إلى منزل تشارلز ديكنز

تشارلز ديكنز هو أحبُ الروائيين الإنجليز إلى قلوب الناس, ولعله أعظمهم غير مُنازع. إنه شعلة مكشوفة من عبقرية فطرية ترسل نوراً لم يعرف البحر ولم تعرف الأرض نظيراً له من قبل
تشيسترتون.

عندما عزم ديكنز على أن يقرأ فصول من أعماله للعامة, وعندما واجه جمهوره لأول مرة وجهاً لوجه, حدث ما لم يكن في الحسبان: اقتحم الناس القاعات كعاصفة هوجاء, وتمسك المتحمسون الذين لم يستطيعوا الدخول بأوتاد الأعمدة, وتسللوا تحت منصة الإلقاء لمجرد أن يقدروا على سماع الكاتب الأكثر شعبية في ذلك العصر. وفي أمريكا, نام البسطاء والقراء في الشوارع في محاولة قصوى للدخول. كان الخدم يأتونهم بالطعام, غير أن الاكتساح الشعبي اتخذ طابعاً لا سبيل إلى إيقافه, وأصبحت القاعة الكبيرة التي تتسع لعدد كبير, صغيرة جداً لا تكفي لتلك الأعداد الغفيرة. وفي النهاية: فُتحت لديكنز كنيسة في بروكلين لتكون قاعة إلقاء. ومن المنبر قرأ أوليفر تويست, وقصة نيل الصغيرة.

يشير ستيفان تسافيج في كتابه بناة العالم أن ديكنز هو الأديب العظيم الوحيد في ذلك القرن الذي كانت سريرته تتطابق تطابقاً تاماً مع الحاجة الروحية لعصره, وأعماله الأدبية تتطابق تطابقاً تاماً مع ذوق انجلترا في ذلك الوقت: هو الفكاهة, والملاحظة, والأخلاق, والجماليات, والمضمون الفكري والفني, وهو حس الحياة الفريد في نوعه. لم يتجاوز طوال حياته حدود انجلترا الفنية أو الأخلاقية أو الجمالية. ولم يكن ثورياً, كان الفنان فيه يطمئن إلى الإنجليزي ويذوب فيه شيئاً فشيئاً.


” لا أستطيع أن أمحي تلك الأيام من ذاكرتي أبداً ”
نزل إلى الدرك الأسف من الفقر, عندما تم زج جون ديكنز في السجن وأصبح وهو طفل يعمل في مصنع لتلميع الأحذية مقابل ستة شلنات في الأسبوع. عهد بؤس مطلق وإذلال ويأس بالغين. ضاع شبابه في مهن بائسة. يجلس في تلك الغرفة القذرة, التي لا تدخل الشمس من خلالها, فوق مخزن هنجر فورد, يطلي الأحذية, ويعقد الخيوط للمئات منها كل يوم إلى أن التهبت يداه الصغيرتان ذات يوم. ذاق الجوع والفقر والحرمان في ساعات الفجر الضبابية الباردة في شوارع لندن. لم تكن الأبواب قد فُتحت له, ولم يعرف الخير إلا مع الضعفاء, ومن أجل ذلك لم يكن يريد العطاء إلا إلى هؤلاء. كانت طفولته هي المعاناة المأساوية الشعرية. تربت تلك الروح الإبداعية في غابة موحشة من الألم الصامت. وكانت أعمق رغبة روحية لديه, حين تهيأت له القوة وإمكانية التأثير على نطاق واسع, أن ينتقم لهذه الطفولة: أن يساعد كل الأطفال المساكين والمشردين المنسيين الذين عانوا من الجور مثلما عانى هو فيما سلف, أن يثأر من المدرسين الفاسدين والمدارس المهملة والوالدين اللامباليين.

” تلك الفترة .. إحساس كامل بالخذلان ”

لم يكن مرد الإحساس بالخذلان فقط إلى حقيقة أنه, وهو طفل من الطبقة المتوسطة كان دائماً بالغ الإحساس بالطبقة, قد أسند إليه العمل بين العاملين من الفقراء. ما يطارده أشبه ما يكون بالخذلان العاطفي. عمل في مصنع الدهانات لمدة ستة أشهر فقط. ثم ما لبث أن خرج منه بسبب شجار أبيه مع مدير المصنع. ولكن أمه حاولت الإصلاح ما بين الطرفين المتنازعين بغية إرجاع الصبي للعمل من جديد. وكان هذا هو الجرح الذي لم يبرأ, وقد كتب ديكنز عن هذه التجربة بعد ذلك بسنوات :” لم أنسى بعد ذلك أبداً .. ولن أنسى أبداً .. ولا أملك أن أنسى أبداً, أن أمي كانت شديدة العزم في إعادتي.”

