باولا: أغنية الجسد المسجى

من غير المعقول أن أصف تلك الساعات – التي هي بمثابة سنوات – في دقائق معدودة. أحتاج لمجلدات حتى أحيط بسر ذلك الشيء الإلهي, ذلك الذي لا يُعقل ويحدث بين دقيقة وأخرى في هذا العالم. أنت قارئ .. تبحث عن الجمال وتحاول الإحاطة به وتكتب عنه بمتعة بالغة. أنا – وأظن أن هناك نسوة غيري – أحاطوا بسره ورؤيته عبر الألم والأمل. أظنك تعرف مقدمة تشارلز ديكنز البديعة في قصة مدينتين. تلك المقدمة التي وصفت ما أنا عليه بالتمام وبكل دقة. تلك الساعات كانت أحسن الأزمان, وكانت أسوأ الأزمان. تلك الساعات كانت زمناً للنور, وكانت زمناً للظلمة. كانت ربيعاً للأمل, وكانت شتاءً للقنوط. كان أمامي كل شيء, ولم يكن أمامي شيء. كنت ماضية إلى الجنة مباشرة, وكنت ماضية إلى جهنم مباشرة. في جسدي تراتيل أغنية عظيمة لا يحيط بكنها في العالم إلا أنا. العالم يدور وأنا الواقفة في هذا العالم, لا أحد يحيط بسر الجمال مثلي, لأني أعيش في واقع الأمل وواقع الألم. بين أوردتي ودمي تتمزق أغنية تأبى الظهور إلا بالألم. أغنية: جمالها جمال تدفق الماء والريح حين تهب, محروسة بمقامي النهاوند والصبا. لحظات انفلات وجداني يصعب الإمساك بها. تراتيل يعج بها صوت الحرية المطلقة. كينونة الرؤى. وإشتهاء السفر البعيد وراء الخيال. جميع العالم بتناقضاته كان يحيط بي من كل الاتجاهات إلا شيء واحد: الله العظيم. هو الوحيد الذي أراه وأسمع صوته, بداخلي وقلبي هو. لأول مرة أكون بتلك الدرجة من القرب منه. صليت كثيراً لربي, وبكيت كثيراً .. في كل مرة كنت أقول في نفسي أني اكتشفت الله بداخلي. ولكن, بعد تلك الساعات اكتشفت أني لم أكن بالقرب منه أكثر من ذلك اليوم, في تلك الساعة بالتحديد. ارتميت في أحضان الله شوقاً ومحبة, لا خوفاً ورعباً. كان زوربا يقول: يا بني.. إن الإله الرحيم كما ترى, لا تستطيع طبقات السماء السبع وطبقات الأرض السبع أن تسعه. لكن قلب الإنسان يسعه! إذن, احذر يا بني, من أن تجرح ذات يوم قلب إنسان. زوربا صادق. حين قرأت مثل هذه الكلمات قلت أن هذا النص واقعياً رائع وحقيقي. ولكن من الذي يستطيع أن يفعل ذلك أو يصل إلى تلك الدرجة من الاقتراب من الله: أن يكون داخل قلبك, وتراه, وتسمعه؟ لقد تحقق لي ذلك في تلك الساعة.


لو طلب الله مني أن أحمل الجبال بيدي هاتين, أنا كائن الضلع الضعيف, سوف أحملها بلا مبالغة. سوف أحمل كل شيء في هذا العالم فوق رأسي حتى تخرج تلك الأغنية من جسدي: تلك الأغنية التي انتظرتها طويلاً وحان وقت سماعها.

