فلسفة التأويل عند أُمبرتو إيكو


من المربك حقاً كتابة مقال عن موسوعة فكرية بحجم أُمبرتو إيكو، إذ كيف يمكن الإحاطة برجل مثل قامته العلمية! فهو منظر وناقد أدبي، وباحث في الفلسفة وعلم الجمال والشعر ووسائل الإعلام والترجمة، وعالم بالرموز والعلامات، وروائي وفيلسوف، و مؤرخ، وصحافي، وأستاذ جامعي، وناشر كتب للأطفال، ومؤلف قصص مصوّرة، ومؤسس مجلات أدبية، وأخيراً: أحد أبرز رموز السيميائية في القرن العشرين.

ولد أُمبرتو إيكو في ألساندريا بإيطاليا عام 1932. في بداية حياته درس الفلسفة فحصل على إجازة في الفلسفة من جامعة تورينو عام 1954 عن بحث بعنوان القضية الجمالية عند القديس توما الأكويني. ثم وجه اهتمامه بعد أن أصبح عام 1961 أستاذا للجمالية في جامعة تورينو إلى الشعر الطليعي والثقافة الجماهيرية، وبعد ذلك تخصص في علم السيميائيات والأبحاث المتعلقة بنظريات الأدب، ومنذ عام 1975 أصبح أستاذ جامعياً في علم السيميائيات بجامعة بولون. وأثناء هذه المسيرة ألف أُمبرتو إيكو مجموعة من الأعمال الروائية التي لفتت الانتباه وطرحت الأسئلة. من أهم مؤلفاته النقدية: العمل المفتوح، والبنية الغائبة، تاريخ الجمال، و العلامة تحليل المفهوم وتاريخه، والسيميائيات وفلسفة اللغة، وحدود التأويل، وست رحلات في أدغال السردية، والقارئ في الحكاية. أما في مجال الرواية فقد نشر روايته الأولى اسم الوردة التي قضى في كتابتها خمس عشرة سنة. عندما نشر أُمبرتو إيكو رواية اسم الوردة كان نجاحها العالمي مفاجأة بكل المقاييس. فلم يسبق لشخص متخصص بأحد أصعب العلوم الإنسانية الحديثة أن أنتج عملاً أدبياً مهماً. وأصدر في فترة لاحقة روايته الثانية بندول فوكو، كما أصدر عدة روايات: جزيرة اليوم السابق، باودلينيو، اللهب الغامض للملكة لوانا، مقبرة براغ.

ما سر هذا التنوع والغزارة في نتاج أُمبرتو إيكو؟
هناك إجابتان على هذا السؤال حسب تصور أُمبرتو إيكو، الأول علمي والثاني فلسفي. أما العلمي فهو في بداية أبحاثه الجمالية بدأ يهتم بالشعر والفنون، وبينما هو منكب في هذا الاتجاه حاول إيجاد طريقة تجمع مختلف كل هذا الاتجاهات عن طريق أنظمة التواصل الجماهيرية والشعبية. يبدأ الشيء صغيراً جداً حتى يكبر ويحتاج لنظرية تحتوي جميع أنظمة التواصل والجماليات والفنون، فوجد هذه النظرية في علم الرموز والعلامات والسيميائيات. ثم فُتح باب الرواية ليكون ميداناً عملياً لتطبيق مختلف الأفكار النقدية التي يحمل. أما الإجابة الفلسفية، فيقول إيكو:

أعطاني إياها أحد أساتذتي عندما كُنت فتياً. إذ قال لي يوماً: يجب أن تعرف يا أُمبرتو أننا نولد وفي رأسنا فكرة واحدة، وأننا نعيش كل حياتنا ساعين وراء تلك الفكرة بالذات. أذكر أني أعتقدتُ يومذاك أن أستاذي هذا في غاية الرجعية لإلغائه كل احتمالات التغيير لدى الإنسان. لكني إذا رحتُ أنضج، اكتشفتُ أنه على حق، وأني طوال حياتي لم أسع إلا وراء فكرة واحدة فقط لا غير: المشكلة هي أني لم أعرف بعد ما هي تلك الفكرة! لكني متفائل وآمل في اكتشافها قبل موتي.


