شِعرية الماء 2

هذه قراءة ثانية لشِعرية الماء قام بطرحها الزميل العزيز الدكتور عدي الحربش في مكتبة جسد الثقافة بتاريخ 22/8/2010

تساءلت في الأعلى: “هل الماء كائن حزين؟” و أظن أنك تلقيت إجابة بارعة في مكتبة الإقلاع عندما أجابت إحداهنّ أن الماء هو الدمعة. أحب هذه الطريقة في تركيز و كمش فحوى الماء للوصول إلى ماهيته its essence، في تصغير المحيطات و الأنهار و الأمطار و الجداول لتصبح دمعة واحدة (ليست قطرة بل دمعة!) أظن هذه الصورة التي نحملها في لاوعينا هي التي دفعتك إلى طرح مثل هذا التساؤل: هل الماء كائن حزين؟ بما أنك وضعت الشعر شرطا للاهتداء إلى جواب ما، سأستخدم نفس الطريق لمعالجة فحوى الماء عند أربعة شعراء أحبهم: هيوغو، بوشكين، شيللي، و بورخيس على التوالي.

علاقة هيوغو بالماء شائكة جداً، فكما بينت في مشاركة سابقة الماء هو المقبرة التي ماتت فيها ابنته المحبوبة ليوبلدين، و لكنه في نفس الوقت هو المحيط الذي كان أنيسا له في منفاه في جزر القنال. في جزر القنال تفجرت موهبة هيوغو فجأة، فكتب نابليون الصغير و البؤساء و عمال البحر و الرجل الذي يضحك، و كتب أغزر و أهم دواوينه الشعرية تأملات و أساطير القرون. هيوغو نفسه قال: كنتُ أتمنى لو كنتُ منفيا منذ فترة أطول كي أتفرغ للكتابة كما فعلت الآن! هل تدري ما السر؟ غرفة كتابته كانت تطل على المحيط. كان يعتكف فيها و يكتب سطوره الشعرية على وقع اصطدام الموجات، ثم حين يفرغ يخرج ليقفز بجسده العاري في أمواجه. كان كل من يراه يعلق بأن له جسدا قويا كالثور. لقد كان يرى في المحيط ندا له، صديقا و زميلا في المنفى. الأقيانوس هو تمثيل للانهاية التي يؤمن بها. في دراسة يوسا الرائعة عن بؤساء هيوغو، يذكر أن أحدهم أراد أن يرسل رسالة إلى هيوغو، و لم يكن يعرف بالضبط أين عنوانه، فكتب على ظهر الرسالة: “فيكتور هيوغو، المحيط”.. هل تعرف ما حصل؟ لقد وصلت الرسالة. لهيوغو قصيدة اسمها أغنية المحيط، يقول فيها:


مشينا بين الخرائب الشهيرة
لطاحون روزل
و رأينا المياه غير المحدودة، تتمددُ في عزةٍ
و تصطدمُ بقوة.

أيها المحيطُ الشاسع! لقد استمعنا بدهشةٍ لأغنيتِك
بينما الأمواجُ تحسبُ الوقت:
“اظهري، يا حقيقة!” كنتَ تغني بنبرةٍ كالرعود،
“اظهري و أومضي سامية!

“العالمُ مستعبدٌ تطاردهُ جراءُ الصيد،
قد بيع للطغاة.
حلّقي يا أرواحَ المفكرين كالبواشق الجبارة!
الحقُ ارفعيه.

“اخرجي من المخاض! انهضي فوقَ البسيطةِ و الأمواج العاتية،
فوقَ الطغامِ و الشموس!
اجعلي الظلام يتقهقر؛ و ليعلو صوتُ النفير،
و لتلمعي يا بنادق!

“و أنتِ يا من لا تأبهين بأبهةٍ أو طنين،
يا من لا تخشين الصدمات،
لا تخشين الزبدَ أو البروق، الزوابع أو الأعاصير،–
أنتِ أيتها المنفية الطريدة: يا صخور!”


ها هنا، المحيط هو صوت الحق و الثورة، أما الصخور فهي هيوغو نفسه بتحملها لمختلف النكبات و المحن. عندما تُوفي هيوغو، جُمعت جميع قصاصاته و كتاباته الشعرية في ديوانه أسماه ورثته: المحيط.

الشاعر الثاني هو ألكساندر سيرجيفيتش بوشكين. أنتَ تعلمُ مدى افتتاني باللوحة الموجودة بالأعلى، و التي تصور بوشكين و هو يودعُ رفيق منفاه: البحر الأسود، بعد أن انتهت فترة نفيه و أصبح بإمكانه الرجوع. اللوحة رُسمت بتعاون الفنانين إيفان إيفازوفسكي Ivan Aivazovsky و إيليا ريبين Ilya Repin (أحد رساميك المفضلين). يُقال أن ريبين رسم جسد بوشكين، و إيفازوفسكي رسم البحر. هذه اللوحة ترتكز على قصيدة بوشكين (إلى البحر) و التي يقول في أولها:

وداعاً يا بحر، أيها العنصرُ الحر،
إذْ أني للمرةِ الأخيرة سوفَ أقفُ فوقَ مدّك
مشاهداً موجكَ الأزرق يلمعُ تحتَ قدميّ
ممتلئا بجلاله و بأنفتِه.


