شِعرية الماء 1

هل الماء كائن حزين؟
هناك قصيدة مشهورة للشاعر الفلسطيني سميح القاسم بعنوان أشد من الماء حزناً. الذي يحكي عن نفسه في هذه القصيدة يصف نفسه بالكائن الذي فاق حزنه حزن الماء. الشاعر يعطي صفة التأكيد بأن الماء كائن حزين، وربما يكون أكثر من يوصف بالحزن في هذا العالم.

لماذا هذه الصفة بالتحديد نستطيع أن نعطيها للماء؟ ألا يمكن أن يكون الماء متوحشاً، قاسياً، وقاتلاً؟ لا يوجد صفة مؤكدة نستطيع وصف الماء فيها. لا توجد سوى طريقة واحدة نستطيع من خلالها أن نرسم صورة للماء من حيث الحزن، والفرح، والموت! .. عن طريق الشعر سيتبين لنا ذلك.

هناك من يحمل وجهة نظر أخرى تجاه الماء وإن كانت أكثر قسوة. أقصد فيكتور هيجو، وتحديداً في نقطة البحر. قد يحمل اسم البحر معنى رومانسي، غالباً ما يكون حضور البحر في الأدب شاعرياً ويخرج الإنسان فيه كل مكنونات روحه، إنه مكان لإلقاء كل ما أثقل النفس البشرية. ولكن عند فيكتور هيجو البحر هو الظلمات الأبدية! هي السلطة الاجتماعية التي تستعبد الإنسان، هي الظلمات السوداء التي سقط فيها جان فالجان لعشرين سنة وتاه بين الأمواج. البحر هو الليل الاجتماعي المتحجر الفؤاد الذي يلقي ضحاياه في عبابه. هو الشقاء الذي لا حد له. النفس التي تتلاعب بها أمواج البحر تصبح جثة، فمن ذا الذي يعيدها إلى الحياة؟ إن البحر عند فيكتور هيجو هو باب المعركة الكبرى ضد القديم المتسلط، والطبيعة بعواصفها وثوراتها. لا سكون ولا اطمئنان ولا كمال في النفس البشرية دون أن يواجه الفرد معركته الكبرى ضد البحر بأمواجه. يتخذ الماء عند هيجو في عنفه غضباً متميزاً. هذا الغضب الذي سرعان ما يسعد الإنسان بقهره. ها هنا تبدأ الأذية بين الإنسان والبحر، يحقد الماء ويغير جنسه. يصبح مذكراً ومؤذياً. أتذكر الآن صفحتين من رواية البؤساء، كان العنوان الفرعي لهذه الصفحتين هو الموج والظل. ما قبل هذا الفصل كان تحليلاً نفسياً للرجل الذي لم يبكي لعشرين سنة متواصلة ثم انفجر في لحظة غريبة قد تصادفنا يوماً ولا نتأثر لها، ثم يفكر العقل بتلك الصدفة ولا نعلم عن أنفسنا إلا ونعيش تلك اللحظة بكاء. ولكن البكاء يلزمه تطهير، مسح لكل السواد والحقد الذي اعتمر طيلة السنوات الماضية، ولا أجمل من هذا القاسي المرعب: البحر، الأسود بظلماته، حتى يخرج الإنسان منتصراً. خاض بطل فيكتور هيجو حرباً مع البحر عبر الشعر لتحطيم كل القيود التي علقت به. لا يوجد أحد لمساعدة البطل في البحر، هو والماء لوحدهم فقط. وحين يخرج من ذلك الأسود، حين يخرج من هذه الظلمات المتراكمة، يعود اليقين الذي فقده بطل فيكتور هيجو ويبدأ مسيرة أخرى وحياة جديدة. لن يكون للبحر حضور بعد الآن لأنه سقط، وحان وقت الالتفات للمكان القديم لتحطيمه:

إيه يا سير المجتمع الإنساني الحاقد !
إن تحطيم الرجال والنفوس ليطبع سبيلك!
إيه أيها الأوقيانوس حيث يسقط كل ما يدعهُ القانون يسقط!
أنت انعدام النجدة المشئوم!
إيه أيها الموت الأدبي!
يا فكر البؤساء الحزين.

