زهرة الربيع السوداء


لا أستطيع أن أحدد بدقة اللحظة التي تحولت فيها إلى السياسة وأيقنت بأني سأكرس بقية حياتي للنضال من أجل التحرير. أن يكون المرء أفريقياً في جنوب أفريقيا يعني أنه يولد مُسيساً سواءً أقر بذلك أم لم يقر. الأفريقي يولد في مستشفى خاص بالأفريقيين فقط, ويسكن في حي للأفريقيين فقط, ويتلقى التعليم – إن تلقاه – في مدارس للأفريقيين فقط. يكبر الأفريقي ويترعرع لكي يعمل في وظيفة خاصة بالأفريقيين فقط, ويستأجر بيتاً في ضاحية للأفريقيين فقط, ويركب وسائل مواصلات مخصصة للأفريقيين فقط, وهو معرض للتوقيف والمساءلة في أي ساعة من ليل أو نهار ليُسأل عن بطاقة الهوية, وإن لم يبرزها يعتقل ويزج به في السجن. حياة الأفريقي كلها مكبلة بالقوانين والأنظمة العنصرية التي تعوق نموه وتبدد إمكانياته وتشل حياته, هذه هي حقيقة الأوضاع آنذاك في جنوب أفريقيا وكانت أمام المرء طرق محددة للتعامل معها.

لم تظهر أمامي علامة من السماء, ولم أتلق وحياً, ولم ألهم الحقيقة في لحظة معينة, ولكنها آلاف الإستخفافات وآلاف الإهانات وآلاف اللحظات المنسية تجمعت لتثير في نفسي ذلك الغضب وروح التمرد والرغبة في مهاجمة النظام الذي عزل قومي واستعبدهم. لم أقل لنفسي في يوم من الأيام إنني من الآن فصاعداً سأنذرك أيتها النفس لتحرير أبناء شعبي, ولكنني – على العكس من ذلك – وجدت نفسي منخرطاً بكل عفوية ويسر في تيار لم أجد بداً من الانطلاق به.

* نيلسون مانديلا / رحلتي الطويلة من أجل الحرية.

مجرد ذكر اسم هذا الأفريقي الذي قضى سبعة وعشرين سنة في غياهب السجون يعطي الإنسان صورة صافية لتأمل الحرية في أبهى تجلياتها وقوتها. الحرية ليست شعارات براقة ترفع في أوقات وتخفت في أوقات, وليست قضية يرفعها اليمين, ثم يقمعها ويحاربها, ويرفعها اليسار ثم يقمعها ويحاربها. أن تصرخ بكلمة الحرية في جموع شعب مضطهد يعني أن الحرية أصبحت أكبر من فكرة, وأكبر من حقيقة, إنها قضية إيمان, تترسخ في أعماق الإنسان كفكرة جمالية يستمد منها قوته ليأخذ ما سُلب منه في زمن أحمق اغتصب فيه الكبير المستعمر, الصغير المؤمن بأرضه.


ما هي فائدة القراءة لمانديلا في الوقت الحالي, وهل سيضيف لي الشيء الذي كنت ابحث عنه؟ لم اطرح هذه الأسئلة لأنها لا تعني شيئاً. الأجوبة محسومة من زمن ليس بالطويل, حين رفع تولستوي شعار المقاومة السلمية اتهم بالجنون والغير واقعي, ولكن النتيجة كانت على غير ما هو معقول, حين قامت الثورة البلشفية الروسية قال لينين أن تولستوي هو مرآة الثورة الروسية الحقيقة بأفكاره العظيمة. سار على خطى تولستوي العظيم غاندي وحرر شعبه من نير الاستعمار بدون رصاصة, واحدة, وفي نهاية القرن العشرين أثمرت هذه المقاومة كذلك على تحرير شعب قضى ما يزيد عن قرن تحت نيران الأقلية البيضاء المتحكمة بالأرض والناس. قبل أن أقرأ لمانديلا كان مانديلا أيقونة للحرية والعدالة عبر نضاله الذي امتد لأكثر من ستين سنة, والآن وبعد, أن قرأت الصفحة الأخيرة من مذكرات مانديلا تعززت الصورة هذه أكثر من ذي قبل, ولد عظيماً, وعاش عظيماً, وناضل بعظمة, وسيموت عظيماً, وتبقى سيرة مانديلا شاهدة على تحول الحرية إلى فكرة جمالية أكبر من السياسة, وأكبر من الحقيقة نفسها.