ولكن هناك شرط. في تلك الساعة يلتحم الأمل والألم. لا أمل بدون ألم, ولا ألم بدون أمل . أرى زوجي يسندني بصدره وأنا جالسة جلسة القرفصاء على ظهري. يمسح على ظهري ويشد من أزري حين يهاجمني الألم كأسد ينقض على فريسته. عندما اقتربت النهاية كنت أرى ذلك الرجل القريب إلى قلبي يهمس إلي بكلمات لا يفهمها أحد, إلا المتحابين. كان رائعاً. أخبرته بأن لا تخف. لست خائفة على الإطلاق. كانت الساعات سريعة بالنسبة له, بطيئة بالنسبة لي. وحانت ساعة الحقيقة. آن للأغنية أن تسطع في تلك الغرفة. كنت خائفة وشبه ميتة من الخوف. كانت عظامي تنسحق, واستسلمت هناك للألم. لم يكن هناك شيء بعد أفعله. هناك لحظات لا يمكن فيها وقف الرحلة التي بدأنا بها. نتدحرج نحو حد ما, ونمر عبر بوابة غامضة لنجد أنفسنا في العالم الآخر. هذا العالم يصبح واقعياً بنور السعادة الباهر إلى درجة عدم استحمالي إياه. انقطعت الحبال التي شُدت لتسعة أشهر. في هذه الأثناء, في تلك الدقيقة بالتحديد لم أعد أعرف من أنا. “أنا لست لي”. لا أعرف أناي, تلك المستلقية على السرير. لو طلبت مني أن احمل إبرة صغيرة لن تسعني قوتي بشيء, بعد أن كنت قادرة على حمل الجبال. لكن هناك شيئين أعرف أنهما حدثا: أن في هذه الغرفة, هناك كائن جديد, طفل يخرج من جسدي, كائن سيعتد بحقوقه عما قريب, وسيولد كائنات أخرى شبيهة به, هذا الطفل الذي هو ذرة مني, وذرة من ذلك الرجل الرائع الذي يمسح على رأسي وأهداني قبلة على رأسي.

تقول ابنة جبال الأندير إيزابيل الليندي في كلمات تختصر حالتي وقتها: العملية المذهلة للحمل بطفل, والصبر بحمله, والقوة في إخراجه إلى الحياة والشعور العميق بالدهشة الذي تنتهي به تلك العملية, لا يمكن مقارنتها إلا بإبداع كتاب. إن الأطفال, مثل الكتب, هم رحلة إلى أعماق النفس حيث الجسد والعقل والروح يبدلون اتجاهاتهم ويتحولون إلى مركز الوجود نفسه.

– رائع جداً .. يجب أن أسجل هذا المشهد في قائمة المشاهدة الخالدة لدي. حان الوقت لاستلم زمام الحديث حول آلام الولادة في الأدب وتأثير ذلك على المسار الروحي الذي يعصف بأبطال الرواية. كيف يستطيع الأديب – الرجل – أن يتقمص شخصية أنثوية ببراعة ويصف آلام الأنثى بكل ما فيه من مشقة وعذاب؟ هذا السؤال لم يخطر في بالي أن أطرحه, ولكن الآن أطرح هذا السؤال بعد أن قرأت أن مجنونين اثنين استطاعا وصف آلام الأنثى عند الولادة ببراعة وحتى وصف الحالة النفسية لأنثى مصابة بحمى النفاس.

عندما قرأت مذكرات آنا جريغورريفنا زوجة الروائي دوستويفسكي, لفت نظري أن دوستويفسكي أخفى عن زوجته الحامل أحد مجلدات رواية الحرب والسلم لتولستوي يصف فيها وفاة زوجة أحد أبطال الرواية أثناء الولادة. فقط, لمجرد أن الوصف الفني البارع كان مذهلاً ورائعاً. وقتها قلت في نفسي أن مهما كان وصف تولستوي في رسم هذا المشهد فلا أعتقد أن بإمكانه أن يقدم وصفاً حقيقياً لأنثى على وشك الولادة. ثم قرأت كذلك في هذه المذكرات أن دوستويفسكي وصف مشهد ولادة أحد أبنائه في جنيف بكل ما فيه من قسوة وألم في رواية الشياطين, آنا غريغورريفنا كانت تعاني عسر في الولادة, دوستويفسكي وصف هذا المشهد بكل ما فيه.

الكتاب الروس هم أفضل من يرسم مشاهد آلام الأنثى عند الولادة ووصف آلام حمى النفاس. تولستوي عبر روايته العملاقة آنا كارينينا وصف مشهدين من أكثر المشاهد إثارة وحيوية في الرواية, مشهد ولادة كيتي, ومشهد وصف الحالة النفسية والهذيان لحمى نفاس آنا كارينينا. هل قرأتم عن مشهد أنثى وهي تصارع آلام الحمى؟ تولستوي يقدم صرخات طفل لم يكن موجود في الرواية في مشهد ولادة كيتي, وفجأة يظهر لنا بهذه الصورة من الألم والشدة والصراخ واحتباس الأنفاس. لم أقرأ في حياتي مثل هذه المشهد.