يبدو الاستشهاد برواية البؤساء شاعرياً بشكل كامل. لنأخذ المثال الثاني لدى فيكتو هيجو، رواية عمال البحر. وسنرى كذلك أن رؤية فيكتور هيجو للبحر هي هي لم تتغير. في الرواية بالتحديد. في بعض قصائده نرى البحر حزيناً وقد يكون أغنية. ولكن في الرواية كما قلت سابقاً هو الظلمات الأبدية، والمعركة التي لا غنى لإنسان من خوض غمارها. في عباب البحر يخوض بطل رواية عمال البحر جيليات حرباً طبيعية ونفسية مع البحر: كانت وسيلة جيليات لخوض غمار الحرب مع البحر/ الماء : فأس ومنشار وأزميل، معدات لا تصلح إلا لصنع لعبة أطفال. بينما البحر يتراقص بأمواجه في أغنية لا تصلح إلا أن تكون أغنية للموت. قد يكون البحر هادئاً وجميل، ولكن في دقيقة، في إحدى لحظات تجلياته يكشف عن نفسه ليعلن حضوره:

حين كنت أقرأ صراع جيليات مع البحر كانت تظهر لي لوحة ثيودور غريكو لوحة غرق الميدوزا. اللوحة المفضلة لي، والتي كثيراً ما يذكرها هيجو في رواية البؤساء. هذه اللوحة تصور حادثة تعرضت لها سفينة بعرض البحر، وتحطمت السفينة ولم يبق منها سوى عوارض خشبية تشبث بها بعض الأحياء للنجاة. يصور جريكو في هذه اللوحات صراع الإنسان مع الطبيعة. أجد العاطفة متدفقة بشكل هائل في لوحة غريكو، ومستفزة للعواطف. تحكي حياة أناس قرروا الهجرة عن بلدانهم ..تركوا أوطانهم في سبيل حياة كريمة، لكنها محفوفة بالمخاطر. ما إن يثور البحر حتى يتكسر القارب، ويستغيث البعض طلباً للنجاة، وجثث تطفو على سطح البحر، وحلم غرِق في بحر الظلمات للأبد!

يقول هيجو في الرواية:

المعتاد أن يخفي البحر كل جرائمه، فهو مغرم بالأسرار. أعماقه صامتة مطبقة على ما يرتكبه من جرائم لتبقى سراً في سكون الأعماق. كم من شر يقترفه البحر! فهو يبتلع أحياناً الزورق ثم يطبق عليه الموج فلا يظهر له أثر ولا يعرف أحد متى ولا أين ولا كيف اختفى! أحياناً يزأر ويغضب كالأسد متسلحاً بالعواطف والأنواء والأمواج الصاخبة التي يعلوها الزبد، ثم في دقيقة يستطيع أن يغير شكله إلى جميل وديع هادئ، فلا ريح ولا موجة عالية ولا قطرة مطر!

كل ما يتعلق بالبحر والماء والأنهار والسواقي بدأ يظهر لي الآن. من المصادفة أن أكثر لوحات جون ويليام ووترهاوس التي أحب لها علاقة بالماء، وبالتحديد لوحة ميراندا العاصفة ولوحة سيدة جزيرة شالوت. تحدثت سابقاً عن ميراندا والعاصفة، وسأخصص حديثي عن لوحة سيدة جزيرة شالوت والتأمل في المرآة، ومرآة النهر. يحكى أن هذه اللوحة تروي قصة سيدة محتجزة في برج عالي، و محكومة بلعنة تحرم عليها النظر مباشرة إلى بلدة كاميلوت، تقضي السيدة كل حياتها تغزل في مكان قريب من النافذة وبجانبها مرآة تعكس لها ظلال ما يجري في الخارج. حتى يأتي اليوم الذي يدفعها شيء غامض للنظر من النافذة بسبب ضوء كان ينبعث من زينة جواد فارس قادم من بعيد إلى البلدة وتغامر بالنظر رغم معرفتها بما ينتظرها لتراه. تعود للغزل و تنكسر المرآة و المغزل وتحل عليها اللعنة. و تخرج في الليل بعد أن ينام كل أهالي كاميلوت وتنتظر مصيرها في قارب صغير تكتب على حافته ليدي شالوت. في الصباح يخرج كل أهالي البلدة، يجتمعون حولها وهي جثة في القارب. الجميع ينظرون و يغادرون، ويبقى الفارس يتأمل وجهها دون أن يعرف أنه السبب فيما حصل!

