عذراء أورليان: جان دارك

إذا كانت الشخصية المراد الكتابة عنها في نص أدبي أو شعري أو حتى يتم تجسيدها في لوحة فنية أو فيلم سينمائي, كل كاتب أو مخرج أو رسام يضيف على الشخصية بما يوافق هواه ويطمح إليه. هذا إن لم يضمن بعض أفكاره الشخصية التي يؤمن بها في هذه الشخصية والتي قد تكون شهيرة وتتمتع بشعبية. ولكن من المستغرب أن يتم تجسيد هذه الشخصية على مستويات مختلفة بصورة واحدة. ليس بشكل كامل ولكن بشكل جزئي. ورغم هذه الجزئية الصغيرة إلا أنها تحتل مساحة واسعة: العين تنظر للأعلى دائماً. عين الشخصية المراد عمل فني عنها عيناها دائماً للأعلى, وكأن هناك اتفاق ضمني بين هؤلاء على إعطاء هذه الشخصية المساحة التي تستحقها. في لوحة الفرنسي جول باستيان الشخصية تنظر للأعلى بتركيز تام. فتح العين بتركيز شديد قد يعطي دلالة على صدمة كبيرة تشاهدها الشخصية. من الطبيعي أن يرافق ذلك فتح الفم دلالة على عدم القدرة على التعبير. إلا أن هذا لم يحدث. فهي تنظر بعين ثابتة. وفي لوحة أخرى للفنان جان دومينيك آنغر تظهر الشخصية وهي ممسكة بسارية الحرب في الكنيسة بمناسبة تتويج الملك. عيناها ليست للأمام. بل للأعلى كذلك. رغم أن لوحة آنغر هي الأشهر عن هذه الشخصية إلا أني أحببت لوحة شيفر هنري هذه, وهي تصور الشخصية وهي في ميدان الحرب تسير بهدوء واثقة من النصر, على يسارها رجال الدين الذين يؤمنون بها, وسيصبحون فيما بعد أشد أعداءها, وعلى يسارها الريفيين والفقراء الذين أحبوها حباً هائلاً جراء حرارة عطفها يوم كانت في حال أخرى. هي تشاركهم في كل شيء, من الطفولة وحرارة التدين والوطنية. حتى في السينما رغم أن الموقف ليس نفس مواقف الرسامين. في تحفة كارل درير الصامتة الشخصية تنظر للأعلى باعتزاز. رغم أنها محاطة بكم هائل من أعداءها ومن الطبيعي أن ينظروا لها مصوبين أعينهم للأسفل بما أن مكانهم مرتفع – قاعة محكمة – إلا أن نظرتها مختلفة وفريدة وهي تنظر للأعلى. بل بإمكان عينيها رسم نص حواري في هذا الفيلم الصامت الذي يعتبر من التحف السينمائية.

عن من أتحدث هنا؟ أتحدث عن راعية الأغنام الريفية. الساحرة والشيطان في القرون الوسطى. القديسة والعذراء في القرن العشرين. كل هذا وأكثر في شخصية جان دارك. تمتزج الأسطورة مع الحقيقة التاريخية ويطغى اللاواقع على الواقع بشكل مكثف لتكون جان دارك ذات شخصية خاصة تفتح الباب مشرعاً للأدب والشعر والفنون التشكيلية والمسرحيات والسينما في معالجات فنية. وسأقتصر هنا على معالجة الشاعر الألماني يوهان شيلر من مسرحية عذراء أورليان.


جان دارك مجرد فتاة ريفية بسيطة, متدينة كعادة أهالي الريف الفرنسيين في القرون الوسطى. تذهب إلى الغابة القريبة وتستمع لصوت الطبيعة والتي هي ملاذ للإيمان, للسكينة والهروب من نيران الحرب بين أمراء فرنسا وقوات الإحتلال الإنجليزي في حرب المائة عام. تصاب بزلزال عميق يهز أركان عقلها وقلبها: ها هنا أصوات سماوية تخاطب جان مباشرة, الفتاة الريفية البسيطة, لتذهب إلى شارل السابع وتطلب منه قيادة الجيش لتحرير فرنسا. في ميزان الواقع كل معطى يقول أن هذه ليست سوى خرافة. كيف بفتاة ترعى الأغنام وتهوى نسج الصوف في المنزل وتذهب للكنيسة للتوبة من خطايا فكرت بها فقط ولم تفعلها نظراً لحرارة تدينها, كيف بفتاة تحمل هذه الصفات أن تتفوق على قادة الجيش في رسم الخطط العسكرية وقيادة الأمة الممزقة وتوحيد الصفوف لتحرير أورليان من الحصار الإنجليزي الخانق وتنصيب شارل السابع ملكاً على فرنسا, فقط لأن فتاة بسيطة سمعت منادياً يبشرها بين أشجار الطبيعة أن تحرير فرنسا لن يكون إلا على يديها؟