شاهدت فيلم Invictus وهو يحكي جزء من سيرة مانديلا بعد خروجه من السجن. الفيلم يقدم مانديلا كما هو في مذكراته وإن بصورة مختلفة. كان مانديلا يبغض البيض حين دخل السجن, وفي أيامه عندما كان يكسر الصخر في جزيرة روبن تحول هذا الكره إلى النظام ذاته وليس الإنسان الأبيض. ومن هو الإنسان الأبيض لكي يستحق الكره؟ الفكرة ليست في إنسان أبيض أو أسود, الفكرة في الأفكار العنصرية ذاتها التي تحولت إلى عقيدة يجب تحطيمها مهما كان الثمن, حتى لو فقدت الروح وسالت الدماء في الشوارع, العقيدة المميتة يجب أن تموت, لا أن تموت من أجل قتل إنسان آخر يختلف معك في اللون, لو أصبحت كذلك لأصبح مانديلا من كبار العنصريين إذ سيصبح متحكم بالأقلية البيضاء يفرض القوانين العنصرية المكبلة لهم, وهو ما لم يكن, وهنا منبع الاحترام الذي يتمتع به مانديلا, لم يناضل ويسجن من أجل الإنسان الأفريقي الأسود, بل من أجل الأبيض, والهندي, والقبائل وكل سكان جنوب أفريقيا.

بداية الفيلم القصيرة تحكي الجزء الأكبر بصورة مانديلا. عندما يطلب الحرس الخاص بمانديلا الرئيس – وهم من السود – موظفين إضافيين يفاجئون بمجموعة من البيض ينضمون للأفريقيين السود. النتيجة كانت مثلما هو متوقع, كيف يكون السجان السابق مؤتمن على حرية أسود تحرر للتو؟ كيف يمكن رسم العلاقة بين الأبيض والأسود في العهد الجديد. الفيلم بوجه عام يسير على فكرة تحطيم العنصرية عبر رياضة الركبي. فريق لكرة الركبي – أغلبهم من البيض – لا يتمتعون بشعبية في أوساط الأفارقة السود. يفاجأ مانديلا الجماهير التي انتخبته بتشجيعه الفريق في كل المناسبات ويطلب منهم بإصرار الفوز على المنتخب النيوزيلندي باسم أمة جنوب أفريقيا. هنا أكثر من مسار حول محاربة الأفكار العنصرية. الأفريقيين السود يعتبرون الفريق من مخلفات النظام العنصري البغيض ويجب أن يرحل مع النظام المنحط, وبالنسبة لمانديلا الفريق يمثل دولة جنوب أفريقيا وليس فريق للبيض أو للسود. هنا تظهر صورة مانديلا المناضل حول محاربة الأفكار العنصرية وليس محاربة الإنسان لأخيه الإنسان. قد يأتي أحد المشاهدين ويقول أن صورة مانديلا مثالية بدرجة كبيرة, بالنسبة لي يجب أن تكون كذلك, ولا تكفي. سيرة مانديلا أكبر من ذلك بكثير, تخيل فقط: في ذلك العهد الغابر في جنوب أفريقيا, كان الدخول من باب مخصص للبيض جريمة, ركوب الحافلة العامة الخاصة بالبيض جريمة, الشرب من الحنفية المخصصة للبيض جريمة, المشي على شط البحر المخصص للبيض جريمة, الخروج إلى الشوارع بعد الحادية عشر جريمة, عدم ملكية جواز مرور جريمة, وجود توقيع غير صحيح جريمة, الإقامة في أماكن محددة جريمة, العمل في وظائف معينة جريمة, والتشرد جريمة .. ثم يأتي المحامي الشاب ويزج به في السجن, ثم يخرج ويبقى مطارداً في بلده لمدة سنتين, ينام في مدينة, ويصبح في مدينة, يتم اتهامه بالخيانة العظمى ويحكم عليك بالسجن المؤبد في جزيرة مقطوعة عن العالم, تقابل زوجتك كل سنتين في السجن ولا تستطيع لمسها, تُجبر على تكسير الصخور في الصباح والعيش مع الحشرات في الحبس الانفرادي, تموت والدتك ولا تستطيع أن تزور قبرها إلا بعد ثلاثين سنة, يموت طفلك في الحادية عشر من العمر ولا تستطيع تأبينه, تُطارد زوجتك, يتم فصلها من عملها, ويحرق منزلها, أن تقطع أوصالك في كل مكان وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً, هل يتخيل أحد مقدار هذا الكم الهائل من العذاب؟

