أرجوك .. لا تمت!

كان يحدثني ونحن نسير, عندما رأى بين يدي كتاب راندي بوتش, هو كـ روحي تماماً, يقول:

كنت في زيارة خارجية لإحدى الدول الأوروبية مع زوجتي. كانت أول زيارة لي لأوروبا. حين صفعني الهواء البارد وأنا خارج من المطار أحسست بانتعاش وجمال لم أعهد مثيل له, ولكن في داخلي شيء يقول أني لن استحمل هذا الطقس, صدري الضعيف لا يحتمل مثل هذا.. جسدي لا يحتمل مثل هذا.. في اليوم الرابع لزيارتي صدق توقعي. استيقظت من النوم وحلقي مقفل بالكامل, وأنفي كأنه شلال لا يتوقف عن النزول أبداً. لم أخبر زوجتي أني أعاني, بل تناسيت ذلك وخرجت معها, حتى الساعة 10 ليلاً.. حين عدت للفندق لم أعد أعرف أين أنا, أحسست بأن حلقي يقول أطلق سراحي يا رجل! أحست زوجتي بما أنا مصاب به, وهي تعرف أني إن سكت عن ما يجري سوف ينزل الألم لصدري, وإذا نزل إلى صدري معنى ذلك أن أجلس في السرير لأسبوعين متواصلين بسبب صدري الضعيف.

ذهبنا لمستشفى قريب من الفندق الساعة 12 ليلاً, وأنا مغطي وجهي بشال حتى يقيني من لفعات البرد ومرتدياً جاكيت يغطيني بالكامل. بعد تسجيل البيانات عند استقبال الطوارئ جلسنا في الانتظار ننتظر أن يأتي دوري عند طبيب الطوارئ. مرت نصف ساعة وأنفي لا يتوقف وحلقي يأن. ولكن حدث شيء لم يكن بالحسبان. دخل إلى قاعة الانتظار زوجين كبيرين في السن, يبدو أنهم فرنسيون من اللهجة التي يتحدثون بها. ممسكين بأيدي بعضهم, كأنهما عاشقين رغم الكبر والوهن الذي أصاب وجهيهما. كان الرجل هو المريض, لم يكن يشكي الرشح, لم يكن ينزف من أنفه شلالاً مثلي, بل كان يشكي من درجة حرارته التي لا أعرف هل هي منخفضة أم مرتفعة, ما أعرفه أنه كان ينتفض, كالحمامة التي تنفض عن ريشها الماء الذي هطل عليها فجأة, كان يصرخ بداخله أن أدخلوني إلى غرفة التمريض مباشرة. جلس أمامي مع زوجته, وزوجته تمسح على ظهره عل دفأها ينتقل إليه. كنت مغمض العينين بسبب آلام الحلق والأنف والعطاس الذي استمر حتى أفقدني صوابي. لا أدري بماذا كنت أفكر حين شاهدت ارتعاشة مرعبة من هذا الرجل العجوز أمامي. ولكن خطرت لي فكرة لا أعرف كيف طرأت لي. أنا الآن دافئ, وارتدي ملابس تكفي لتدفئة ثلاثة رجال, لما لا أتخلى عن هذا الجاكيت الذي يغطيني وأعطيه لهذا الرجل أمامي .. تبدو الفكرة رائعة .. وقفت, وخلعت الجاكيت الذي ارتدي, ذهبت للرجل العجوز وطلبت منه الوقوف. قلت له أعطني ظهرك, فعل ما طلبته منه, وألبسته جاكيتي. التفت إلي وهو يشكرني من حرارة قلبه: أنت رجل نبيل يا عزيزي .. دعني أشكرك, أتمنى أن تكون صديقي. وضمني بكل حرارة.


حين عدت لمكاني, شاهدت ابتسامة من زوجتي, لا أعرف إن كانت عيناها تدمع لعملي هذا أم لا, فكل ما أراه حولي دموع لأن عيني كانت تدمع بسبب الرشح. مالت علي, قبلتني مابين عيني وقالت: أنا فخورة بك. قبلت خدها وقلت: الآن أحس بأني أفضل. ما قمت به كانت صلاة من نوع آخر, صلاة لله لم أجد أجمل منها في حياتي. أحس بالرضا يحتل كل جسدي الآن. كنت أرفض أن أمسك بيد زوجتي حين أسير معها, أحس بأن هذا الشيء فارغ, الحب بين الزوجين في القلوب, لا في الأشياء الشكلية كمسك الأيدي. بعد أن خرجت من المستشفى, وبعد أن أخذت الدواء من الصيدلية, أمسكت بيد زوجتي, ولم أترك يدها حتى الآن. قد يبدو هذا الأمر مستغرباً هنا إذ يفعله القليل, انظر إلى حال الأزواج في الأسواق وستجد أنهم ليسوا بأزواج. لا يمسكون أيدي بعضهم إلا ما ندر – هناك استثناءات بالطبع ولا أريد أن أعمم-, الأنثى تسير في الخلف, والرجل في الأمام. وإن كانوا بقرب بعض فهم يسيرون وكأنهم لا يعرفون بعضهم بعضاً. حين دخل هذا العجوز وزوجته إلى المستشفى كانا ممسكي أيدي بعضهم كعاشقين. ربما إعطائي الجاكيت للعجوز لعله يدفأ كانت مشاركة إنسانية أمدتني برضا هائل, ولكن أيدي الزوجين المتماسكة وهم يهموا بالدخول كان درس جميل لن أنساه منهم ما حييت.

