بجعات برية


كتاب بجعات برية للكاتبة البريطانية من أصل صيني يونغ تشانغ يصف تاريخ الصين الحديث من بداية القرن العشرين إلى ثمانينيات هذا القرن عبر ثلاث نساء، هم الجدة والفتاة والحفيدة. في ثلاث أزمنة مختلفة. الزمن الأول يبدأ مع الجدة، حيث تحكي قصة حياتها في عصر الجواري والسادة. كان لجنرالات ذلك العصر جواري من الطبقات الفقيرة، وكانت الجدة إحدى هؤلاء الجواري. تقص تفاصيل تلك العلاقة بين الجنرال وسيدة المنزل الحقيقية والجواري الشبيهات بالخدم، ثم ابتسام القدر لها وزواجها من رجل فاضل. ينتقل السرد على لسان أم الكاتبة التي عاصرت اللحظات الأولى لسطوع نجم الشيوعية في الصين من بداية نشأتها السرية ونشأة الأم تحت الاحتلال الياباني. يتميز هذا الجزء من الكتاب بتفصيل أسباب نشوء الشيوعية في الصين وأهدافها الشعبية وكيف أصبح هذا الحزب الشيوعي يستقبل أفواج هائلة من السكان دون ضغوط أو إجبار. تتدرج الأحداث لتصبح الكاتبة هي بطلة القصة. فهي ولدت في بيت تربى على قيم الشيوعية وعلى تقديس ماو، في مجتمع مخابراتي عسكري، أغلب أفراده عبارة عن مخبرين، يخشى الفرد فيه أن يفكر بينه وبين نفسه بأي شيء يخالف تعاليم ماو. تعيش الكاتبة الثورة الثقافية وتكون أحد أفرادها التي دعا إليها ماو حين بدأ الحماس للثورة الشيوعية يخف، ودعا فيها للقضاء على كل الإرث الثقافي الصيني بأيدي الشباب المتحمس. يسير القارئ مع الكاتبة ليشاهد انهيار قيم الشيوعية أمام عينيها، ومعاناة والديها الذين بذلا عمريهما لخدمة الشيوعية، ليجدا نفسيهما في موقف المتهم بالخيانة بعد كل شيء.

بعد قراءة هذا الكتاب تتوارد في ذهني عدة أسئلة لا أعرف كيف اكتبها، فكيف ابحث عن إجابة لها. أفكر في أسئلة لا أعرف كيف تكون، وابحث عن أجوبة لا وجود لها لأن لا سؤال بالتأكيد. يبدو الأمر مريعاً كرعب هذا الكتاب الذي يلقي بك في الدرك الأسفل من اليأس ثم تقول: ما هي الحرية؟ ما هو العنف؟ كيف يبدو العنف؟ لماذا العنف؟ ثم وأخيراً، يا لرعب هذا الكائن البشري عندما يصبح أحط شأناً من الحيوانات التي تقدر الوفاء والصداقة ومن يعطف عليها.

لماذا أقول ما هي الحرية؟ كتاب يونغ تشانغ يجبر القارئ على سؤال نفسه حول حريته الحالية التي يتمتع بها ويقارنها بحرية الآخرين الذين وصلوا إلى درجة لا تعقل من التسلط والعنف.


كل دولة، قبل تأسيسها أو توحيدها تكون أرضاً خصبة للدماء. بمبرر أو دون مبرر, يجب أن تسقى الأرض بالدماء حتى ترتوي وتصرخ أن توقفوا وقوموا بممارسة نوع آخر من أنواع العنف، عبر صناديق الاقتراع أو ما شابه ذلك من أنظمة الحكم. هذا ما حدث في الصين، والتي كانت أرض خصبة لأسياد الحرب يتقاتلون فيما بينهم حول من سيسيطر على أكبر قدر ممكن من الأراضي. ثم يدخل الأجنبي فيحول كل سيد حرب فوهة أسلحته تجاه المحتل الياباني. أسياد الحرب ومنهم الكومنتانغ الذين مارسوا نظام التفرقة الطبقية وحافظوا على عادات الصين القديمة الاجتماعية كانوا وطنيين في حربهم ضد اليابان. ولكنهم كانوا عنصريين ضد أبناء وطنهم، ومارسوا تجاههم أقسى نوع من أنواع أنظمة الحكم الفاسدة. ربما يكون الأمر مبرراً. الأرض في حالة حرب. ولا توجد قيادة واحدة تحكم الصين بشكل كامل. كل حزب يتصرف بما تمليه سياساته: يطبع نقوده، وترتفع الأسعار، وينهار سعر العملة، حتى أصبحت كمية الأموال الكافية لشراء كيس خبز يتم عبر جلب عربة فيها ملايين الأوراق المالية التي لا تساوي شيئاً أبداً.