ولكن تولستوي لم يقدم هذا المشهد من أجل وصف الحالة النفسية للمرأة عند الولادة. كان الهدف الذي يريد تحقيقه أكبر من آلام المخاض. كان يريد الخلاص لنفسه. تولستوي لم يكن إلا نسخة مصغرة من قسطنطين ليفين, زوج كيتي التي تعاني من آلام الولادة. ذلك الإنسان الملحد الذي لا يؤمن بالله ولا يؤمن بشيء في هذا العالم. من بداية الرواية إلى نهايتها كان طريق ليفين هو البحث عن الشيء الذي لا تستقيم الحياة بدونه. حين كان يصرخ تولستوي باعترافاته: يا رب ارحمني وخلصني .. أيها الرب العظيم .. يا إلهي العزيز أنقذني .. كان يطلب الإمساك بشجرة اليقين. مثل هذه الصرخات الحية صورها تولستوي كذلك في رواية آنا, عندما يصرخ ليفين وهو يسمع عذابات زوجته عند الولادة, وهو الملحد الغارق في الشك حتى في وجود الله نفسه يصرخ من أعماق قلبه : يا الله ارحمني.

وهو الذي لم يرفع رأسه منذ سنوات, رفعها من أجل ظهور معجزة هذا الطفل الذي لم يكن قبل ساعة في هذا الوجود. كيف ظهر هذا الطفل إلى الوجود؟ معجزة؟ نمو طبيعي في جسم الإنسان؟ حين أقرأ ليفين وهو ينتظر زوجته التي تعاني آلام الولادة يظهر لي تولستوي الكهل الكبير وهو يتساءل هذه الأسئلة التي يعرف أجوبتها من الطفولة, حين كان يرضع من ثدي أمه: أليس هذا دليلاً على أن هناك أماً ولدتني؟ واعتنت بتربيتي وأطعمتني؟ أين هي تلك الأم؟ أنني لا أستطيع أن أتعامي عن رؤية هذه الحقيقة, وهي أن كائناً أحبني وكان السبب في وجودي؟ هو – بلا شك – الله. هو موجود بالحقيقة وفي كل لحظة أعترف بوجوده, أشعر بأن حياتي قد تجددت, وإيماني بما في الوجود قد نهض من رمسه.

بعد أن فرغت من آنا كارينينا, بدأت بقراءة رواية دوستويفسكي السياسية الساخرة: رواية الشياطين. عند قراءة الشياطين كان اهتمامي منصباً بأحد المشاهد التي قرأت عنها في مذكرات زوجة دوستويفسكي, ولم أكن أعرف كيف سيصور دوستويفسكي هذا المشهد بكل ما فيه. المشهد هو مشهد ولادة زوجة شاتوف. انتصفت في قراءة الرواية تقريباً ولم ألحظ أي أنثى على وشك الولادة. وفجأة, وبدون سابق إنذار تظهر إحدى شخصيات العمل الفرعية, والتي تم تقديمها كأنثى طبيعية لا وجود لملامح حمل في أحشائها, وهي تعاني من آلام المخاض. ليس وصف آلام الأنثى فقط رائع, ولكن الغريب كل الغرابة هو هذا الظهور المفاجئ لشخصية فرعية تم تقديمها كأنثى طبيعية, وفجأة تصرخ طالبة المساعدة لأنها تعاني من الآم المخاض! هكذا هي عادة دوستويفسكي, لا يرسم أشهر مشاهده إلا ومعه كم هائل من الفضائح والجنون.

