الساعات

ليس عندي وقت لتوصيف غاياتي. علي قول الكثير عن الساعات, واكتشافي, كيف أحفر كهوفاً بديعة خلف شخصياتي؟ أظن هذا يمنحها ما أريد: الإنسانية والضحك والعمق. فكرتي عن هذه الكهوف تتواصل, ثم يهلّ كلُّ منها إلى نور النهار باللحظة الحاضرة
فيرجينيا وولف

لم تعرف الروائية الإنجليزية فيرجينيا وولف أن بعد خمسين سنة من وفاتها, ستظهر رواية يدخل فيها المؤلف وعي فيرجينيا وولف نفسها, ويسير هذا الوعي إلى حياة امرأتين جميعهم يتقاطعون مع وولف عبر روايتها الشهيرة السيدة دالاوي. فكرة العمل تبدو خطيرة, استخدام طريقة وولف نفسها في الكتابة عبر عدة أزمنة وتداعيات في الذاكرة يبدو أمراً مريعاً: لن ينجح المؤلف إلا إذا سار على نفس درب وولف وفي الكتابة الشعرية ذاتها, فهل نجح مايكل كننجهام مؤلف رواية الساعات في ذلك؟

لست بحاجة لتقديم إجابة. والدليل على لك أن هذه الرواية فازت بجائزتين أدبيتين, جائزة بوليتزر/ بن فوكنر, وظلت لمدة سنتين من الروايات الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة. قارئ الرواية سيجد أمامه خيارين عند الانتهاء من قراءة الرواية: من قرأ السيدة دالاوي لفيرجينيا وولف سيعرف الساعات من البداية إلى النهاية, وإلى ماذا يريد مايكل كننجهام في روايته, والقارئ الثاني من لم يقرأ السيدة دالاوي. هذه القارئ سيجد نفسه مجبراً على قراءة فيرجينيا وولف لمعرفة أين استلهم مايكل كننجهام هذه القوة الشعرية والسرد الزمني المتضارب بين ثلاثة عصور.

تحقق في هذه الرواية جمع مذهل وتناص ذكي جداً. أي الجمع بين المؤلفة وأحد أبطالها وقارئ لها في رواية واحدة تدور عبر ثلاثة أزمنة:


المؤلفة فيرجينيا وولف – أحد أبطال الساعات
كلاريسا فوجان – أحد أبطال الساعات وتسير على درب بطلة رواية وولف كلاريسا دالاوي
لورا براون – أحد أبطال الساعات, ومن المحبين لفيرجينيا وولف.

ذات صباح جميل, في خضم الحرب العالمية الثانية عام 1941 م تستيقظ فيرجينيا وولف من حلمها الذي ظل يسوقها فترة طويلة بهاجس الانتحار. وقت تأليفها لعملها الأدبي الشهير السيدة دالاوي, والتي يعمد مايكل كننجهام لاستلهامها هنا طقساً وأسلوباً وحياة. ذات صباح جميل, في أحد أيام 1949م تبذل امرأة أخرى, لورا براون, ما بوسعها لعيد ميلاد زوجها, رغم أنها حامل بطفلها الثاني ومضطربة نفسياً. هذه الشخصية قارئة لوولف, ومغرمة بقراءة أعمالها. على التوازي مع ما تعانيه من رغبة في التخلص من نمط حياتها مع زوجها وابنها ريتشارد, ورفيقتها المريضة بالسرطان. ذات صباح جميل, في تسعينيات القرن العشرين, تخطط كلاريسا فوجان لحفل تقيمه على شرف حبها القديم. ريتشارد, الشاعر المصاب بالإيدز, والذي نال جائزة شعرية مرموقة. كلاريسا تقابل مشهورين وتستفيض في الحديث عن فلسفة الحياة والحب.

جمال الرواية بعيداً عن استخدام أسلوب وولف والكتابة الشعرية هو في تسجيل المؤلف لمشاهد إنسانية جميلة تظهر جماليات وخسارات الحياة: الأفكار والذكريات, الأشواق والأسى الذي ينبع دون توقف في بال القارئ عند قراءته لهذا السواد مثل: فيرجينيا وولف متعبة وقلقة. تستقبل أختها وأولادها ويقيم الجميع تأبيناً لطائر دفنوه في الحديقة. هروب لورا عند الظهر يوم عيد ميلاد زوجها لتقرأ قليلاً من رواية السيدة دالاوي, داخل غرفة مستأجرة في فندق. وتحلم بكابوس مريع ثم ترجع. كلاريسا تشهد وفاة صديقها الشاعر قفزاً من النافذة.