وصلت إلى الملك تطلب مقابلته ليضعها في مقدمة الجيش لتحرير أورليان. في مجلس الملك هناك بعض المشاهد التاريخية هي التي شكلت إطاراً حول حقيقة إدعاء جان دارك حول حقيقة الأصوات التي تقول أنها إلهية. وحقيقة إدعاء الطرف الآخر كذلك بأن جاك دارك مجرد كائن شيطاني يمارس السحر والشعوذة تحت غطاء ديني. حين دخلت جان دارك المجلس تنحى الملك عن كرسيه واختفى بين الجمهور, وطلب من شخص آخر أن يقف مكانه ليتحقق من حقيقة هذا الصوت الإلهي الذي تدعيه جان. تدخل جان بخطوات ثابتة أمام الشخصية المزيفة. وقبل أن تقع في الفخ, تتحول عيناها إلى الجمهور وتنظر في عين كل واحد من الجمهور المحيط بالملك المزيف, حتى تقف عند شخص تراه للمرة الأولى هو الملك نفسه وتخاطبه بمولاي الملك. ومن أجل أن تثبت حقيقة ما تدعيه, ستقول له ثلاث دعوات كان يدعو بها الله وحده, فيؤمن الملك بما تدعيه هذه الفتاة العذراء, وإن كان سيضع لها عدة اختبارات للتيقن من حقيقتها. اختبار من قبل رئيس الأساقفة للتثبت من حقيقة إيمانها, واختبار ثاني جسدي للتحقق هل هذه الفتاة فعلا عذراء! كانت هناك نبؤات بأن فرنسا التي وقعت تحت نير الاحتلال بسبب أم الملك المستقبلي لن تتحرر إلا عبر فتاة عذراء.

يظهر البعد المأساوي لجان دارك والذي خلد اسمها في صفحات التاريخ في سيرة حياتها الغريبة, والنهاية الحزينة, محترقة وهي حية بأمر محاكم التفتيش. فبعد أن كانت المُلهمة والمحررة وقائدة التحرير ومن وحد الأمة تحت راية واحدة, هاهي في محاكم التفتيش من الجانبين المتصارعين على حد سواء, متهمة بالسحر والشعوذة وممارسة طقوس سحرية تدعي بأنها إلهية وما هي إلا سحرية حسب إدعاءات محكمة رجال الدين. حين تم استجوابها للمرة الأولى تراجعت عن الإدعاء بأنها تتلقى أصوات من الملائكة, وحكم عليها بالسجن المؤبد. ثم تراجعت وأصرت على رأيها السابق ودافعت عنه, مما أدى إلى إعادة محاكمتها والحكم بإعدامها حرقاً. تم وصمها بالساحرة حينئذ. بعد عدة قرون تم نقض هذا الحكم وإعطاءها صفة القديسة.

ظهرت عدة أعمال فنية ومسرحية تبحث في البعد السحري والديني عند جان دارك, والأهم من ذلك: سيرة حياتها الغريبة كل الغرابة, والتي تصح أن تكون أسطورة لا حقيقة. في مسرحية هنري السادس المنسوبة إلى شكسبير – هناك شك في أصل كتابة شكسبير لهذه المسرحية – يُظهر شكسبير شخصية جان دارك كساحرة وعاهرة تقوم بأعمال سحرية وتكذب على الفقراء التي تعالجهم حينما كانت في الريف. شكسبير متعصب هنا, طغت الوطنية المتعصبة تجاه عدوة بلده الساحرة لديهم, القديسة في موطنها. على النقيض من ذلك بشكل كلي يظهر الشاعر الألماني شيلر, جان دارك في مسرحية عذراء أورليان كقديسة سماوية قادت أمتها إلى الكرامة وتحقيق الإتحاد والنصر بعد عدة هزائم.