هل توجد قواسم مشتركة بين مشاهد تولستوي عبر رواية آنا كارينينا وراية دوستويفسكي الشياطين؟ لا أستطيع أن أفضل شخصيات رواية تولستوي النسائية وهي تعاني من آلام الولادة وبين شخصيات دوستويفسكي في الشياطين. شخصيات تولستوي من الطبقة الراقية, من طبقة النبلاء الكبار ولا يحتاجون للمال من أجل استدعاء قابلة للولادة. وهذا عكس شخصيات دوستويفسكي المعدمة الفقيرة , والتي تبحث عن المال من أجل توفير خادمة للأنثى وقابلة للولادة. أذكر أن شاتوف الزوج عندما ذهب لأحد شخصيات الرواية يطلب منه المال من أجل زوجته التي على وشك الولادة, صرخ في وجهه في حوار فضائحي طالباً منه أن يعطيه المال بسرعة : يا حمار ! يا حمار .. أعطني المال بسرعة وإلا قتلتك!

ولكن كل هذا الألم, كل هذا الجمال لن يخفي القيمة الحقيقية لهذه المشاهد, وهي الإيمان بالله, و وجود الله. زوج كيتي التي تعاني من آلام الولادة – ليفين – كان ملحداً, لا يؤمن بالله, وحتى لا يؤمن بوجود الله كما يقول. عندما سمع صرخات زوجته وهي تعاني, رفع رأسه للسماء, وصرخ بصوته وهو في أقصى انفعالاته وقال : يا الله ارحمني. كانت هذه الكلمة تخرج صافية من قلبه وعقله, لم يكن يطلب من الله أي شيء, كان ملحداً غارقاً في الشك حتى أخمص قدميه, وفجأة يطلب الرحمة من الإله الذي لا يعترف به. كانت هذه الكلمة مسار تحول في الرواية إذ وجد ليفين الإيمان الذي كان يبحث عنه.

أما في رواية الشياطين فكان مثل رواية آنا كارينينا. شاتوف أحد أبطال الرواية الشياطين, الملحدين, بالنسبة لشاتوف كما بالنسبة لدوستويفسكي, الاشتراكية هي الإلحاد, لأنها تريد أن تبني عالمها حسب قوانين العلم. والحال, هي أن الشعوب تتكون وتعيش حسب قوانين أخرى خفية وغامضة. وتاريخ شعب ما يعود إلى البحث عن الله. يقول شاتوف في الرواية :إن هدف كل شعب عبر تاريخه هو البحث عن الله فقط, عن إلهه, عن إلهه الذي يؤمن به على أنه الإله الحق الوحيد.

عندما سأله ستافروجين :
أتؤمن أنت نفسك بالله, أم لا؟
تمتم شاتوف :
أنا أؤمن بروسيا.. أؤمن بالمذهب الأرثوذكسي
ويلح ستافروجين :
ولكن بالله؟ بالله؟
يجيب : أنا سأؤمن بالله.

دوستويفسكي مثله مثل شاتوف, ذهب إلى الله عبر الشعب, وبينما لم يكن الشعب بالنسبة لدوستويفسكي سوى مرحلة عبور, فإنه بالنسبة لشاتوف غاية ونهاية. هو تائه بعض الشيء, وسيتبين له ذلك عندما تعود زوجته, التي خانته فيما مضى مع ستافروجين لكي تضع مولودها عنده في منزله. فيستقبلها بنوع من النشوة ويحيطها بعناية فائقة يندهش منها هو نفسه. وعندما يولد الطفل, عندما يرى أمامه هذا المخلوق الذي أعطي فرصة للحياة تصيبه الغبطة والفرح من رأسه حتى أخمص قدميه, ويصيح : إن أعجوبة ظهور مخلوق جديد على سطح الأرض كبيرة ومعجزة يصعب تفسيرها. فتصرعه القابلة التي تؤيد الأفكار الاشتراكية: ما هذا الهذيان الذي تثرثر به؟ هذا ليس سوى تطور ونمو يحصل في الجسم؟. ولكن شاتوف لا يصغي لها. فقد تبدت له المعجزة وآمن, وسيؤمن على الدوام. أصبح يشعر بالسعادة بعد أن فقدها لسنوات.