أنهيت الرواية بقراءة واحدة بعد قراءة السيدة دالاوي, وسأشاهد الفيلم عما قريب. ولكن, هذا المقطع البسيط من الرواية, والذي يعطي تفاصيل دقيقة لمرض فيرجينيا وولف الذي قادها إلى حتفها, هل سأجده في الفيلم الشهير المقتبس من الرواية؟

الصداع هناك يرقبها, وفترات حريتها مهما طالت تؤمن دائماً أنها مؤقتة. أحياناً يستحوذ عليها الصداع جزئياً طيلة أمسية أو يوم أو اثنين ببساطة, ثم ينسحب! يظل هناك أحياناً ويزداد حتى تأن منه. في تلك الأوقات يتحرك الصداع خارجاً من جمجمتها إلى العالم. كل شيء يلمع نابضاً. كل شيء مصاب بلمعان أبيض, وهي تضرع للظلام كجوال ضاع بالصحراء يضرع للماء. العالم, كل جزء منه كحد الظلام كصحراء بماء. لا ظلام هناك بالحجرة المغلقة نوافذها, لا ظلام وراء جفني عينيها. هناك درجات أكبر أو أقل من الإشعاع. حين تعبر إلى عالم من بريق قاس: تبدأ الأصوات! منخفضة أحياناً, دمدمات غير مجسدة تلتئم من الهواء نفسه, وتنطلق أحياناً أخرى وراء الأثاث أو داخل الجدران. غير مميزة لكن مليئة بالمعاني, ذكورة غير منكرٍة, قديمة فاحشة. غاضبة اتّهامية, محررة من الوهم. تبدو أحياناً متقلبة بهمسات بين أنفسها, تبدو أحياناً وهي تتلو نصوصاً .. تستطيع أحياناً بشحوب أن تميز كلمة. سرب عصافير خارج نافذتها غرد مرة واضحاً باليونانية, تجعلها هذه الحالة بائسة بشكل جحيم, تقدر على الصراخ بهذه الحالة في ليورنارد أو أي امرئ آخر يقترب: تخفق مع النور كالشياطين. وحين تطول هذه الحالة مع ذلك تبدأ أيضاً بتكفينها ساعة بساعة. وحين تنقضي ساعات كافية بالنهاية, تنبعث ملطخة بالدماء, ترتجف, لكن ممتلئة بالرؤية ومستعدة للعمل ثانية, بمجرد أن تخلد للراحة. ترهبها زلاتها بالألم والنور وتشك بضرورتها. قد تتحرر بعض الوقت من الآن .. ولعدة سنوات !

رائع .. مذهل جداً ! هذه أول كلمة قلتها بعد الفيلم مشاهدة الفيلم مباشرة . أسلوب تيار الوعي يحتل الفيلم بأكمله, من البداية إلى النهاية. طوال قراءتي للسيدة دالاوي والساعات كان هناك غموض في سبب تعاسة السيدة كلاريسا دالاوي وأبطال الساعات: وولف ولورا وكلاريسا. أتمنى أن أجد هذا الغموض في الفيلم, لا أريد إزالة هذا الغموض. أي إزالة له سيكون الفيلم لغة كاتب آخر بعكس ما كتبها مايكل كننجهام. أقصد بالغموض: سبب تعاسة الشخصيات العميقة. الشعور بعد الرضا, والرغبة في الانتحار والموت. لا توجد أسباب ظاهرية في الفيلم. لا يوجد شرح ولا تفسير. ليس مهماً أن تفهم ما الأسباب, الأفضل أن يخترق حواسك ومشاعرك بكل سهولة. وهذا سبب نجاح الفيلم الأساسي.