طريقة معالجة شيلر لشخصية جان داراك تستحق الاهتمام. لم يهتم بالمادة التاريخية كما هو متعارف عليه, ويستطيع هو ذلك أن يكتب مسرحية كما كانت في الحقيقة, فهو أستاذ تاريخ وشاعر كبير وصديق للشاعر العظيم غوته, ومزج بين فلسفة كانط عبر الشعر ونظرة غوته ليقدم مادة جمالية جديدة من ضمن المواد التي سار عليها علم الجمال. وهو إلى ذلك من مؤسسي الحركة الكلاسيكية في الأدب الألماني. بين الواقع الداخلي والشكل الخارجي يقصي شيلر الواقع الداخلي المتعارف عليه. يأخذ الشكل الخارجي بتمامه ليبني عليه واقعاً جديداً يهتم بالفن والجمال. يُطرح هذا الرأي عند قراءة أي عمل مسرحي أو أدبي مستمد من التاريخ: هل هذه حقيقة؟ هل ما جرى في صفحات الرواية هو ما جرى على أرض الواقع؟ في عمل شيلر الشكل الخارجي والنتيجة هو الأمر الأكيد. وإن كان هناك من اختلاف فهي في نظرة الفنان تجاه الشخصيات عند تشكيله إياه. يستمد شيلر هذه النظرة الجمالية من نظريته التي ترى الشخصيات التاريخية فنية بدرجة أولى, من صنعه هو. البطل الرئيس من ضمن هذه الشخصيات في التراجيديا المسرحية يجب أن يثير جانب الشفقة في القارئ والإشفاق لما يعانيه, يسعى إلى هدف يوشك أن يكون الكمال المطلق, ثم يموت ميتة تراجيدية تجمع بين العظمة الإنسانية والعدالة التاريخية.

النهاية المتعارف عليها تاريخياً أن جان قُتلت حرقاً وهي حية بأمر محاكم التفتيش. شيلر يقصي محاكم التفتيش نهائياً ويقلب التاريخ رأساً على عقب في المسرح. جان ماتت في ظرف آخر مغاير ومختلف ومميز. لا مكان فيه لرجال الدين المرتشين الذين ساقوا فتاة في التاسعة عشر إلى منصة الإعدام. بل في مكان كله جلال ورهبة في النفس. وهي مغطاة بأعز مالديها: راية الحرب. تقول جان دارك في رسالة لها أن راية الحرب أفضل وأعز لديها من مائة سيف يبطش بالأعداء. تاريخياً لم يُذكر أنها قتلت أحداً في الحرب, كانت هي المحرض وتشحذ همم الجنود وتطلب منهم الاعتراف قبل الدخول في ساحة القتال لأنهم مقبلون على حرب لن تبقي فيهم أحد. في عمل شيلر تحولت جان دارك إلى رجل يقدس الموت ويُجِله, بل تشارك في الحرب وتصارع كبار قادة الجيش المحتل. حديثها وهي تنازل أحد قواد الجنود تظهر شخصية بلغت فيها الوطنية درجة لا تعقل من التطرف والحقد. لو وقع من يصارع جان في يد لبؤة أو مخالب نمر لكان في وسعه أن يجد الشفقة, أما أن يقف بين يدي العذراء فهذا هو الموت المحقق. لأن اتفاقاً رهيباً يربطها بالمملكة القاسية للأرواح ولا يجوز انتهاكه, يلزمها بأن تقتل بالسيف كل كائن حي يرسله إله المعارك أمامها قضاءً وقدراً.