إلى أن يقول:

جمالكَ يفيضُ بقوةٍ مقدسة
و لسوفَ أسمعُ في الأيامِ المُقبلة
صوتُ هديرِكَ في الساعات المتأخرة.
سوفَ أسمعهُ في البراري، في البساتين

سوفَ أمشي و أنا ممتلئ بك
بصخورِكَ بأمواجِك، بسواحلِكَ و خلجانِك،
بلمعانِك، و ظلالك، و بهديرِك الأزرق.


إذن الماء أو البحر يمثلان نفس الشيء لهيوغو و بوشكين، زعيمي رومانسيين الشرق و الغرب. لم يكمشا فحوى الماء في قطرة أو دمعة، بل ممداه إلى درجة المبهر the sublime ليصبح البحر العنيف المتلاطم، عنوان الثورة، و رفيق المنفى، و صوت الحقيقة، و الذي سيحملانه معهما دائما و أبدا حتى و إن غادراه بعيدا فوق اليابسة.

الشاعر الثالث هو بيرسي بايشي شيللي، أحد الشعراء الإنجليز المفضلين لدي، و الذي لم اكتشفه و أولع به إلا مؤخرا. هل سبق لك أن شاهدت اللوحة التي بالأعلى؟ أنا متأكد أنك ستولع بها، و خصوصا أنها تصور جنازة شيللي، حيث تستطيع أن ترى اللورد بايرون يقف بشموخ بين يدي المحرقة، و في الخلف رفيق شيللي ساوثي و زوجته ماري جودوين. للأسف لم أستطع أن أعثر على نسخة أكبر للوحة. البحر ليس عنوان الثورة عند شيللي، إذ أن هذه الوظيفة يضطلع بها عنصر آخر هو الهواء، أو الرياح تحديدا، و خصوصا في قصيدته الرائعة: أنشودة للريح الغربية Ode to the West Wind. البحر بالنسبة لشيللي هو المقبرة التي تفتح الباب إلى الخلود. لم يقل ذلك صراحة، و لكني أسمعه في كل بيتٍ من قصيدته التي قالها في رثاء رفيقه الشاعر جون كيتس John Keats و المعنونة بأدونيس Adonias.

كيتس كما تعلم توفر مصدورا في إيطاليا، وحيدا و حزينا. بعد وفاته، وصلت إلى شيللي شائعة مفادها أن موته كان نتيجة لانفعاله و حزنه الشديدين إثر قرائته لمقالة نقدية تشنع بآخر القصائد التي نشرها، مما سبب انفجارا في شريانه. هذه القصة أثارت شيللي كثيرا، فكتب مقدمة هجومية نارية يشنع فيها على النقاد الحمقى الذين كانوا سببا في ضياع هذه الموهبة الشعرية الرائعة. ثم يفتتح قصيدة أدونيس بسطره الحزين: “أنا أبكي أدونيس–إنه ميت!”

القصيدة رائعة، و تحوي مجموعة من أفضل الأبيات الشعرية بالإنجليزية، و خصوصا في نهايتها عندما يقول:

Peace, peace! he is not dead, he doth not sleep,
He hath awaken’d from the dream of life;


سلاماً، سلاماً! هو ليسَ بالميت، هوَ لا ينام-
هو قد أفاقَ من حلمِ الحياة-
إنهُ نحنُ من ضلّ في رؤىً عاصفة، نحنُ من أبقى
رفقةً غير مجديةً معَ الأشباح،
و وسط غشيةٍ مجنونة، نطاعنُ بخناجر أرواحِنا
عَدماً مُتعذر جرحه.- نحنُ نتفسخُ
كجثثٍ في مقبرة؛ الخوفُ و الحزنُ
يزعزعانا و يستهلكانا يوماً بعدَ يوم،
و آمال باردة تحتشدُ كالديدان في طيننا الحيّ.


إلى أن يقول:

He is made one with Nature: there is heard
His voice in all her music, from the moan
Of thunder, to the song of night’s sweet bird;


لقد أصبحَ واحداً معَ الطبيعة: هناكَ يُسمعُ
صوتُهُ في كل موسيقاها، من تنهدةِ
البرقِ، إلى غناءِ طائرِ الليلِ العذب؛
إنهُ حضورٌ يجبُ أن يُشعرَ و يُعلمَ
في الظلمةِ و النور، في العشبةِ و الصخر،
ناشراً نفسَه حيثُ تتحركُ تلكَ القوةُ
التي جذبت كينونتهُ إليها؛
تلك القوة التي تدبرُ العالمَ بحبٍ لا يتعب،
يدعمهُ من الأسفل، يشعله من أعلى.