يقول ستيفان في تصوير بديع لعالم ديكنز : كان يريد أن ينقذ لهؤلاء الأطفال بعض أزهار مسرات الطفولة الملونة, تلك الأزهار التي تولاها الذبول في صدره إذ حُرمت ندى الخير. لم يكن يعرف شيئاً يشكو منه, غير أن الطفولة كانت تنادي بالثأر. كانت الرغبة الأخلاقية الوحيدة, والإرادة الحيوية الداخلية لأدبه معونة هؤلاء الضعفاء: فهاهنا كان يريد إصلاح نظام الحياة المعاصر. لم يكن يرفضه, لم يكن يتصدى لمعايير الدولة, هو لا يهدد, ولا يرفع القبضة ضد الجنس البشري بأسره, وضد المشرعين والمواطنين, وضد زيف التقاليد, بل يومئ فحسب, هنا وهناك, بإصبع حذرة إلى جرح مفتوح!

ما يقارب السنة أو السنة والنصف على وجه التقريب, أمسكت رائعة ديكنز الآمال العظيمة, وشاهدت الفيلم القديم المقتبس من الرواية والمسلسل المقتبس من الرواية كذلك, من إصدار الـ بي بي سي. لكن شيئاً ما يرفض داخلي أن أكتب عن ديكنز. لم يحن الوقت بعد. عندما أبدأ بقراءة الأعمال الكلاسيكية أفضل الدخول في عوالم الأدباء وحياتهم وقراءة السير الذاتية الخاصة بهم, أو حتى القراءة عن تلك العصور الثقافية ومعرفة العلاقة التي تربط بين الجمهور والمؤلف تلك الفترة. وهو ما لم يحدث مع ديكنز أبداً. لا أنكر أني نادم أشد الندم على عدم القراءة لديكنز وعصره وأعماله, وكل ذلك بسبب كتاب يتجاوز الألفي صفحة وجدته على قارعة شوارع لندن عند أحد الباعة الجوالة, يضم جميع أعمال تشارلز ديكنز الروائية. ياللهول! استحوذ الكتاب عليّ بشكل كليّ. يبدو أنه نسخة قديمة تقاذفتها أيادي القراء لعشرات السنين حتى وصلت إلى بائع الكتب هذا.

أحب مشاهدة الكتب القديمة وحتى البورتريه لمؤلفين كلاسيكيين. كُنت قد نشرت سابقاً بورتريه لبايرون, أعظم شعراء العصر الرومانسي وهو مرتدي الزي التركي فارداَ شاربيه كالأتراك. وشاهدتها قبل فترة في معرض البورتريه الوطني بلندن بشكلها الطبيعي الكامل. ولكن بايرون لم يثير فيني مثل ما أثارته صورة الطفل أعلاه, لوحة تشارلز ديكنز وهو صبي لصامويل. إذا كانت لهذه الدرجة درجة الافتتان. لما لا أزور منزل ديكنز إذاً؟ ألا يوجد له منزل في لندن؟ لم أبحث في محركات البحث, إذ وجدت الإشارة إلى متحف تشارلز ديكنز عند محطة راسل سكوير باتجاه الشرق. سرت مسافة طويلة أنا و زوجتي على أمل أن المتحف قريب جداً, وكانت المصادفة أني مشيت لأكثر من ثلاثة أرباع الساعة أتجول في المنطقة المتواضعة بحثاً عن شارع 48 داوتي ستريت.

ووصلت أخيراً للمكان الذي كانت تنطلق منه الكراسات الشهرية الصفراء لعموم القراء الإنجليز في العصر الفيكتوري. مكان الكاتب الشهير بُوز BOZ. لم يكن القراء في تلك الفترة يستطيعون انتظار ساعي البريد في البيت. يتذرعون بالصبر والأمل, ويتنازعون : أيتزوج كوبرفيلد دورا أم أجنس؟ ويبتهجون إذا وصلت أحوال ميكوبرز إلى أزمة من جديد. كانوا جميعاً شباباً وشيوخاً يتقدمون مسافة ميلين لانتظار الرجل المرحب به على الدوام: رجل البريد الذي يحمل مرح وفكاهة وفقر بوز. تشارلز ديكنز. هنا في منزل تشارلز ديكنز, وأنا أهم بالدخول كنت أحاول تذكر السطور الخمسة الأولى من قصة مدينتين, والتي أعتبرها من أجمل المقدمات الروائية الكلاسيكية على الإطلاق : كان أحسن الأزمان, وكان أسوأ الأزمان. كان عصر الحكمة, وكان عصر الحماقة. كان عهد الإيمان, وكان عهد الجحود. كان زمن النور, وكان زمان الظلمة. كان ربيع الأمل, وكان شتاء القنوط. كان أمامنا كل شيء, ولم يكن أمامنا شيء. كنا جميعاً ماضين إلى الجنة مباشرة, وكنا جميعاً ماضين إلى جهنم مباشرة.

* لصعوبة نشر كل الصور الأربعين, رفعتها في ملف مضغوط لمن يريد المشاهدة هنا

9/10/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في يوميات, أدب إنجليزي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s