الأساس الذي يرتكز عليه شيلر في هذه المسرحية هي روح جان داراك. يتلاعب بها, ويقلب حالها من حال إلى حال. حين كانت في الريف وشاهدت خوذة الحرب لأول مرة وجدت مصيرها. رغم أن فترة حياتها من الصغر جسدها شيلر بكل حذافيرها: نشأتها, إحساسها, أحلامها, تهيؤاتها, نيتها الخفية, علاقتها المتوترة بأهلها, إلى أن تصل إلى نقطة اللاعودة. حياة الحرب والثورة: وداعاً أيتها الجبال والمراعي الحبيبة, وأنتِ أيتها الأودية السامية الهادئة وداعاً. إن جان لن تسكن بعد وسط هذه الربوع. إن جان تودعكم وداعاً أبدياً. أنتِ أيتها المراعي التي رويتها, والأشجار التي غرستها, استمري في الاخضرار مبتهجة! وداعاً أيتها المغارات, وأنتِ أيتها الينابيع الباردة, وأنت أيها الصدى, هذا الصوت العذب الذي يتردد في هذا الوادي والذي طالما أجاب على أغانيّ, إن جان ذاهبة كيلا تعود أبداً. وأنتِ جميعاً, أيتها الأماكن الشاهدة على مسراتي البريئة, إني أتركك وإلى الأبد. يا أيتها الخراف تفرقي على المروج, أنتِ الآن بلا راع. إن عليّ أن أرعى قطعاناً أخرى هناك بعيداً, في الساحة الدامية للخطر. بهذا يأمر صوت الروح الذي سمعته في داخل نفسي وليس تدفعني إلى هذا رغبة أرضية. هذا الموجود بالأعالي قد تحدث إليّ من خلال غصون هذه الشجرة قائلاً: اذهبي! إن عليك أن تشهدي لي على الأرض, ستحبسين أعضاءك في الحديد القاسي وستغطين الرقيق بالصلب. لا يوقدن حب إنسان في قلبك الشعلات الآثمة للشهوات الأرضية الباطلة, لا يزينن رأسك تاج الزفاف, لا يرضعن ثديك طفلاً رقيقاً, بيد أني سأبسط عليك مجد القتال, وستكونين مشهورة فوق سائر النساء. وحين يرى الشجعان أن شجاعتهم قد خارت في معمعات المعركة, وحين يلوح أن الساعة الأخيرة قد اقتربت, هناك ستحملين رايتي. إن هذا الحديد يشيع في نفسي قوة إلهية, وشجاعة الملائكة. إني أشعر وأسمع في أذني الصيحة القوية للحرب. والفرس المتعطش للقتال, والأبواق تترد أصواتها.

في المشهد التاسع يبدأ الإنحدار في روح جان دارك عبر منازلتها للفارس الأسود. هناك من فسر شخصية الملثم الأسود بأنه شبح أحد القادة الإنجليز الذين قتلوا. إلا أن آخرين فسروا هذا الفارس الأسود بأنه مستوحى من التقاليد الأدبية التي بدأها هوميروس في الإلياذة وواصلها شكسبير في تجليات الأشباح حتى وصلت إلى شيلر. الهدف من هذه المشاهد هو الإعداد لتطور الأحداث في الفصول التالية, وبهذا الفصل يبدأ انحدار الأحداث بعد بلوغها القمة بالانتصار على الإنجليز. إن كانت هناك من براعة في رسم مسار المسرحية فهو في الفصل العاشر الذي كان كافياً لنجاح العمل الفني أو ربما فشله لو لم يمتلك شيلر الأدوات الفنية لذلك. سبب ذلك أن شيلر غير نطاق الأحداث من هنا بشكل كامل ولم يلتزم بالحقيقة التاريخية كما قلت سابقاً. في الجانب الحقيقي رجال الكنيسة من الجانبين اتهموا جان بالسحر والهرطقة. وجان متمسكة برأيها بأنها تسمع من الملائكة تعاليم من السماء يجب أن تقوم بتنفيذها. في العمل الفني لشيلر تم إقصاء رجال الدين ولم يكن هناك أي شك من قبلهم, وزرع مشكلة الشك في روح جان دارك ذاتها في الفصل العاشر. عندما كانت تنازل قائد من فرسان الإنجليز سقط القناع عن وجهه وهالها ما رأت. كانت مؤمنة بأنها لن تحب مخلوقاً أرضياً في حياتها, فهي وهبت نفسها للسماء بكل مافيها من حب. تنظر لعيني هذا الفارس ووجدت السيف في يدها اليمنى يسقط. هل يستحق هذا النبيل أن يقتل بالسيف؟ ألم يكن من الأفضل له أن يرحل بعيداً ويتزوج ويؤسس عائلة وينعم بسلام بدل أن يراق دمه في ساحة المعركة. وجان, هل أحبته هنا في غمرة هذا النزال. من هنا تتغير الأحداث وتتصاعد. تبدأ جان الشك في حقيقة هذه الأصوات التي تأمرها بالحرب والثورة وتحرير الوطن. والأعظم من الشك: انتهكت حرمة من المحرمات التي لا يجب أن تفكر مجرد التفكير فيها. أن تحب ك امرأة, أن تعيش كأنثى, تلبس ملابس النساء وتتجمل. أن تنجب. وها قد فكرت في كل هذا مجرد النظر إلى عين هذا القائد. المسرحية تتصاعد من فصل إلى آخر بسرعة عالية. لا يركز شيلر على الحوار الطويل والاستطراد الممل للشخصية. كل ما يريد التعبير عنه يخرج سلساً في ساحة المعارك. لوهلة حسبت نفسي أقرأ العاصفة لشكسبير مرة أخرى بسبب العواصف. حين أصاب جان الشك في أمر حقيقة الأصوات كانت تسير أمام الملك لتتويجه في الكنيسة أمام الشعب. يخرج أبو جان ليتهم ابنته بالسحر. رغم أنه – تاريخياً لم يتهمها بذلك, بل كان فخوراً بها وطالبت عائلتها لاحقاً بإعادة محاكمتها بعد ربع قرن من حرقها -, أقول, خرج أبو جان في الكنيسة بصوت عال أمام الجميع يتهم ابنته بالسحر والخروج على تعاليم الدين. كانت جان واقعة في أشد لحظات الشك. هي مؤمنة بأن ما تسمعه أمر صحيح. لكنها انتهكت أمر قد يؤدي إلى نكران هذه الحقيقة لديها. كان يسألها ويطلب منها الاعتراف. لم تجاوب ولا تستطيع ذلك. شيلر أراد لها أن تكون قديسة في المسرحية. كان من يجيب عنها صوت الرعد الذي يضرب بشدة بعد كل سؤال يوجه إليها.