باولا .. أريد أن اكتب عنها .. وحتى الآن لا أجد كلمات أستطيع مجرد صفها بقرب بعض حتى تكون قراءة لباولا. يمر في ذهني الآن مارسيل خليفة مع عوده وبكلمات الراحل محمود درويش, على مدرج جرش. غريب ما يحدث! يبدأ بالعزف, يغني: أحن .. ثم يتوقف ليكمل الجمهور الغناء. حين استمعت للأغنية لأول مرة كنت أعشق الكلمات, لا اللحن .. حين وصلت إلى مقطع :

خذيني إذا عدت يوماً
وشاحاً لهدبك
و غطّي عظامي بعشب
تعمّد من طهر كعبك

أحسست بشيء يخنقني. أثر فيّ. لأول مرة أغنية تحملني إلى أجواء وأماكن لم أحلم بالوصول إليها. من الذي يحن للآخر: درويش؟ أم والدة درويش؟ .. تمر الذكرى الأولى لرحيل محمود درويش, ولم يستطع أن يغني الابن أحن إلى خبر أمي كما أراد. تركها لكل الناس. القصيدة التي تحكي حال درويش ليست إلى أمي, بل تعاليم حورية. هل كتبها درويش لعلمه أن القدر لن يسمح له بأن يلقي إلى أمي كما أراد؟ ربما ..

فكرت يومًا بالرحيل، فحطّ حسّونٌ على يدها ونام.
وكان يكفي أن أداعب غصن داليةٍ على عجلٍ…
لتدرك أنّ كأس نبيذي امتلأت.
ويكفي أن أنام مبكّرًا لترى منامي واضحًا،
فتطيل ليلتها لتحرسه…
وأنّ أيّامي تحوّم حولها… وحيالها

أمّي تعدّ أصابعي العشرين عن بعدٍ.
تمشّطني بخصلة شعرها الذهبيّ.
تبحث في ثيابي الداخليّة عن نساءٍ أجنبيّاتٍ،
وترفو جوريي المقطوع.
لم أكبر على يدها كما شئنا:
أنا وهي، افترقنا عند منحدر الرّخام… ولوّحت سحبٌ لنا،
ولماعزٍ يرث المكان.

لا وقت حولك للكلام العاطفيّ.
عجنت بالحبق الظهيرة كلّها.
وخبزت للسّمّاق عرف الديك.
أعرف ما يخرّب قلبك المثقوب بالطاووس،
منذ طردت ثانيةً من الفردوس.
عالمنا تغيّر كلّه، فتغيّرت أصواتنا.
حتّى التحيّة بيننا وقعت كزرّ الثوب فوق الرمل،
لم تسمع صدًى.
قولي: صباح الخير!
قولي أيّ شيء لي لتمنحني الحياة دلالها.
أمّي تضيء نجوم كنعان الأخيرة،
وترمي، في قصيدتي الأخيرة، شالها.

