North & South

شاهدت بالأمس مسلسل North & South من إنتاج الـ BBC وتأليف الروائية الإنجليزية إليزابيث غاسكل. عندما يعجبني عمل فني مبدع وذكي لا أستطيع أن أجمع محاور الحديث عنه لأن الكلمات تفر ولا أجد كلمات تستطيع أن توفي العمل الفني حقه الكامل. أعتقد بأن رأيي كان صائباً عندما قلت أن تجسيد الرواية عبر حلقات مطولة هي الترجمة المميزة لعمل فني مكتوب على الورق. وإصدارات البي بي سي بالتحديد عبر تجسيد أغلب الروايات الإنجليزية الكلاسيكية عبر عدة حلقات تعطي الرواية حقها الكامل: بالحوارات والمونولوج والوصف الفني والطبيعة والشخصيات.

أبدأ بعنوان الرواية/ المسلسل, الشمال والجنوب, North & South. ترتبط شخصيات العمل الفني روحياً وعاطفياً وأخلاقياً بروح المدينة واتجاهاتها وعلاقة السكان بعضهم ببعض. سكان الجنوب يميلون للتدين والعطف على الفقراء, وأغلب أعمالهم تتعلق بالزراعة والحصاد. وهم إلى ذلك شخصيات تعبر عن عواطفها مباشرة رغم حدتها, فلا مجال للكذب أو المراوغة. وكل ذلك يتأتى من طبيعة تلك الأرض الخضراء الممتدة. سكان الأرياف كما يقول الروائي الفرنسي فيكتور هيجو هادئون, ميالون للسلام والابتعاد عن المنغصات مهما كانت. أما الشمال فهو يشير إلى عالم الثورة الصناعية, عالم المال والأعمال والدخان المنبعث من المصانع, إنه عالم أسود, عالم العلاقة السيئة بين سيد العمل والعمال, هذا العالم في حالة حركة دائمة ومستمرة وعاصفة, تأثير رجل الأعمال يمتد ليشمل جميع العمال العاملون في المصنع بعكس الجنوب الذي يركن فيه كل إنسان لوحده.


يقرر القس ريتشارد هايل التخلي عن العمل الكنسي ومغادرة أرض الجنوب الإنجليزي إلى الشمال بسبب عدم موافقته الانصياع لرأي قس صغير في السن أصبح مسئولاً عنه في تلك المنطقة. بطلة الرواية / المسلسل مارغريت هايل, ابنة القس السابق, حين تصل إلى أراضي الشمال تتفاجأ بهذا العالم الذي لا يحكمه ضمير, العمال يعملون بصورة رهيبة ولوقت طويل, وفي ظروف طبية وصحية سيئة. لم يعد هناك الطبيعة الخضراء, بل ماكينات المصانع والمداخن التي تلوث الجو وتعبث بالجميع. تستطيع مارغريت بشعور أهل الريف الجنوبي تكوين صداقات مع بعض عمال المصانع وأهاليهم, ومنهم نيكولا هيقنز, العضو بالإتحاد العمالي والعامل في مصنع جون ثورنتن.

أعجبتني المؤلفة حين قررت أن يكون صدام الشمال والجنوب عبر شخصيتين تمثلان هذه المناطق, مارغريت هايل مقابل جون ثورنتن, رجل الأعمال المتشدد. تخوض هاتين الشخصيتين صراعات منطقية حول صواب رأي كلاً منهما. جون ثورنتن رجل أعمال بنى مصنع القطن من اللاشيء, ويمارس القسوة تجاه العمال خوفاً من الفشل والسقوط المريع الذي ذهب ضحيته والده وهو صغير. أما مارغريت على العكس من ذلك, فهي تقابل الشدة والضرب من قبل جون ثورنتن تجاه العمال بالعطف عليهم والإحسان والتبرع لهم.