إيكو عاشق للكتابة ومغرم بها، وله آراء قيمة تتعلق بالكتابة مفهوماً وممارسة. وفي هذا الصدد يقول:

أكتب لأنني أحب أن أكتب. والكتاب هو عشيقة تعيش معكم دون أن يعلم أحد شيئا. إنه سركم الصغير. إننا نتألم في البداية لأننا لا نعرف من أين نبدأ، ونتألم في الوسط لأننا لا نعرف كيف نجعل الحكاية تتقدم، ولكن ذلك يصبح متعة حقيقية. وحين ينتهي الكتاب لن يبقى إلا الحوارات وهي بالنسبة لي عبارة عن مأتم.

شغف إيكو بالكتابة حوّل أغلب أعماله النقدية إلى قصص. عندما قدم إيكو أطروحة الدكتوراة حول القضية الجمالية عند القديس توما الأكويني لاحظ أحد المشرفين على البحث أن البحث كُتب وكأنها قصة بوليسية وليست بحث علمي. يعترف إيكو بأنه يفضل هذه الطريقة من كتابة البحوث. الباحث المتمرس والبارع يجب ألا يكتفي بعرض استنتاجات بحوثه، بل عليه أن يروي قصة البحث. ولهذا السبب توصف كتابات إيكو النقدية بأنها تنتمي إلى الكتابة الروائية، يقول : إنها القصة البوليسية التي أنكب على حلها في تلك اللحظة، والتي ينبغي لي إبراز الحبكة فيها، والضحايا، والمذنبين وعواقب أفعالهم.

وبين النقد وعلم الرموز تبرز في الأفق رواية اسم الوردة التي أكسبت الأستاذ الجامعي صفة البروفيسور النجم. فهو لم يكتب الرواية وهو في سن متوسطة أو صغيرة، بل في خمسينيات العمر، أصدر روايته الأولى التي أكسبتها شعبية جارفة. ما يلفت الانتباه إلى هذه الرواية أن أُمبرتو أراد في البداية أن تصدر الرواية في سلسلة خاصة بالكتب النخبوية وذات الطابع الخاص الغير جماهيري. هذا أمر في البداية غير مستغرب، فالرواية قصة بوليسية تدور أحداثها في القرون الوسطى، وعنُيت بشكل خاص بإعادة بناء تاريخ تلك المرحلة واستعادة جدالاتها الأيديولوجية. بالإضافة لصعوبة الإمساك بزمام الرواية في المائتين الصفحة الأولى من الرواية. ولذلك نجد بعض القراء يتركون الرواية إما لصعوبتها أو بسبب إمساك أُمبرتو إيكو للسرد بشكل كثيف وعالي. عندما قرأ أحد أصحاب دور النشر الرواية قبل إصدارها تحمس لها بشكل شديد وقرر طبع ثلاثين ألف نسخة في الطبعة الأولى. كان رد إيكو على هذا العرض بأن الناشر فقد صوابه. الصحيح أن أُمبرتو تفاجأ بهذا النجاح الباهر لإسم الوردة، قد يكون مرد ذلك إلى الفيلم الذي حقق شهرة واسعة للرواية، ولكن، إن لم تكن الرواية قائمة على أسس قوية، من الغير الممكن أن تحقق النجاح المرجو.

القراءة لإيكو متعة لا يوجد ما يضاهيها. يعود السبب في ذلك إلى ثقافة أُمبرتو الموسوعية بلا شك، وهناك جانب ثاني يختص بالقارئ، تسمى هذه الحالة: إنهاك القارئ. يعترف إيكو بداية أن أعماله الروائية صعبة، ومع ذلك تحقق النجاح. القارئ حسب إيكو يجب أن يتعرض للإنهاك. مل الناس الأعمال الروائية السهلة. هم في حاجة إلى تجربة معقدة ومتعبة، تنطوي على تحديات كفيلة أن تشعرهم بالرضا عن أنفسهم وعن قدراتهم الفكرية. القارئ المثقف القادر على قراءة الأعمال الصعبة يجب عليه حين يقرر قراءة رواية أن يقرأ رواية صعبة ليكتشف نفسه، يجب أن يقرأ يوليسس لجويس، والبحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست.