و الآن، ما دخل هذه الأبيات التي كُتبت في رثاء كيتس بشيللي و الماء؟ إنه هذا البيت الشعري: “لقد أصبح واحداً مع الطبيعة” He is made one with nature .. ألا تشعر أن شيللي الذي مات غريقا في البحر أحق بهذا البيت؟ زوجته ماري شيللي (مؤلفة فرانكنشتاين) قالت بنفسها: أن قصيدة أدونيس تصف بالنسبة لي شيللي أكثر من كيتس. هل تدري ما العجيب في الموضوع؟ عندما غرق شيللي بصحبة رجل و صبي، انجرفت جثثهم إلى الساحل بحالة مزرية، و قد تغضنت ملامحهم و أكلتها الأسماك. لم يعرفوا جثة شيللي إلا عندما عثروا في جيبه على آخر دواوين جون كيتس!

القصيدة الأخيرة أظنك تعرفها، فهي للأرجنتيني بورخيس، و قد سبق أن قمتُ بترجمتها و وضعها هنا في المنتدى. القصيدة بعنوان (العنصر الرابع) و يخاطب فيها بورخيس الماء. القصيدة بالنسبة لي هي أعذبُ ما كتب بخصوص الماء، و خصوصا في أبياتها الأخيرة، عندما يخاطب بورخيس الماء قائلاً: “يا ماءُ، اسألكَ معروفاً. عبرَ هذا النظمِ الكسولِ من الكلماتِ المصفوفةِ أتحدثُ إليك. تذكّر بورخيس –صديقَك- الذي خاضَ فيك.كن متواجداً فوقَ شفتي في لحظتي الأخيرة.” هل سبق أن قرأت شيئا أعذب من هذا؟ ها هي القصيدة:

الإلهُ الذي حاصرهُ جنديٌ من سلالةِ (آتريوس)
على طولِ ساحلٍ تحرقهُ الشمسُ،
تحوّل على التوالي: أسداً، تنيناً، نمراً، شجرةً،
و بعدَ ذلك تحوّلَ ماءً، إذ أنّ الماءَ (بروتيوس).

إنهُ السحابةُ غيرُ المتكررةِ، مجدُ
غروبِ الشمسِ و هي تصبغُ الأفقَ حمرةً؛
إنهُ الإعصارُ يقلبُ صفحةَ الجليدِ دواماتٍ،
و هو الدمعةُ عديمةُ الجدوى، أريقها حينما أذكرك.

إنهُ –في أساطيرِ الخلقِ- النبعُ السريّ الذي
يغذي الأرضَ، و هو النارُ التي تلتهمُها،
إنهُ نبعُ القوى التي تحكمُ الفجرَ و الريحَ الغربيةَ.
(أو هكذا يزعمُ سينيكا و ثالوس الميليتوسي.)

البحرُ، و الجبالُ المتحركةُ التي تحطّمُ
السفنَ الحديديةَ هي فقط بعضُ تنكراتِك،
و كذلك الوقتُ الذي يجرحُنا و يمضي،
إنهُ –يا ماءُ- أحدُ استعاراتِك.

تحتَ الريحِ المزمجرة، كنتَ متاهةً
بلا نوافذ و لا جدران، حيثُ أضاعتْ
دروبكَ الرماديةُ عوليسَ و رمتهُ
ما بينَ الموتِ و بينَ تقلّبِ البخت.

أنتَ تلمتعُ، كنصلِ سيفٍ قاسٍ صقيل،
تأخذُ أشكالَ الأحلامِ و الكوابيسِ و الوحوش.
إليكَ تَنسبُ ألسنةُ الناسِ عجائبَ مختلفة.
لحظاتُ هروبِكَ تسمى: الفرات و الجانجس.

(يقولونَ أنهُ مقدسٌ، ماءُ الأخير،
و لكن و بما أنّ البِحارَ تعملُ بطرقٍ سريّةٍ
و كوكبنا ذو مسامٍ، لربما كانَ من الممكنِ أن نزعمَ
أنّ كل رجلٍ اغتسلَ مرةً في نهر الجانجس.)

دي كوينسي، وسطَ لجّةِ أحلامِه،
رأى بحارَكَ مذرورةً بالأوجهِ و الشعوب.
لقد لطّفتَ من ألمِ الأجيالِ.
و غسلتَ جثةَ والدي، و المسيح.

يا ماءُ، اسألكَ معروفاً. عبرَ هذا النظمِ
الكسولِ من الكلماتِ المصفوفةِ أتحدثُ إليك.
تذكّر بورخيس –صديقَك- الذي خاضَ فيك.
كن متواجداً فوقَ شفتي في لحظتي الأخيرة.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s