ما هو مثير في هذه القصة ليس اللعنة أو الخيال أو حتى قصيدة الشاعر ألفرد لورد تينيسون، والتي تبدأ بداية لها علاقة بالماء كما يقول: على ضفتي النهر تستلقي. ما هو مثير في هذه القصة هو المرآة! كانت شالوت تكتفي بالنظر إلى العالم خارج قلعتها من خلال مرآة. كنت أقرأ قبل أيام تأملات الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار حول الماء، وحين قرأت أحد الجزئيات ظهرت لي لوحة ووترهاوس كمثال رائع وهائل. الماء ينفع في تحييد صورتنا، في إعادة القليل من البراءة والعفوية إلى صلف تأملنا الخاص. المرايا أشياء متحضرة ومتناسقة إلى أبعد حد. هناك فرق واضح وجلي بين أن يرى الإنسان نفسه في مرآة معدنية، ومرآة النهر. مرآة المعدن ثابتة، تضع حداً لمشروعاته، وسوف تصطدم جبهته وكفاه بها. لن يجد شيئاً إذا دار حولها. بعكس مرآة النهر التي هي خيال مفتوح. يشعر الإنسان أمام الماء الذي يعكس صورته أن جماله مطرد، وأنه غير مكتمل، ويجب إكماله. بينما تعطي مرايا الزجاج في نور الحجرة الساطع، صورة أكثر ثباتا، سوف تغدو هذه المرايا من جديد حية وطبيعية حين يتمكن الخيال المحيد من تلقي مشاركة مشاهد الينبوع والنهر.

يجب أن لا يجنج بنا الخيال والتأمل بعيداً عن حقيقة أكيدة، وهي أن الماء مطهر. لا أجد أروع من سفينة الحمقى للتدليل على ذلك. سفينة الحمقى هذه هي إحدى الأساطير في العصر الكلاسيكي، وهي تقول أن هناك سفينة غريبة جانحة مليئة بالحمقى تنساب في الأنهار الهادئة لنهر ريناني والقناطر الفلامية. هذه الأسطورة كما يشير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي كان لها وجود حقيقي، فالمجانين كانوا يطردون من المدن على ظهر هذه السفن. هذه اللوحة التشكيلية لبوش قد لا تثير اهتمام أحد، لكنها عند فوكو هي بداية التأريخ للجنون. هي مرحلة من مراحل الإقصاء والتطهر والنفي. إنها ترمز إلى القلق الذي اجتاح الثقافة الغربية، حين أصبح المجنون والجنون شخصيتان عظيمتان بفعل غموضهما. أحببت كثيراً وصف فوكو للإنسان القابع على ظهر هذه السفينة المليئة بالحمقى, لنقرأ هذا التجلي الأدبي لفوكو ولنشاهد كيف يرى فوكو الماء في سفينة الحمقى عند تأريخه للجنون :

إنه مسجون ضمن السبل الأكثر حرية والأكثر انفتاحاً، إنه موثق بشدة إلى الملتقيات اللانهائية. إنه بؤرة المرور بامتياز، أي أسير العبور. والأرض التي سيحط فيها تجهل عنه كل شيء، تماماً كما لا تعرف اليابسة التي تطؤها أرجله من أي أرض هو آت. فلا حقيقة له ولا وطن له إلا في ذلك الامتداد الخصب بين البراري التي لا يمكنه الانتماء إليها. حرمانه من التسكع في أطراف المدينة وذهابه بعيداً معناه أنه يصبح مسئولا عن رحيله. ويضيف الماء إلى هذه الكتلة الغامضة من القيم بعداً آخر. فالماء قد يكتسح كل شيء، إلا أنه يفعل أكثر من ذلك: إنه يطهر. الإبحار يسلم الإنسان إلى قدر غير محدد، كل إنسان يسلم نفسه إلى قدره. وكل رحيل هو بالقوة آخر رحلة. ففي اتجاه العالم الآخر يسير المجنون على ظهر زورق أحمق، ومن العالم الآخر يأتي عندما يحط الرحال. إن إبحار المجنون هذا، هو في الوقت ذاته تمييز صارم، وانتقال مطلق. إنه لا يقوم بمعنى من المعاني سوى بتطوير الوضعية الاستهلالية للمجنون، ضمن جغرافية شبه متخيلة وشبه واقعية عند إنسان القرون الوسطى. إنه موضوع داخل الخارج والعكس صحيح. إنها وضعية بالغة الرمزية وستظل هكذا إلى يومنا هذا، إذا كان بإمكاننا الاعتراف أنا ما كان يشكل قديماً قلعة مرئية للنظام، قد تحول الآن إلى صرح لضميرنا!