بعد إلقاء القبض عليها تم محاكمة جان بتهمة الهرطقة والسحر. رغم أن أمر إعدامها كان محسوماً من البداية بسبب إصرار الملك الإنجليزي على إعدامها بصورة غير طبيعية. إلا أن الطريقة لم تكن واضحة. اقترح بعض أعضاء المحكمة أن الأمر ينبغي أن يعرض على البابا حتى يقضي في أمرها. أبدت جان رغبتها في أن ترسل إليه، لكنها عقدت مفاضلة قضت عليها، تعترف بسلطة البابا العليا في شؤون العقيدة، أما فيما يتعلق بما فعلته إطاعة لهواتفها، فليس لها من قاضٍ غير الله. وأجمع القضاة على أن قولها هذا هرطقة. وقضت في المحاكمة شهوراً أنهكتها، انتهت بحكم الإعدام حرقاً. من مشهد إعدامها يقول ويل ديورانت في قصة الحضارة: أُحضرت العذراء في عربة يصحبها راهب أوغسطيني مؤمن بجان دارك, معرضاً حياته للخطر, اسمه إسامبار. طلبت صليباً، فسلمها أحد الجنود الإنجليز إياه، وقد صنعه من قضيبين من الخشب، فقبلته، ولكنها طلبت أيضاً صليباً باركته الكنيسة، وأقنع إسامبار الموظفين أن يحضروا إليها صليباً من كنيسة سانت سوفير. فزمجر الجند من التأخير لأن الوقت أصبح ظهراً. وسأل قائدهم: أتريدوننا أن نتناول غذاءنا هنا؟ فانتزعها رجاله من أيدي القساوسة، وساقوها إلى القائمة التي تشد إليها. ورفع إسامبار، أمامها صليباً، وصعد راهب دومينيكي معها إلى المحرقة. وأشعلت أكوام الحطب، وارتفعت ألسنة اللهب إلى قدميها. فلما رأت الراهب الدومينيكي لا يزال إلى جانبها ناشدته أن يهبط آمنا. وابتهلت إلى هواتفها، وقديسيها، ودخلت في سكرات الموت. وتنبأ أحد كتاب سر الملك الإنجليزي بحكم التاريخ باكياً: قُضي علينا، لقد أحرقنا قديسة!

المسرحية من إصدار المجلس الوطني الكويتي للثقافة والآداب, من سلسلة إبداعات عالمية وترجمة المفكر الراحل عبدالرحمن بدوي.

29/6/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب ألماني. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s