عالم علاقة الأم بالطفل في الآداب واسع وكبير جداً. أتذكر قصة حكاية أم. يحكي الكاتب العظيم هانس كريستيان أندرسن في قصة حكاية أم, قصة أم لم تهنئ بنوم ساعة واحدة لثلاثة أيام متتالية بسبب طفلها, والذي تعتقد بأنه يحتضر. دخل أحد العجائز إلى بيت هذه الأم, ولم تلبث دقائق حتى اختطف العجوز الطفل وولى هارباً بسرعة الرياح. كانت صدمة الأم رهيبة, ليس بسبب اختطاف الطفل من قبل العجوز فقط, بل بسبب أن هذا العجوز لم يكن إلا الموت نفسه. الموت متنكراً بهيئة رجل عجوز. تقرر الأم مطاردة الموت من أجل عودة الطفل الصغير للمنزل, تواجه الأم عدة عقبات بسبب سرعة الموت الرهيبة. يظهر من هذه العقبات مدى شوق الأم لابنها, هي أم, ولا تريد أبداً أن تسمع شيء عن الفراق بينها وبين الطفل. تاهت في وسط الطريق ولم تعرف أين ذهب الموت بنوارة قلبها. في طريقها تجد الأم امرأة متشحة بالسواد – لم يكن سوى الليل – تعرف الطريق الذي سلكه الموت.. يرفض الليل البوح بمكان الطريق الذي سلكه الموت حتى تغني الأم كل الأغاني التي أنشدتها للطفل الصغير وهو في المهد. غريب أمر هذا الليل! لم يكن هذا الطلب بسبب الأغاني ذاتها, بل بسبب الدموع التي سكبتها الأم طيلة الأيام الماضية وهي تغني لصغيرها. لم تكن الأم مهتمة بالأغاني, تريد أن تعرف الطريق الذي هرب به الموت مع صغيرها. يصمت الليل حتى تقرر الأم الغناء: وتغني الأم, ممسكة يديها, كان هناك الكثير من الدموع, والكثير من الغناء. تواصل الأم السير في خطى الموت بعد معرفة الطريق من قبل الليل, وتصدم مرة أخرى بعقبة مفترق الطرق. كان هناك هذه المرة شجرة شوكية تعرف الطريق الذي سلكه الموت, ولكن, كما الليل, يريد خدمة مقابل أن يفضي بسر الطريق. الخدمة هي: أن تضم الأم الشجرة الشوكية وتدفئها, فهي حسب قولها ميتة من البرد وتحس بالتجمد. لم تتردد الأم لحظة واحدة, ف ضمت الأم الشجرة الشوكية إلى صدرها حتى انغرست أشواك الشجر وسط جسدها. تحولت أشواك الشجرة إلى أغضان خضراء, وأزهرت في الشتاء البارد. هذا ما يفعله قلب الأم الدافئ. تستمر رحلة المطاردة وعقبة أخرى تقف في طريقها: إن هي أرادت الاستمرار في طريق الموت والطفل يجب عليها أن تتخطى بحيرة كبيرة, أن تسير عليها, وهذا مالا تقدر عليه, أو تشرب ماءها كله, ولن تقدر عليه بحال من الأحوال. اشترط البحر كما فعل الليل والشجرة خدمة كذلك. طوال تلك الرحلة الطويلة, كانت الأم تضحي بكل ما تملك في سبيل الطفل: بكت حتى سقطت عيناها في البحر لؤلؤتين نفيستين, قصت شعرها الأسود وأهدته لعجوز طاعنة في السن .. ويتفاجئ الموت أن أمامه الآن الأم. قطعت مسافات طويلة من أجل هذه النبتة المغروسة في حديقة الموت: طفلها. كيف استطاعت أن تصل إلى مكان الموت قبل الموت نفسه, صاحب الحديقة؟ كان جوابها مفحماً بكلمة واحدة: أنا أم! قد لا تستطيع الأم أن تقف أمام الموت, ولكن رحمة الإله قادرة على صده. أنا مؤمن بأنها تمثل الصوت الحي لأغنية جين ستينمان: قد تعرف كيف تهمس, وقد تعرف كيف تبكي, وتعرف تماماً أين تجد الإجابات, وتعرف متى تكذب, وكيف تتصنع, وتعرف تماماً كيف تكيد لأعدائها, وتعرف طريق المال, الشهرة, تعرف كل القوانين, وكيف تكسرها .. لكنها لن تعرف, ولن تعرف على الإطلاق كيف تتخلص من يديه, ولن تدعه يسقط من يديها .. لأنها أم!

نهاية القصة من أروع النهايات التي قرأتها, والمختصة تحديداً بعلاقة الأم و الأبناء, وتبيان حالة العشق والهيام التي وصلت لحدودها القصوى : يا رب .. لا تستجب لدعواتي عندما تكون ضد مشيئتك التي هي الأفضل لنا دائماً، لا تستجب لها يا رب. لمن يريد قراءة القصة ومعرفة النهاية سيجدها في كتاب هانس كريستيان أندرسن, قصص وحكايات خرافية الصادرة ضمن سلسلة الأعمال الخالدة لدار المدى. قصة أخرى مذهلة كذلك محورها الأم والطفل للقاص الدكتور عدي الحربش عبر قصة حديقة اللانهاية. أم مفجوعة بوفاة طفلها في قدر ساخن تعترض على الإرادة الإلهية وتحتج, بعد أن قالت إحدى النساء المتدينات في مجلس العزاء للأم الثكلى أن الطفل سيكون عصفوراَ في الجنة, حسب نص الحديث الشريف. ولكن مشاعر الفقد لم تكن تسمح للأم بأن تكون في حالة طبيعية. هي ترى طفلها قد يبلغ مبلغ الرجال ويصبح رجل علم يشار إليه بالبنان, وفي آخر الأمر, يموت وهو طفل, ويصبح مجرد عصفور في الجنة!. في الفصل الثاني, فصل الحلم, ترى الأم كيف يكون الطفل عصفوراً في الجنة مباشرة هذه المرة وليس مجرد قراءة أو تعزية. تُجرب لحظة الخلود حين تطير هي في الجنة وتحس بأن كل شيء في هذه الحديقة اللا متناهية يحتوي كل الجمال, موسيقى خالدة وأبدية.