أحببت بداية الفيلم. عندما يُذكر اسم فيرجينيا وولف على الفور تمر في ذهني رسالة وولف الأخيرة لزوجها. وها أنا أشاهدها أمامي في الفيلم. هذا الاستناد على الرسالة يحمل أكثر من قيمة. من ناحية هو يشرح الطبيعة النفسية لوولف وما تعانيه من مرض عقلي قادها إلى حتفها المشئوم. ومن جهة ثانية يعطي مساحة كبيرة لعرض الانفعالات والأصوات والإضطرابات الذهنية, والأهم: كيف كتبت فيرجينيا وولف السيدة دالاوي. من الجيد أني وجدت إجابة ثالثة تصلح لمقدمة لمن ينوي قراءة وولف. بين النقطة والنقطة في رواية وولف حدث. بين الفاصلة والفاصلة فكرة, بين سطر وآخر عصر جديد مختلف. هذه هي فيرجينيا وولف التي جسدتها ببراعة نيكول كيدمان. أعدت هذا المشهد كثيراً, حين ذهبت وولف وهي في غمرة الانفعالات إلى سكة القطار تريد المغادرة إلى لندن. تمنيت قبل أن أشاهد الفيلم أن أشاهد ثورة العقل والصراعات النفسية ووصف الحالة السيكولوجية لشخصية وولف في الفيلم. ولم أجد هذا المشهد إلا في هذا المشهد الرائع, هو أجمل من مشهد الانتحار بلا شك : إذا كنت أتأمل بصفاء، يا ليونارد، فسوف أخبرك بأنني أتصارع بمفردي في الظلام .. في الظلام العميق! ووحدي فقط أقدر أن أعرف! وحدي أقدر أن أفهم حالتي.. أنت تعيش مع التهديد! تقول لي أنك تعيش مع التهديد بانطفائي. يا ليونارد: أنا أيضا أعيش معه. هذا هو حقي! إنه حق كل كائن بشري. أنا لم أختر المخدّر الخانق الذي توفره الضواحي بل اخترت ما تخلقه العاصمة من رجّة عنيفة! ذلك هو اختياري. أكثر المرضى اعتلالاً .. نعم .. حتى الأكثر وهناً، مسموح لهم إبداء رأيهم في الوصفة الطبية التي تُصرف لهم. هكذا تتحدد الطبيعة البشرية! أنا أتمنى، إكراماً لك يا ليونارد، أن أكون سعيدة في هذا السكون. لكن إذا كان الخيار بين بلدة ريتشموند والموت، فسوف أختار الموت!.

جوليان مور في الأفلام المقتبسة من روايات تعطي أقصى ما لديها. أشك أنها تقرأ تلك الروايات قبل أن تجسد إحدى الشخصيات. فعلت ذلك ببراعة في فيلم العمى لساراماغو, وها هي في هذا الفيلم تعتقد بأنها نسخة طبق الأصل من لورا مايكل. ميريل ستريب حتى لو لم تقرأ الرواية, فهي تعطي أكثر وتتفوق على شخصيات الكتاب. آد هاريس يدمر نضال هؤلاء النسوة – الوحوش في تمثيلهم – بمشهد انتحاره القاتل. أتذكر تلك الصفحات التي خصصها مايكل كننجهام لانتحار ريتشارد, ابن لورا. كانت في قمة الشاعرية والحزن. المخرج الذكي ستيفن دالدري حين يستحضر صورة الابن ريتشارد وهو يصرخ لأمه لورا براون حقق ضربات متوالية حاول فيها بقدر الإمكان الجمع بين عصرين قريبين – عصر لورا وكلاريسا – وتحقيق الشاعرية الموجودة في كتابات مايكل, وهي الدموع التي ذرفها وهو يتذكر صراخه عندما كان طفلاً: أردت أن أكون كاتباً! ذلك كل شيء. أردت أن أكتب عن كل شيء. كل ما يحدث في لحظة معينة. الطريقة التي بها تبدو الزهور عندما تحملينها بين ذراعيك. هذه المنشفة، رائحتها، ملمسها. هذا الخيط. كل مشاعرنا.. أنا وأنت. تاريخ كل شيء.. كل شيء في العالم. كل ما هو مختلط، كما الحال الآن. لكنني أخفقت! أخفقت. أياً كان هذا الذي تبدأين به، سوف ينتهي وهو أقل بكثير مما توقعت. محض غرور وحماقة.

2/4/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكي, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s