ترفع غاسكل من وتيرة الشمال والجنوب حين يقرر عمال المصنع بقيادة هيقنز الإضراب عن العمل في مصنع جون ثورنتن من أجل زيادة الرواتب وتحسين شروط العمل. الموضوع الآن الصدام بين رأس المال والعمل, الثورة الصناعية, لماذا يتحتم وجود البطالة, وكيف يجب أن يتصرف العمال عندما يجدون عائلاتهم تهلك جوعاً؟ الثورة الصناعية لم تغير شيئاً, لكنها أطلعت الجمهور على مساوئ كانت موجودة دائماً. كان هناك سكر, ومصانع تعمل في القباء وتسيء استغلال العمال, واستغلال الأطفال في الصناعة, لكن وجودها على هذا النطاق الهائل لم يدع هناك مهرباً من الإحساس بها. كان الفساد وشعور التعاسة اللتان نجمتا عنها من العظمة بمكان بحيث لم يكن بمقدور أي إنسان أن يتأملها دون أن تنتابه قشعريرة. في القرن الثامن عشر كان طغيان الإنسان على الإنسان هو الأكثر تأثيراً, أما في القرن التاسع عشر فحل طغيان أكثر تعقيداً: طغيان القوى الاقتصادية. وهذا ما نشاهده بالتحديد في هذا المسلسل.

ما يمثل حدود إليزابيث غاسكل كروائية هو أنها بالرغم من تصويرها الجيد لنتائج أمانة ريتشارد هايل, من حيث اليسر المادي, فهي لا تعطينا أية فكرة عن طبيعة حيرته الفكرية, حتى أن الحيرة نفسها في الواقع تبدو غير حقيقية لنا. لكن سلوكه يأتي بمارغريت ذات الانتماء الأصيل إلى مانشيستر ونحن نجد الصراع بينها وبين ثورنتن دراسة من الدرجة الأولى, للصراع بين الشمال والجنوب. يبدو الشمال لمارغريت همجياً غريباً. إنها ترفض الحضارة. لا يستشعر القارئ لروايات العصر الفيكتوري ذلك الإحساس القوي بان انجلترا عبارة عن أمتين: أمة الشمال الصناعي, وأمة الجنوب الريفي. القارئ والمشاهد سوف يكتشف الشمال انطلاقاً من الجنوب, من مارغريت هايل نفسها. نكتشفه على نحو خاص في شخصية جون ثورنتن, صانع القطن الواثق من نفسه. جون ثورنتن هو أنجح شخصيات إليزابيث غاسكيل من الذكور, وهو بالنسبة لي كرجل يفوق أياً من رجال تشارلوت برونتي وجين أوستن اقناعاً بكثير. هو ليس شخصية خيالية, فهو نتاج ملاحظة امرأة تعرف العالم, وتحكم عليه في الرواية فتاة ذات شجاعة فائقة وذكاء وقيم راسخة. وينشأ عن الصراع بين قيم مارغريت وقيم ثورنتن جزء كبير من حقيقة ثورنتن. وتحقق غاسكل نجاحاً خاصاً في تصوير جزء من جوانب ثورنتن الاجتماعية, بما في ذلك الصفات التي تجعل منه واحداً من أصحاب المصانع في تلك الفترة. وهناك على سبيل المثال, المشهد البالغ الدقة, والذي يلتقي فيه رجل الأعمال ثورنتن وزعيم الإضراب هيجنز كنتيجة لمساعي مارجريت في نوع من الصداقة الحذرة تقوم على معرفة كل واحد منهما بأن الآخر عدواً له.

الجدير بالذكر أن البروفيسور سايمون شاما في إحدى حلقات التاريخ البريطاني استعان في تقديمه لحلقة الثورة الصناعية من السلسلة الوثائقية التاريخ البريطاني برواية للروائية الإنجليزية إليزابيث غاسكيل “mary barton” لتبيان التأثيرات الاجتماعية التي عصفت بالسكان.

23/9/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s