يوميات دراجة نارية


– لم لا نذهب إلى أمريكا الشمالية؟
– أمريكا الشمالية؟ لكن كيف؟
– على متن الدراجة يارجل!

في أكتوبر 1952م يرسم إرنستو جيفارا وصديقه ألبيرتو جرانادو خطة للقيام بجولة تشكل أمريكا اللاتينية بواسطة دراجة ألبيرتو النارية. ما يقارب 450 كلم على دراجة. نُشرت المغامرات التي مروا بها في هذه الرحلة في كتاب لجيفارا بعنوان يوميات دراجة نارية, وفي كتاب لألبيرتو بعنوان السفر مع جيفارا: صناعة ثائر.

هل نستطيع قراءة يوميات جيفارا يوميات دراجة نارية بعيداً عن صورة الأسطورة التي تخطت الزمن بإنسانيتها وشعبيتها الجارفة وكفاحيتها الشهيرة؟ عند تحييد البعد الأسطوري لشخصية تتمتع بكاريزما طاغية مثل جيفارا لا يمكن أن نقبل تلك اليوميات البسيطة المفعمة بروح الشباب والسخرية الحادة. تلعب الأسطورة سطوة عنيفة على القارئ لمعرفة البداية الحقيقية لهذا الشخص الأيقونة في القرن العشرين. قد تكون قراءة اليوميات سبيلاً لمعرفة المكون الأساسي لروح الثوري جيفارا, وقد تكون مرآة لفحص جيفارا تاريخياً من الصفر وحتى مقتله. بالنسبة لي, لم اعترف بكلا المسارين. قرأت هذه اليوميات التي تنتمي لأدب الرحلات, فقط, لمعرفة جنون هؤلاء الذين قرروا في لحظة بسيطة أن يقوموا بجولة تشمل قارة بأكملها على دراجة نارية.


دراجة نارية! سوف أسأل لاحقاً: هل أعجبتك هذه اليوميات؟ وهل توصي بها؟ قبل أن أجيب يجب أن أضع كل شيء في نصابه, هذه اليوميات ليست رواية تروى, يوجد فيها أبطال وسرد تفصيلي وبداية للنص ونهاية لحضور الشخصيات. الكتاب يصنف تحت باب أدب الرحلات, وأدب الرحلات يتضمن عدة أشياء: الشخصية الجوالة, وصف الأماكن والطرق, وقد يستغرق هذا الوصف صفحات متعددة إن لم يكن ثلاثة أرباع الكتاب, وهناك سرد للحالة المادية والنفسية للشخصيات وكيفية تكيفهم مع البيئة الجديدة, تأمل جمال الطبيعة وإعطاء وصف تفصيلي لسكان المدن وطريقة تعاملهم مع المسافرين والغرباء. بين هذه الأشياء هناك أشياء أساسية يهتم بها القارئ – وينتبه لها المؤلف خضوعاً لقارئه وإرضاءً لذاته بالتأكيد -, وهي : ذكر بعض القصص التي صادفت الشخصية في الرحلة, وتحمل هذه القصص غالباً طابعاً حزيناً, أو قد تكون مضحكة, وأخيراً, وهو أهم ما في أدب الرحلات: تأملات الرحالة, وماذا خرجت الشخصية الجوالة من هذه الرحلة. السفر لمسافة طويلة دون هدف معين هو عبث بكل تأكيد, تقابل أناس, تقرا أفكار, تعرف سياسات وقوميات, أي رحالة عند زيارته لأي دولة أخرى هو نظرياً يفتح كتاب التاريخ على مصراعيه ليتعرف ويفهم كيف تشكلت الأمم والحضارات.

أعود للسؤال السابق وأضيف له هذا السؤال الجديد: هل أعجبتك هذه اليوميات؟ وهل توصي بها؟ وماذا خرجت الشخصية الجوالة من هذه الرحلة؟

كأدب الرحلات – وهو التصنيف الذي يجب أن يصنف به الكتاب – أعطيها 10/10. لمن يعشق أدب الرحلات فقط, ويعشق الخوض في تفاصيل المدن واكتشاف عادات الشعوب وتقاليدهم, هذا الكتاب مناسب. يبقى السؤال الأخير, وهي نتيجة هذه الرحلات على جيفارا, أترك ذلك لجيفارا الشاب ذو الأربعة عشرين ربيعاً ليتحدث عن النتيجة في نهاية اليوميات. يقول: علمت أنه حين تشق الروح الهادية العظيمة الإنسانية إلى شطرين متصارعين, سأكون إلى جانب الشعب. أعلم هذا, أراه مطبوعاً في سماء الليل, وأنا, المدعي الإصطفائي للمذهب, والمحلل النفسي للعقيدة, الذي يعوي كشخص مسكون, سأهاجم المتاريس أو الخنادق, وسأحمل سلاحي الملطخ بالدم, سأذبح – أنا الذاوي في السخط – أي عدو يقع بين يدي. أرى, كما لو أن تعباً هائلاً يكبح هذا الشعور غير السوي بالقوة. أرى نفسي قرباناً في الثورة الحقيقية, المعادل العظيم لإرادة الفرد, المقر باقتراف أفدح الأخطاء سابقاً. أشعر أن أنفي يتسع ليستنشق الرائحة اللاذعة للبارود والدم وموت العدو. أفعم جسدي بعزم فولاذي, وأعد نفسي للمعركة لتكون فضاءً مقدساً.

