوحيد بعد شكسبير الذي يحق له أن ينعت شعره بالسمو. أما آدم سميث فأضاف متخطياً شكسبير إن جراي يضيف إلى سمو ملتون أناقة بوب وتناغمه، ولا ينقصه شيء ليكون ربما أول شاعر في اللغة الإنجليزية، ألا يكون قد نظم شعراً أكثر قليلاً مما فعل. وأعجب جونسن بالمرثية، ولكنه كان يملك من العلم ما عله يجد عشرات العيوب في القصائد الغنائية. “إن لجراي ضرباً من الوقار المختال، وأني لأعترف أنني أتأمل شعره برضى أقل مما أتأمل حياته.”

وفي كتاب مختارات من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري: على الرغم من أن توماس جراي شاعر انتقالي(قيل – رومانتيكي، كما يقال) إلا أن مرثيته الشهيرة تعد من عيون الشعر الإنجليزي، كما أنها تجسد سمات رومانتيكية عدة. فهي مرثية يبث فيها الشاعر أحزانه التي تثقل فؤاده في وحدته بعيداً عن المجتمع، تختتم القصيدة برسم صورة الشاعر الرومنتيكي الهائم على وجهه بين مناظر الطبيعة بعيداً عن البشر، يتأمل الطبيعة ويكتب شواهد قبور الفقراء ثم نسمع بعد ذلك وصفاً مؤثراً لجنازته هو، بل ونقرأ شاهد قبره.

27/8/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s