كان شعبي, الشعب التشيلي .. أكثر شعب تعرض للغدر في هذا الزمن!. تلك كانت كلمات نيرودا الشهيرة بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الديكتاتور التشيلي بينوشيه ضد الحكومة المنتخبة من الشعب برئاسة سلفادور الليندي. عم الروائية التشيلية إيزابيل الليندي.

لم تكن هذه الكلمات مذكورة في كتاب باولا, لأن الكتاب بأكمله هو سرد لتلك المرحلة من التاريخ التشيلي المضطرب سياسياً. لكل أرض هناك شاعر, هناك كاتب يختصر تاريخ الوطن بأشعاره وكتاباته. نيرودا هو الرمز لكل كاتب ومثقف وعامل في تشيلي. حين استقبل نيرودا تلك الصحفية التي تقوم بتأليف أخبار صحفية من ذهنها, لم يكن ينوي أن يقدم لها مقابلة شخصية لكي تنشرها في مجلتها التي تعمل فيها محررة صحفية. بل لينصحها أن تتجه للأدب: لا بد أنك أسوأ صحفية في هذه البلاد يا ابنتي, إنك عاجزة عن أن تكوني موضوعية, فأنتِ تضعين نفسك في وسط كل شيء, ويخامرني الشك في أنك تكذبين كثيراً عندما لا تجدين خبراً. تخترعينه بنفسك. لماذا لا تتجهين إلى كتابة الرواية؟ إنها أفضل لك. فهذه النقائص تتحول إلى فضائل في الأدب.

حين حصلت على الكتاب قمت بحركة لن أقوم بها مرة أخرى ما حييت. لم أقرا المقدمة, ولا كلام الناشر أو المترجم, بل مباشرة قرأت الكلمات الأخيرة في الكتاب!: وداعاً يا باولا المرأة, أهلاً يا باولا الروح. أحسست بأنني قمت بضربة على رأسي: عرفت النهاية قبل أن أقرأ شيئاً, وحين قرأت السطر الأول من الكتاب تكشف لي كل شيء.

لهذا الكتاب كاتبتين, وقصتين. الكاتبة الأولى هي الروائية إيزابيل الليندي, والكاتبة الثانية هي إيزابيل الليندي الأم. القصة الأولى هي سيرة ذاتية للروائية إيزابيل ورسم ملامح للتراب التشيلي على مدى أربعين سنة. والقصة الثانية التي على أساسها تسير الكاتبتين والقصتين, هي قصة باولا. تلك الفتاة التي وجدت نفسها مسجاة على السرير الأبيض: لا تعرف هل هي حية أم ميتة, في الأرض أم في السماء . استخدمت إيزابيل أسلوب السرد الرجعي, بمعنى: تقص اللحظة الآنية وهي في المستشفى ومسار تطور مرض طفلتها, ثم تخرج عن المكان والزمن الآني وتذهب بعيداً إلى أربعين سنة إلى الوراء لتحكي قصة تلك السلالة التي تكونت بفضل ذلك البحار الباسكي حين نزل للمرة الأولى على الشواطئ التشيلية.

يا للرعب! لقد أردت من كتابة هذا المقال أن اكتب عن باولا فقط بحكم انتهائي من القراءة قبل أيام. وها أنا أتحدث عن آلام الولادة عند النساء وعلاقة الطفل والأم في الآداب الإنسانية والشعر. كل ما كتب هنا فيه شيء من باولا: من آلام الولادة, الحب العذري, حب الأم, الحب الجسدي, حب الوطن, حب الخير والفقراء والتطوع لعمل الخير. كل ذلك تلقيه إيزابيل الليندي على قارئها ليشاركها رحلة الموت الأخيرة مع تلك الطفلة المسجاة, والتي سيتعاطف معها كل قارئ مهما كانت جنسيته وديانته.