ما دخل هذه القصة بكتاب المحاضرة الأخيرة؟

أنا لا أعرف .. ربما لها دخل وربما لا ..راندي عاش آخر أيامه وهو يعطي كل الحب لزوجته, الحب الذي كان سيستمر لأبنائه حتى يكبروا, ولكن مرض السرطان كتب له النهاية.

الأغلب يمتلكون الصحة, يمتلكون المال, يمتلكون العائلة, والجاه .. كل شيء في هذه الدنيا متوفر أمامهم. وعند نهاية اليوم نسمع تلك المقولة – أو ربما نقولها نحن في أوقات الضيق – أنا لم أعد استحمل! أتمنى أن أتخلص من هذا الثقل الذي يكسر رأسي. وعند مقارنة هذا الثقل بثقل الأطفال – مثلاً – الذين كُتب لهم بأن يسكنوا في المستشفيات, لا تفارقهم جرعات الكيماوي وجرعات العلاج الغير محتملة, سنجد أننا نعيش في وهم كبير. أو سنكتشف ربما قبل أو بعد فوات الأوان, أن الآلام والمصائب التي نعانيها في هذه الحياة هي شيء تافه وحقير مقابل تلك الآلام التي لا تحتملها الجبال, وحُكم على هؤلاء الصغار بأن يحملوها.

نحن نعلم أن ديننا الحنيف يأمرنا بعيادة المريض, ومواساته, ومؤانسته, لعل الضيق الذي يعانيه يخف عنه ولو قليلاً. النظريات تبقى نظريات, والفعل هو الذي يثبت تلك النظريات ومدى واقعيتها وجمالها.

يذكر راندي حكاية في الكتاب تحكي تلك العلاقة بين الصواب والخطأ. رأى راندي نادلة في شهور حملها الأولى. كانت صور أطفال راندي على شاشة الحاسب المحمول. تملكها الإعجاب بالأطفال. ولكن, حين بارك لها راندي حملها قالت : كلا .. ليس كما تعتقد, فقد كان حمل غير مقصود. حادثة عرضية قد تكون سبباً في وجود إنسان على وجه الأرض. لعبت المصادفة دوراً في أن تحمل هذه المرأة بطفل لم تكن تتعمد أن تحمل به, والذي ستحبه بلا شك فور إنجابها له, أما راندي, فلعبت المصادفة دوراً مختلفاً حيث أصيب بمرض السرطان, وسيضطر للرحيل عن هذه الدنيا تاركاً ورائه أطفال سيحرمون من حبه.

في آخر دقائق في المحاضرة الأخيرة لراندي بوتش, حين أنشد الحضور تهنئة عيد الميلاد لجاي, زوجة راندي, ذهبت جاي وضمت زوجها وهي تبكي. قد يكون المشهد هوليودياً بامتياز. نعم, ذلك صحيح, كنت أفكر وأنا أشاهد هذا العناق بين زوجين سيفرقهم الموت, ماذا قالت جاي لراندي في ثانية واحدة تحديداً عندما تميل ناحية أذنه, في الكتاب كانت هناك تلك الكلمة, قالت:
أرجوك.. لا تمت!.

حين نقرأ مثل هذا الكتاب: عن الطموح والأحلام والمثابرة والجد والاجتهاد, سنجد أننا نقول الله .. هذا الكلام رائع وجميل, صدر من كاتب ذاق وعرف كيف يتصرف. بعد نهاية هذه القراءة هل نكتفي بمثل هذه الأقوال أم نعمل ؟ إن الأشياء الصغيرة مهما كانت شكلية وعادية لها تأثيرات عاطفية ونفسية لا يمكن أن يتخيلها عقل. فما بالك بالأشياء الكبيرة! لا تطلب شيئاً إن لم تكن مستعداً لعمله. اترك المثاليات والكلام الذي يبقى كلاماً, هل أنت مستعد لتفعل, مستعد لتفعل ما تعتقد أنه جميل, مستعد لتطبق ما تقول أنه شيء رائع وممتع. أغلب ما هو مذكور في الكتاب نعرفه مسبقاً بسبب ديننا ومن رسولنا العظيم عليه أزكى السلام, ولكن يبقى الكلام والقراءة شيء, والفعل شيء آخر ومختلف, له طعم الجنان.

21/7/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في يوميات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s