على الطرف المقابل من الكومنتانغ كان هناك شباب وشابات صينيون منظمين تحت لواء جماعة لا تمارس النظام الطبقي تجاه أبناء بلدهم. يقاتلون اليابانيين بحرارة، ثم يفتحون أجزاء واسعة من الأراضي الصينية ويمارسوا العدل تجاه كل السكان. كان الأمر في السابق، عندما تقتحم قوات الكومنتانغ مدن جديدة، تتم مصادرة جميع المراكز التموينية ويتم اقتحام المنازل وإجبار السكان على العمل لصالح الكومنتانغ رغماً عنهم. هذه الجماعة الأخرى كانت تفعل العكس: كانوا يحييون السكان ويؤمنوا الحماية الكاملة لهم، لا وجود للفساد بين صفوفهم، لا تفرقة عنصرية، يلبسون زياً موحداً. هذه المجموعة هي الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ.

كل هذه الأمور طبيعية وتحدث بل وحدثت في أغلب الدول التي استقلت حديثاً أو تم توحيدها تحت قيادة واحدة. ولكن الشيء الأكثر حقارة وتفاهة هو شعور الإنسان بحاجته للعنف حتى وهو في أقصى درجات الرقي الاقتصادي والسلم الأهلي. بعد توحيد الصين تحت قيادة الحزب الشيوعي استقرت البلد تحت قيادة واحدة، منظمة تنظيماً إدارياً وعسكرياً يعجز التعبير عنه. تم الاهتمام بالعلم وتشجيع الزراعة وتسوية كل مخلفات الماضي. غزو القلوب قبل غزو العقول كما يقول ماو. هذا الغزو رافقه فقد الحرية إلى درجة أصبحت فيها الجمهورية الصينية سجناً كبيراً، يخرج الصيني من سجن أصغر إلى سجن أكبر. إحدى أدوات هذا السجن هو النقد الذاتي. أن تكون صينياً يجب أن يكون ولائك للحزب فوق كل اهتمام، فوق العائلة والأديان والعادات والتقاليد، فوق كل شيء. إن وضعت العائلة أو اهتماماتك الشخصية في المقدمة يجب أن تتعرض للنقد الذاتي. والنقد الذاتي في الحزب ليس نقداً لمعرفة أين الخطأ وأين الصواب، بل أن تحضر في جلسة تضم قادة الحزب ثم تنتقد نفسك بعنف حتى لو كنت مؤمناً بأن ما قمت به هو الصواب. كانت والدة يونغ ووالدها يسيرون في جبال سيشوان، تم نقلهم إلى مدينة أخرى بأمر من اللجنة المركزية للحزب. كانت والدة يونغ حاملاً تسير على قدميها، بينما الزوج يسير في السيارة بحكم منصبه في الحزب. لما لا تصعد الزوجة في سيارة زوجها؟ سيخفف عنها الألم، وهو أمر طبيعي، سيفعله أي إنسان في أي مجتمع من المجتمعات البشرية. ولكن في الصين، كان هذا الأمر بمثابة رشوة، بمثابة تقديم العائلة على الحزب. يجب أن يعاني الشعب المتمدن مثلما عانى الفلاحون ويقاسوا العذاب. يجب أن يأكلوا بمثل ما يأكلون حتى لو أصبح غير صالح للاستخدام الآدمي. يجب أن لا يتعلموا في الجامعة فقط، بل يجب إعادة تثقيفهم عبر إرسالهم إلى الأرياف لتدريبهم على قسوة الحياة. كانت إحدى لحظات الجنون تلك أن يقوم الشعب بأكمله بإنتاج الفولاذ. ليتخيل أي قارئ هذا الأمر فقط: كل مبنى قائم بحد ذاته في الصين، يجب أن يقوم سكان هذا المبنى بإخراج كل شيء يمت بصلة للحديد وإحراقه فوراً، حتى تصبح الصين المنتج الأول للفولاذ في العالم. إحدى نتائج هذا الحرق الجنوني وفاة أكثر من عشرين مليون في ظرف سنة واحدة في أقسى مجاعة تعرضت لها الصين في تاريخها.