قد يستطيع تولستوي أو دوستويفسكي أن يصف آلام الأنثى عند الولادة إلى درجة أن حتى الكاتبات لن يستطيعوا أن يأتوا بوصف شبيه بمشاهدهم, وقد يستطيع كريستيان أندرسن العاشق لقصص الخرافة والأطفال أن يدخل القارئ في عوالم سحرية وعجائبية ليصف علاقة الأم بطفلها .. ولكن إيزابيل الأم استطاعت أن تنافس هؤلاء الكبار في فن السرد, بالدخول في عوالم سحرية لتخليد تلك الطفلة المسجاة: حين تهم بالدخول إلى غرفة أمها, وتصعد إلى طرف السرير, وتحدث والدتها التي تكتب لها لتحكي قصة العائلة حين تستيقظ: جئت أطلب منك المساعدة .. أريد أن أموت ولا أستطيع, إنني أرى أمامي طريقاً مشعاً ولكنني لا أستطيع أن أخطو الخطوة الحاسمة. إنني مقيدة. في سريري لا يوجد إلا جسدي المتألم الذي يتحلل يوماً بعد يوم. إنني أجف من العطش وأهتف طالبة السلام, ولكن لا أحد يسمعني. إنني متعبة جداً. لماذا كل هذا؟ هل تذكرين آخر شيء استطعت أن أتمتم به قبل أن أسقط في هذا الليل الطويل؟ أحبك يا أمي.

إيزابيل الروائية, الأم, بارعة ومذهلة. ولا أظن أن أحداً قرأ الفصل الأخير دون أن يهتز لجمال ذلك المشهد وجلاله, في رحلة الموت الأخيرة لباولا. رغم براعة سرد إيزابيل إلا أن أجمل نص لم يكتب بقلمها, بل بقلم باولا قبل أن ترحل في رسالتها الأخيرة قبل الرحيل :

لا أريد أن أبقى مقيدة إلى جسدي. بتحريري منه سأتمكن من مرافقة من أحبهم عن قرب. حتى ولو كانوا في أربعة أطراف الأرض. من الصعب وصف الحب وعمق المشاعر التي تربطني بأرنستو, بأبويّ, بأخي, بأجدادي. أعرف أنكم ستتذكروني وأنني سأكون في أثناء ذلك معكم. أريد أن يحرق جسدي وأن ينثر رمادي في الطبيعة, لست أرغب في لوحة حجرية تحمل اسمي في أي مكان, أفضل أن أبقى في قلوب ذويّ وأن أعود إلى التراب. لدي حساب في صندوق التوفير, استخدموه في منح تعليمية لأطفال يحتاجون إلى العلم أو الطعام. وزعوا أشيائي الشخصية على من يرغبون في الاحتفاظ بتذكار مني, ليس هناك الكثير في الحقيقة. أرجوكم ألا تحزنوا, سأبقى معكم, ولكنني سأكون أقرب إليكم مما كنته من قبل. وبعد زمن سنجتمع بأرواحنا, أما الآن فسنبقى معاً طالما تذكرتموني. ارنستو .. لقد أحببتك بعمق ومازلت أحبك .. إنك رجل استثنائي ولست أشك كذلك أنك ستكون سعيداً عندما أمضي أنا. أمي, أبي, نيكو, أجدادي: أنتم أفضل من كان يمكن لي أن أختارهم كأسرة. لا تنسوني, و .. فلتبتسم هذه الوجوه! تذكروا أننا نحن الأرواح نساعد, ونرافق, ونحمي من هم سعداء أكثر من سواهم. أحبكم كثيراً.
باولا.

3/8/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكا اللاتينية. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to باولا: أغنية الجسد المسجى

  1. Sara Abdulrahman كتب:

    ذلك النّص الخارج من جوفِ رجل شرقيّ نادر جذبني لـ باولا .. قرائتك وافية ،، قمتُ بتدوين قائمة بالكتب ستكون صديقتي في رحلتي لـ جبال الألب هذا الصيف بـ إذن الله
    لك كل الإحترام

  2. stkate كتب:

    أحقًا كان لي أمٌ فماتت؟ أم أني خُلِقت بدون أم؟
    رماني الله في الدنيا غريبًا أحلقُ في فضاء مُدلَهِمِّ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s