هنالك من أخضع الماء لتحليل نفسي حتى يصف حزن الماء وفرح الماء، حتى قال في عبارة شهيرة : ما أقسى عذاب الماء. أتحدث عن الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في كتابه الماء و الأحلام: دراسة عن الخيال والمادّة. – من إصدار وترجمة المنظمة العربية للترجمة -. فكرة الكتاب والبحث جميلة جداً، وكانت لي معه وقفات رائعة ومزعجة، تكللت أخيراً بالنجاح. لا أعرف كم مرة حاولت قراءة الكتاب. في المرة الأولى وصلت للصفحة الخمسين وأنا لا أعرف ماذا يريد باشلار. فكرة الكتاب الجذابة هي من جذبتني لقراءة الكتاب رغم الموقف السلبي الأول. كررت قراءة الكتاب على أمل أن أجد طريق أستطيع من خلاله معرفة باشلار ومن ثم القراءة له. لم استطع فهم ما يريد باشلار الحديث عنه بعد خمس قراءات على الأقل، فتارة يكتب وكأنه يكتب قصيدة، ثم يتحول إلى فيلسوف يخضع الماديات لتحليل علمي، ثم أديباً حتى ظننت أني أقرأ نص أدبي. الكتاب يحتاج لصفاء ذهن وقراءة مركزة ولم تتوفر لي في يوم من الأيام. حين قرأت بيت سميح القاسم في بداية هذا المقال تبينت الطريقة التي من خلالها أستطيع قراءة باشلار. باشلار في كتابه فيلسوف متأمل، يخضع الماء لتحليل نفسي عبر الشعر. إذا قرأ قارئ ما الكتاب على أنه كتاب فلسفي سيفشل في قراءته, وإذا قرأ قارئ آخر الكتاب على أنه قصيدة سيفشل: هناك طريقة واحدة لقراءة الكتاب: أن يشارك القارئ باشلار تأملاته حول الماء ويسير معه على شواطئ الأنهار للتعرف على الماء الحزين، الماء العنيف، الماء العذب الماء الندي، الماء الجنسي، وماء الموت. لن يجد القارئ متأملاً للماء أكثر من الذي يقول:

ولدت في بلد السواقي والأنهار، كانت سعادتي في مرافقة السواقي والمشي على طول الحواف، بالاتجاه الصحيح، اتجاه الماء الجاري، الماء الذي يقود الحياة إلى مكان آخر. بينما كنت أحلم قرب النهر، نذرت خيالي للماء: للماء الأخضر الرقراق، للماء الذي يخضر المراعي، لا أستطيع أن أجلس قرب ساقية من دون أن أغوص في حلم يقظة عميق، وأن أستعيد رؤية سعادتي. ليس من الضروري أن تكون الساقية والماء في منطقتنا، فالماء مجهولُ الاسم يعرف أسراري كلها، والذكرى ذاتها تخرج من سائر الينابيع.

سأختصر حديثي عن الكتاب من الفصل الثاني والخاص بالماء عند إدغار آلان بو. للماء مكان، بل هيمنة كبيرة في أعمال الشاعر الأمريكي إدغار آلان بو. يبدو هذا القول غريباً! كيف بإدغار المثقل بنظرة ميتافيزيقية قاتمة أن يكون للماء مكان في أعماله؟ كانت حياة بو القصيرة والمأساوية مغمسة بعدم الاستقرار. مواضيع مثل الحياة في الموت ودفن الأحياء ظهرت لدى بو في كتابات عديدة، كالدفن قبل الموت، وليجيا، برميل آمونتيلادو، وغيرها .. عالم بو عالق بين الحياة والموت، وكذلك المشاهد القوطية ليست من الزخرفات المجانية في كتاباته، بل هي تعكس الداخل المتمدن لشخصه المضطرب. من أشهر قصائده – وهي قصيدة أحبها كثيراً لقوة الموسيقى وصرامة الوزن – قصيدة الغراب. هذه القصيدة مخيفة، يبدو فيها الراوي مهووساً يعيش الأرق، كان يقرأ وينوح على موت فقيدته لينور في منتصف الليل حين زاره غراب، الطير الذي يأكل لحم الموتى وهو بالتالي رمز الموت.

يقول باشلار :

هناك باعث نفسي مهيمن في أعمال إدغار آلان بو. هذا الباعث وفاء لذكرى لا تنسى. دائماً ما تمتلك المؤلفات الكبرى هذه العلامة المزدوجة: علم النفس يجد لها مكاناً خفياً، والنقد الأدبي يجد لها فعلاً أصيلاً. لغة شاعر كبير مثل إدغار لغة ثرية، لكن لها مراتب. الخيال يخبئ تحت ماهيته المفضلة مهية فاعلة تحدد وحدة التعبير ومرتبته. هذه المادة المفضلة عند بو هي الماء، وبشكل محدد ماء خاص، ماء ثقيل، أعمق، وأموتُ. صور المياه عند بو يتبع بالضبط قدر حلم اليقظة الأساسي, والذي هو حلم يقظة الموت. الصورة المهيمنة على شعر بو هي صورة الأم المحتضرة، المحبوبات اللواتي يحييهن الموت جميعاً: هيلانة، وفرانس، وفرجينيا، يجددن الصورة الأولى وينعشن الألم الأول: يجددن الألم الذي أثر في اليتيم الشاب.