عندما انتصفت في قراءة الكتاب كنت أظن أن هذه الأساليب القمعية والتسلطية ستتوقف وستظهر لي الصين الجديدة التي أراها الآن تصارع الولايات المتحدة في حرب عملات مالية. ولكن الأمر كان أقسى مما ظهر في البداية، والسبب الثورة الثقافية. مسمى هذه الثورة جميل، في الحقيقة لم أكن أعرف معناه قبل قراءة الكتاب. يبدو الأمر جميلاً بأن تقوم بثورة ثقافية حيث يصبح للكتاب والقلم الدور الأهم في تأسيس نهضة الأمم. ولكن، في الحقيقة أظن أني كنت مغفلاً.

بعد تنحي ماو عن السلطة فقد سيطرته الفعلية على الأمور. أصبح الحزب هو المتحكم بإدارة البلاد، وبقي ماو صورة رمزية فقط عن الثورة الشيوعية التي وحدت الصين الجديدة. من عاش على العنف والدم لا يستطيع أن يبقى في مكان واحد. كان ماو ينتقل بين الجبال والسهول مع كتائبة الحمراء يقاتل الكومنتانغ واليابانيين بجدارة، لم يعد لديه الآن كومنتانغ ولا غزاة. سوف يسقي الأرض من جديد، عبر كتائبة الحمراء الجديدة الشابة، والتي لم تقاتل يوماً في ميادين القتال، وتم شحن عقولهم بعبارات ماو ومحاربة الإمبريالية. ولكن من يقاتل؟

وجد ماو تسي تونغ في الحزب الشيوعي الذي أصبح المسيطر على البلاد هدفاً له. حذر ماو آنذاك من أن من أسماهم بممثلي البرجوازية قد اخترقوا الحزب الشيوعي الحاكم، وأنه سيعمل على اجتثاثهم. أطلق على هذه المجزرة الرهيبة الثورة الثقافية الكبرى. دعا من خلالها الشباب الذين لم تتجاوز أعمارهم العشرين أن يقوموا بالانقلاب على الزعامة الشيوعية في البلاد. استجاب لدعوته ألوف الشباب الذين عُرفوا فيما بعد باسم الحرس الأحمر. وغرقت الصين في الفوضى التي راح ضحيتها مئات الألوف، وجرى تعذيب الملايين، وتخريب جانب كبير من تراث الصين الثقافي.

تقول يونغ تشانغ بعد وفاة ماو الذي كان بالنسبة لها بمثابة الإله:

في الأيام التي أعقبت ماو فكرت كثيراً. كنت أعرف أنه يعتبر فيلسوفاً، وحاولت أن أفكر في فلسفته. بدا لي أن مبدأها المركزي هو الحاجة أو الرغبة إلى صراع مستديم. كان يبدو أن جوهر تفكيره هو أن الصراعات بين البشر هي القوة المحركة للتاريخ وأنه من أجل صنع التاريخ، يتعين على الدوام خلق أعداء طبقيين بالجملة. وتساءلت إن كان هناك أي فلاسفة آخرين أدت نظرياتهم إلى معاناة كل هذه الأعداد وموتهم. وفكرت في الإرهاب والبؤس الذين أُخضع لهما الصينيون. من أجل ماذا؟ ولكن نظرية ماو قد تكون امتداد لشخصيته. بدا لي أنه كان حقاً، مروج نزالات، لا يعرف الراحة بطبيعته، وأنه كان يتقن عمله هذا. كان يفهم غرائز إنسانية قبيحة مثل الحسد والكره ويعرف كيف يسخرها لغاياته. كان يحكم بدفع الناس إلى كره بعضهم بعضاً. وبعمله هذا حمل الصينيين العاديين على تنفيذ المهمات التي تضطلع بها في الدكتاتوريات الأخرى نخب مهنية. لقد تمكن ماو من تحويل الشعب إلى سلاح الدكتاتورية الأمضى. ولهذا، في عهد ماو، لم يكن في عهده معادل حقيقي لجهاز المخابرات السوفييتي الكي جي بي. في الصين لم تكن هناك حاجة لذلك. وبنبش وتغذية أسوأ ما في البشر أوجد ماو مزبلة أخلاقية، وأرضاً من الكره. ولكن كم هو حجم المسؤولية الفردية التي ينبغي أن يشترك فيها الناس العاديين؟ هذا ما لم أتمكن من تحديده.

الإنسان بطبعه ميال إلى الحرية، إلى أن يتحدث بحرية ويناقش ويكتب وينتقل من مكان لآخر دون المرور بسلسلة من التحقيقات التي هدفها حفظ النظام القائم. ربما تدور نقاشات حول الحرية ومستوياتها – إن كان لها من مستويات – ودرجة تقبل مجتمع ما لممارسات يتم العمل بها في دولة عن أخرى، ولكن الفكرة الرئيسية عن الحرية، أن أعيش حراً، هي في ذهن كل كائن بشري، حتى الطغاة منهم. في الدراما الروسية الفرنسية East / West يتم تجسيد توق الإنسان إلى الحرية وكيفية الحياة داخل الأنظمة المنغلقة. في منتصف خمسينيات القرن الماضي يدعو الزعيم السوفييتي ستالين أبناء شعبه اللاجئين في دول الغرب إلى العودة للوطن الأم للمساهمة في نهضة الأمة السوفيتية وعودة الأمور لمجاريها من جديد. يعود الطبيب إليكسي وزوجته الفرنسية ماري وابنهم الصغير سيرجي من فرنسا إلى أوديسا ليتفاجئوا لاحقاً بالأحداث وبالفخ الذي رسمه ستالين. تخوض الزوجة الفرنسية التي ولدت على قيم مختلفة صراعاً عنيفاً مع زوجها والنظام الحاكم للعودة إلى بلادها فرنسا بكل الوسائل والطرق بعد أن مزّق النظام الحديدي جواز سفرها. ومسح كل شيء يتعلق بتاريخها واسمها ووطنها الأم. كل ما شاهدته في هذا الفيلم الواقعي هو نفس ما هو موجود في كتاب بجعات برية. الأنظمة في كلا البلدين مغلقة، السجن الصغير هو السجن الكبير. لا فرق. التحكم بمصائر وأقدار الناس وممتلكاتهم. يونغ تشانغ عندما فكرت بالسفر إلى الخارج انتظرت ما يقارب السنتين حتى تتمكن من السفر والهرب من هذا التحكم المبرمج بمصير الإنسان. بينما ماري انتظرت عشرة أعوام, وعبر مؤامرات ودسائس وتزوير وسجون الغولاغ، وعبر السباحة في البحر لست ساعات متواصلة، وعبر اليسارية الفرنسية الممثلة جابريل ديفيله، والتي أدت دورها ببراعة كاترين دينيف، في مساعدة الزوجة ابنة بلدها، ثم، حتى تصل إلى النقطة التي يقال أنها خارج نطاق المراقبة، تصاب برعشة الحرية. تلك الرعشة التي تُلقي بك أرضاً ولا تعرف في أي أرض تقف الآن.

الكتاب من ترجمة عبدالإله النعيمي، وإصدار دار الساقي

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب آسيوي, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s