قد يُجبر على تقديم تنازلات ويذهب مواطناً هادئاً لا يهمه العذاب الذي يرزح تحته شعبه, ولكن, مانديلا لا يستطيع, روح روليهلاهلا مانديلا لا تستطيع لأن تراث الأفريقيين ينير عقله نحو الطريق الصحيح : أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي. أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي. أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي. أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي. أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي.

في الفيلم, حين يخرج مانديلا في ساعة متأخرة من الليل لممارسة رياضة المشي يسأله أحد الحراس البيض, كيف حال عائلتك يا سيدي الرئيس, ينقلب وجه مانديلا ويتملكه الغضب, ثم يهدئ ويجيب بصورة رمزية بأن عائلته هي أمة جنوب أفريقيا. يتلقى الحارس تعنيف من حارس آخر لأن الرئيس في هذه الفترة ليست لديه عائله, حدث طلاق بينه وبين زوجته, لو كنت بدل كلينت ايستوود مخرج الفيلم, كنت سأضيف هذا المقطع من المذكرات كـ فلاش باك. إنه أكثر مقاطع المذكرات حزناً, يقول مانديلا: في مايو 1984م حدث أمر أنساني كل المتاعب السابقة. زارتني زوجتي ويني وابنتي زيني وحفيدتي الصغرى, وبدلاً من قسم الزيارة المعتاد أخذني الضابط إلى حجرة مستقلة بها منضدة صغيرة وخالية من الحواجز. أخبرني بصوت خافت أن السلطات غيرت سياسة الزيارات, وكانت أول مرة تسمح بما عرف بالزيارات المفتوحة. تركني في الغرفة وذهب ليحضر زوجتي زيني. وفجأة دخلت عليّ. ووجدتها بين أحضاني. عانقت زوجتي وقبلتها لأول مرة بعد تلك السنوات الطويلة. إنها اللحظة التي راودتني في الحلم ألف مرة ومرة, وأحسست أنني لا زلت في حلم. أسلمت نفسي لها ونسيت كل ما حولي, وصمت كل شيء عدا قلبي وقلبها. ما كنت أرغب أن أدعها تفلت من ذارعي لولا شوقي لعناق ابنتي فأخذتها في أحضاني, ثم حملت حفيدتي في حجري. لقد مرت إحدى وعشرون سنة لم ألمس فيها زوجتي لمسة واحدة!

لمن يريد قراءة أي شيء عن مانديلا, أول كتاب هو مذكرات مانديلا بعنوان رحلتي الطويلة من أجل الحرية, إصدار مكتبة العبيكان.

* أطلقت الصحافة على مانديلا عندما كان مطارداً في بلده لقب زهرة الربيع السوداء, وهو عنوان لفصل من رواية للبارونة إموسكا أوركزي نشرت عام 1905م, ويرمز بها لمن يتقن تفادي الخطر والتخفي عن العدو.

* أماندلا, انغاويتو, إيافريكا, مايوبوي.تعني القوة, القوة لنا, اللهم احفظ أفريقيا, فلتعد أفريقيا لنا.

19/1/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أفريقي, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s