في القراءة حاولت بقدر ما أستطيع تحييد البعد الأسطوري لجيفارا, ولكن ما أن قرأت لجيفارا وهو يقول: أنا .. لم أعد أنا, حتى انهارت سبل تحييد الأسطورة وظهرت صورة المصور الكوبي ألبرتو كوردا الشهيرة لجيفارا كبيرة في عينيّ. بداية, مجرد التفكير في القيام برحلة طويلة على دراجة نارية يعني أن الكوميديا ستكون حاضرة وبقوة, وكيف ستتحمل دراجة نارية تلك المسافات الطويلة: صحاري وجبال, أنهار وطرق تعيسة, عندما تشاهد فيلم والتر ساليس المقتبس من كتابي جيفارا وألبيرتو سوف تضحك كثيراً على الشخصية الثالثة في الرحلة, أقصد الدرجة النارية, عندما تسقط بحامليها, وتقتحم بقرة في الطريق, عندما تتكسر وتعود إلى أصلها القديم, إلى لا شيء. وخلف هذا الضحك والكوميديا يبقى الألم المسكون بذاكرة جيفارا!

” خلال رحلتنا الطويله يا صديقي..
كان هناك شيئاً واحد دائماً ما نراه,
شيئاً أخذت أفكر فيه طويلاً وكثيراً ..
إنه الظلم .. العالم مليء بالظلم! ”

هناك قصتين في اليوميات تحكي قصة هذا الظلم, وتم تجسيدهم في الفيلم ببراعة. زوجين شيوعيين في صحراء التشيلي الرهيبة, لا يملكان من متاع الدنيا إلا ما يغطي أجسادهم فقط, هم ليسوا شيوعيين على المقاييس اللينينية أو التروتسكية, لا يعرفون من هذا اللفظ إلا هذه الجملة: الخبز للفقراء. يقول جيفارا: كان الزوجان فاقدا الحس ويرتجفان من البرد, جاثمين متقابلين في ليل الصحراء تجسيداً للطبقة العاملة في أي جزء من العالم. لم يملكا غطاءً بائساً واحداً يغطيهما, أعطيناهما واحداً منا, ولففنا أنا وألبيرتو الآخر حولنا قدر المستطاع. كان ذلك واحداً من أكثر الأوقات التي عرفتها في حياتي برداً, لكنه واحد أشعرني بأخوة أكثر مع هذه الكائنات البشرية, على الأقل بالنسبة لي.

المعاناة بلا شك. معاناة الإنسان الفقير المعدوم. لم يكن الانتساب للحزب الشيوعي من أجل العقيدة الفكرية ذاتها, بل بسبب العمال الذي يقاسون العذاب في الصحراء التشيلية الرهيبة, في الهروب عبر جبال الأنديز, تحت المطر المنهمر منذ شهور. في نهاية مذكرات الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا قرأت جملة لخصت رحلة جيفارا وألبيرتو. تلك الجملة كان يعني فيها مباشرة الشعب التشيلي والطبقات العاملة في أمريكا اللاتينية, حين قال : كان شعبي, الشعب التشيلي أكثر شعب تعرض للغدر في هذا الزمن!. كان يقصد بعبارته تلك الإنقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة سلفادور الليندي الشرعية ومقتله, وسقوط تشيلي تحت رحمة سلطة الديكتاتور الشهير أوغستو بينوشية. وفرض الحظر على أغلب الأحزاب خصوصاً تلك التي تتمتع بشعبية لدى الفقراء. لا أنسى كذلك عبارة تصلح مقدمة ليوميات جيفارا, في إحدى حوارات ماركيز الصحفية قال: أسمع كثيراً هذا القول: يقال بأن سكان أمريكا اللاتينية فرحون ومرحون ومنفتحون على العالم. والحقيقة أننا الأكثر انغلاقاً, والأكثر حزناً بين كل الشعوب. ما الذي يجعل مثل هذه الشعوب الشهيرة بمرحها الأكثر حزناً وتعاسة على وجه الأرض؟ لم تنعم بالاستقرار طوال القرن الماضي, كانت الانقلابات تنتقل من الجنوب إلى الشمال بلمح البصر, كانت الشركات المتعددة الجنسيات تضغط على رجال السلطة العسكرية خوفاً من تأميم مصالحها, كان العمال والمواطن المنزوي في إحدى ضواحي تلك البلدان هو الأكثر تعاسة و حزناً جراء ذلك. يحسب للفيلم الابتعاد عن تقديم شخصية جيفارا كبطل أسطوري، والالتفات إلى البعد الإنساني وما هو طبيعي وتلقائي في شخصيته.

27/1/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكا اللاتينية, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s