الطريق


الروائي الأمريكي كورماك مكارثي في رواية الطريق لم يقدم رؤية لماهية الكارثة التي حلت على كوكب الأرض ودمرت كل شيء حتى عاد الإنسان لحالته البدائية, عندما يأكل الإنسان لحم أخيه الإنسان من أجل سد رمق الجوع فقط لا غير. بشكل مباشر يسير القارئ في رحلة البحث عن الطعام والحياة مع الأب والابن الصغير عبر الطريق في رحلتهم نحو الجنوب الغير معروف في الولايات المتحدة.

رغم أن الرواية لا يوجد فيها هذا الكم من الفلسفة التي أعشقها في الأعمال الأدبية إلا أنها أثارت انتباهي. أنا لا أنصح بها, قد لا تعجب الكثيرين نظراً لأنها خيال علمي. ما أثار انتباهي عدة نقاط سأوردها بشكل موجز. في الرواية لا توجد سوى شخصيتين فقط, الأب والابن. ولم يذكر قط اسم الأب أو الابن, وما فائدة الأسماء إذا كانت في مكان لم يعد يستخدم الأسماء! قد يستطيع المؤلف أن يتقمص روح الرجل ويعبر عن آراءه بكل سهولة نظراً لأنه رجل, ولكن أن يتقمص روح طفل فتلك هي البراعة والذكاء. ليس شرطاً أن يكون الطفل في الرواية فيلسوفاً أو شخص ذو رؤية خارقة أو شيء من هذا القبيل, إنه طفل, يفكر, يأكل, يعيش, يلعب, يحب, يكره, كطفل, لا كرجل مكتمل النمو والعقل. حين نقرأ حوارات الأب والابن مثلاً نجد مكارثي يستخدم تعبيرات مألوفة بين الأب والابن. قد يصر الطفل على شيء ويكرره عدة مرات حتى يقبل الأب برأي الطفل, وكما هو معروف أو طبيعي, العلاقة بين الأب والابن في عالم محكوم بالدمار مشبعة بالعاطفة والحب.


ما يميز روايات الخيال العلمي هي القدرة الهائلة على وصف الأماكن بألوانها وروائحها والتفصيلات الصغيرة المكونة للأشياء, والتي تكون عادة غير موجودة في الروايات المعروفة. هذا التميز له ما يبرره, المؤلف لا يستطيع أن يحول كل الرواية إلى حوار طويل وممل بين الأب والابن, في هذه الحياة الغير طبيعية هناك دمار وهناك شخصيتين, عبر الشخصيتين يكون الحوار, وعبر الدمار والطريق يكون الوصف الذي قد يستغرق صفحات طويلة.

يقول المترجم في مقدمة الكتاب أن الرواية تطرح بعض القضايا المهمة مثل قضية الشر والخير, والموت والحياة. في منتصف الرواية قلت لا بد أن المترجم تحمس كثيراً حتى يطرح هذا الرأي. وحتى بعد أن أنهيت القراءة لا زلت على رأيي. ولكن لما لا يكون رأي المترجم صحيحاً؟ لن اختلف حول قضية الحياة, فالرواية بأكملها انتصار للحياة مقابل الموت. ولكن, هل يجب أن يكون الموت في الأدب شيء يتعدى طابع الفقد ليصل إلى حالة تشمل كل شيء, تشمل الفقد, والألم, وحتى التضحية, والكبرياء؟ أليست حياة إنسان – الأب مثلاً – عزيزة على طفل إلى حد أن الطفل يتمنى أن يموت مع أبيه؟ هنالك موت لا أعرف كنهه في الأدب, يستطيع بقدرة ذكية وقاتلة أن يعرفك على هذا الحضور الأبدي للموت, يجعلك تحس بطعمه و مرارة الفقد, مثل موت مريم في رواية خالد حسيني ألف شمس مشرقة. في هذه الرواية البسيطة كل البساطة نلحظ هذا النوع من الموت, عندما يموت الأب في الطريق, والابن يقضي ثلاثة أيام مع أبيه الذي تجمد وأصبح في مهب الريح.

نقطة أخرى تطرح غالباً في روايات الخيال العلمي, وقد تكون واقعية, لما لا. أتحدث عن قتل الإنسان, وأكله, فقط لأن ضرورات الحياة أصبحت غير موجودة وانهارت. لا يوجد أبشع من منظر مجموعة من الناس يقتلون طفل صغير, ويأكلونه. نلحظ مثل هذه البدائية من الانهيار في رواية ساراماغو : العمى. انهارت الحضارة وعاد الإنسان إلى حياته البدائية المتوحشة, لم يعد للموسيقى أو أي شيء من كماليات الأرض حضور, ما يهم هو البحث عن الأكل, القدرة على تنظيم الحياة في عالم لا يرحم. قد تكون هذه الرؤية كما قلت تطرح بقوة في روايات الخيال العلمي, ولكن, هل بمقدور الكائن البشري أن يصل إلى حالته البدائية بدون انهيار وسائل الحضارة؟ لن أفصل كثيراً لأن الجواب متوفر ومختصر جداً. الجواب لدى الرجل الفيل جون ميريك في فيلم The Elephant Man, حين يُحاصر من قبل مجموعة من المتطفلين والغوغاء في إحدى محطات السكك الحديد, ويطلق صرخته القادرة على إعادة التوازن لهذا الاختلال المرعب في النفس البشرية : أنا لست فيل .. أنا لست حيوان .. أنا إنسان .. أنا رجل !

عن المؤلف: كورماك مكارثي, العمر، من أهم الروائيين الأمريكيين المعاصرين. ومن الذين ترشحوا لجائزة نوبل في الأدب. نُشرت روايته الأخيرة الطريق في عام 2006م لتعتبر واحدة من أهم الروايات التي صدرت في العقود الأخيرة. ويكافأ مكارثي على روايته المذكورة بجائزة جائزة بوليتزر عام 2009م.

لدي شروط لتجسيد النصوص الأدبية في السينما, لا يسع المجال لذكرها الآن, ولكن في روايات الخيال العلمي سأنتصر للتجسيد الفني لأن النص في الأصل سينمائي تصويري. الغير مفهوم في النص قد يكون واضحاً وبقوة في الصورة. شاهدت الفيلم بعد قراءة الرواية. لن أقول بأن الفيلم أفضل ما شاهدت, ولكن في الحقيقة استمتعت بالفيلم لأن كل ماهو موجود مقتبس من الرواية بحذافيرها وإن كان هناك تفوق للصورة على النص فهو في حالة واحدة: الموت.

في نص مكارثي تكررت كلمة الموت مرات كثيرة حتى أصبحت كلمة الموت لا معنى لها. في الصورة السينمائية الوضع مختلف. هذا الدمار المرعب والسير في الطريق عبر المجهول لا يتوفر إلا شيء واحد يتكرر بكثرة, الموت, ذلك الفراغ الأسود الممتد على طول الطريق, بين الأشجار وأسطح البيوت والأقبية والبحر, إن تأكد حضوره فلا يمكن إلا مقاومته عبر السير في الطريق, ونحو الجنوب!.

15/1/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكي, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s