لم يقدم أُمبرتو إيكو تعريف محدد للتأويل، ولكن، بالإمكان استخراج هذا التعريف من المحاضرات التي ألقاها في جامعة يال الأمريكية والتي تناول فيها التأويل والعلاقة بين المؤلف والنص، والتأويل المضاعف للنصوص، والتي صدرت في كتاب من المركز الثقافي العربي بترجمة القدير سعيد بنكراد بعنوان التأويل بين السيميائيات والتفكيكية. التأويل كتعريف كما جاء في محاضرات إيكو:

هو تفاعل مع نص العالم، أو تفاعل مع عالم النص عبر إنتاج نصوص أخرى. فشرح الطريقة التي يشتغل من خلالها النظام الشمسي استناداً إلى قوانين نيوتن يعد شكلاً من أشكال التأويل، تماماً كما الإدلاء بسلسلة من المقترحات الخاصة بمدلول نص ما. لم تعد القضية هي هل العالم نص قابل للتأويل أم لا، بل أصبحت هل هناك مدلول ثابت أم هناك مدلولات متعددة، أم على العكس من ذلك، أي لا وجود لأي مدلول على الإطلاق.

ينطلق إيكو في معالجته لقضايا التأويل من تصور يرى في التأويل وأشكاله صياغات جديدة لقضايا فلسفية ومعرفية موغلة في القدم. ومن أجل ذلك يقود أُمبرتو إيكو القارئ في رحلة فكرية داخل دهاليز التاريخ والأساطير والفلسفة والمنطق بحثاً عن جذور خفية لكل أشكال التأويل التي مورست وتمارس حالياً على النصوص، وهنا يقف عند حالتين يرى فيهما أرقى أشكال التأويل من حيث العمق والمردود: الحالة الأولى يكون فيها التأويل محكوماً بمرجعياته وحدوده وقوانينه وضوابطه الذاتية. التأويل وفق هذه الصياغة يتشكل من سلسلة قد تبدو لا متناهية. كل علامة تحيل على علامة أخرى. إلا أن ما يحدد اللامتناهي هو في ذات الوقت ما يقف حاجزاً أمام التأويل ويخضعه لإرجاعات تدرجه ضمن كون متناهي. يرد إيكو هذا النموذج إلى أصول حضارية تمتزج داخلها السياسة بالمنطق والتاريخ. الحدود هي أصل البناء: بناء المدينة وتحديد حدود الإمبراطورية وتعيين عاصمتها. الإمبراطورية موجودة لأن هناك حدود ترسم هويتها. وإذا حدث أن سقطت هذه الحدود تسقط الإمبراطورية، ويحق لأي كان أن يعين من المدن ما يشاء، وستكون العاصمة في أي نقطة على الأرض. المتناهي هو الذي يستقر على حالة بعينها ويتحدد بحدود وينتهي عند غاية. وإلى هذا التصور استندت فكرة التأويل المتناهي، أي التأويل المحكوم بغاية.المحكوم بغاية.

الحالة الثانية يدخل فيها التأويل متاهات لا تحكمها أي غاية. النص نسيج مركب من المرجعيات المتداخلة فيما بينها دون رقيب، ولا يحد من جبروتها أي سلطان. التأويل من هذه الزاوية لا غاية له. الغاية الوحيدة هي الإحالات ذاتها، اللذة، كل اللذة، أن لا يتوقف النص عن الإحالات وألا ينتهي عند دلالة بعينها. ولكن هذه اللانهائية تقود إلى تدمير المبادئ التي قامت عليها العقلانية الغربية. أن يكون التأويل لا متناهياً معناه أن كل الأفكار صحيحة حتى لو تناقضت فيما بينها. وكل الإحالات ممكنة حتى لو أدت إلى إنتاج مدلولات عبثية. يجد إيكو لهذا النموذج أصولاً في تيارين فكريين بارزيين: الهرمسية والغنوصية.

في محاضرة التأويل والتاريخ يقدم إيكو مقاربة الهرمسية للنصوص. فهم يعتبرون أن النص كون مفتوح بإمكان المؤول أن يكتشف داخله سلسلة من الروابط اللانهائية. يقول إيكو:

من أجل إنقاذ النص، على القارئ أن يتخيل أن كل سطر يخفي دلالة خفية. فعوض أن تقول الكلمات، فإنها تخفي ما لا تقول. إن مجد القارئ يكمن في اكتشاف أن بإمكان النصوص أن تقول كل شيء باستثناء ما يود الكاتب التدليل عليه. في اللحظة التي يتم الكشف عن دلالة ما، ندرك أنها ليست الدلالة الجيدة، الدلالة الجيدة ستأتي بعد ذلك. إن الأغبياء هم الذين ينهون التأويل قائلين: لقد فهمنا. إن القارئ الحقيقي هو الذي يفهم أن سر النص يكمن في عدمه.