كل ماء رقراق هو في نظر إدغار آلان بو ماء يجب أن يُظلِم. ماء سيمتص العذاب الأسود. كل ماء حي هو ماء قدره أن يتباطأ ويتثاقل. كل ماء حي ماء على وشك أن يموت. أن نتأمل الماء يعني تماماً أن نسيل، أن نذوب، أن نموت. حكاية الماء هي حكاية بشرية عن ماء يموت، يبدأ حلم اليقظة أحياناً أمام ماء رقراق، يدخل بأكمله في انعكاس فسيح، ضاج بموسيقى شفافة، وينتهي في عمق ماء حزين معتم، في عمق ماء ينقل همسات غريبة وجنائزية. إذ إن حلم اليقظة في جوار الماء، وهو يعثر على موتاه، يموت هو أيضاً موت كون غارق.

يستشهد باشلار من أعمال بو بقصة مغامرات غوردن بيم. هذه القصة قصة رحلات بحرية، قصة غرق، تعج بالتفاصيل التقنية عن الحياة البحرية. بلغ هاجس الدقة في القصة حد أن الغرقى المحتضرين جوعاً يُلاحقون على التقويم السنوي قصة حظهم العاثر. هذا الاستشهاد رائع جداً، خصوصاً أن المؤلف تعمد نشر صفحة كاملة من القصة تعج بالماء. ولكن ما لفت انتباهي ليس هذه القصة، بل حول الجمال والماء والموت. يا للرعب! كيف يجتمع الجمال والماء والموت عند بو دفعة واحدة! عند بو الجمال يفضي حتماً إلى الموت، بعبارة أخرى, الجمال سببه الموت. والماء هو الدعامة الحقيقية للموت

ما استطعت أن أحب إلا هناك ..
حيث الموت!
يمزج نفسه بنفس الخيال!

ها هنا قلب مأساة إدغار آلان الشعرية، إذ يأخذ هنا شعار مؤلفه وحياته كامل معناه. هذه الأبيات هي من آخر القصائد – قصيدة إيرين -التي كتبها بو. في بداية القصيدة يهذي الراوي بأن انظروا للبحيرة، فهي تشبه ليثيه، نهر الجحيم في الأسطورة الإغريقية، قد نامت نوماً واعياً، ولا تود من أجل أي شيء في هذا العالم أن تفيق. كل جمال ينام! هذه الكلمات الثلاث هي فكرة بو في الجمع بين الجمال والماء والموت! ها هو سبب أن الماء هو مادة الموت الجميل الوفي. الماء وحده يستطيع النوم محتفظاً بالجمال، الماء وحده يستطيع الموت ثابتاً مُحتفظاً بانعكاساته، وإذ يعكس الماء وجه الحالم الوفي للذكرى الكبرى، للظل الأوحد، يمنح الجمال الظلال كلها، ويعيد الذكريات كلها إلى الحياة.

اقتباسات من الكتاب:

– ألا إن الموت رحيل، والرحيل موت. أن نرحل، يعني أن نموت قليلاً. الموتُ، هو حقاً رحيل، ولا نستطيع أن نرحل تماماً، بشجاعة ووضوح، إلا بمتابعة خط الماء، وتيار النهر العريض. الأنهار كلها تصب في نهر الأموات، ليس من موت خارق غير هذا. ليس سوى هذا الرحيل هو ما يمكن أن يكون مغامرة.

– الوداع على شاطئ البحر أكثر ضروب الوداع تمزيقاً، وأكثرها أدبية معاً. لأن شِعر الوداع يستغل أعماقاً قديمة للحلم والبطولي. ويوقظ فينا من دون شك الأصداء الأكثر إيلاماً. ذلك أن أسطورة الرحيل على الماء توضح جانباً كاملاً من نفسنا الليلية. والانعكاسات في نظر الحالم متصلة بين هذا الرحيل والموت. والماء في نظر بعض الحالمين، هو الحركة الجديدة التي تدعونا إلى السفر الذي لم يتحقق إطلاقاً. هذا الرحيل المتجسد ينزعنا من مادة الأرض. وعليه، يا لها من عظمة مدهشة يمتلكها هذا البيت الشعري لبودلير، هذا الصورة المباغتة التي سرعان ما تمضي إلى قلب سرنا الخفي: أيها الموت، أيها البحار العجوز، لقد آن الآوان! فلنرفع المرساة!

12/8/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s