في المقال السابق “السيميائية” ذكرت فكرة السيميائي الفرنسي رولان بارت حول موت المؤلف وولادة القارئ. إذا كان النص يفتح الباب لتأويلات متناهية أو لا متناهية، أين يكون موقع المؤلف داخل التأويل؟ هناك حالة يستحب فيها استحضار قصدية المؤلف حسب إيكو. حين يقوم النقاد بتأويل نص ما، سيكون من المفيد مساءلة المؤلف إلى أي مدى كان واعياً، باعتباره مؤلفاً محسوساً بمجمل التأويلات التي تعطى لنصه، وذلك من أجل تبيين الاختلافات بين قصد المؤلف وقصد النص. نرى هذه الإحالة إلى المؤلف إلى أُمبرتو إيكو نفسه. أحد القراء سأل أُمبرتو إيكو حول الفرق بين عجلة غيوم المذكورة في رواية اسم الوردة وعجلة بيرنار المذكورة في نفس الرواية، ولم يستطع الإجابة! يقول إيكو في محاضرة بين المؤلف والنص: من حق القارئ أن يتساءل هل يتحدث الرجلان عن نفس الشيء؟ هل فظاعة العجلة التي يعبر عنها غيوم لا تختلف كثيراً عن فظاعة العجلة عند بيرنار؟ لقد قضي الأمر، فالنص أنتج واقعه المعنوي الخاص. وسواءً أردت ذلك أو لا، فإنني في الحالتين معاً أمام سؤال، بل استفزاز غامض. إني أشعر بحرج في تأويل ما حدث، حتى وإن كنت مقتنعاً بوجود دلالة مختفية لهذا الأمر

هذه هي مجمل التصورات التي خرج بها إيكو السيميائي حول التأويل. ولكن من الجانب الآخر للسيميائية، هناك جماعة ما بعد حداثية ترفض أفكار إيكو حول التأويل وتدافع بشدة عن التأويل المضاعف للنصوص. أقصد التفكيكية. في مقال لـ جاناتان كالر، أحد ممثلي التفكيكية في الولايات المتحدة رد فيها على مجمل تصورات إيكو حول التأويل.

التأويل في ذاته حسب كالر ليس في حاجة إلى من يدافع عن عنه. فهو يعيش معنا في كل لحظة، إلا أنه لا يثير اهتمامنا إلا حين يبلغ حدوده القصوى، شأنه في ذلك شأن كل الأنشطة الثقافية الأخرى. تأويل الأعمال الأدبية يجب أن لا يكون هو الهدف الأسمى للتأويل. إذا كانت مهمة النقاد هي بلورة واقتراح تأويلات فعليهم أن يمارسوا ضغطاً تأويلياً لا هوادة فيه، وأن يطلقوا العنان لأفكارهم لتجوب كل الآفاق.

التأويلات المتطرفة والمعتدلة كثيرة، إلا أنها في كلا الحالتين لم تخلف أي أثر يذكر حسب كالر. غير مقنعة ومليئة بالحشو ومملة. أما إذا كانت قصوى فإنها ستحظى بمزيد من الاهتمام وستكون لها القدرة على الكشف عن العلاقات والترابطات التي لم يُكشف عنها من قبل، أو التي لم يُفكر فيها من قبل. إنها علاقات وترابطات ما كان من الممكن الحصول عليها لو بقي التأويل في حدوده الدنيا. التأويل المضاعف أكثر أهمية من غيره ويعد الأصلح من التأويل الأدنى أو المعتدل. يقول كالر: لا يمكن لإنسان لم يعشق بعمق جاذبية التأويل المضاعف أن يكون قادراً على خلق شخصيات، وخلق ذلك الهوس التأويلي الذي يسكن رواياته – يقصد إيكو -.

كنت قد قرأت اسم الوردة قبل سنتين من الآن بترجمة المترجم المميز أحمد الصمعي، من وإصدار دار أويا. وأعدت قراءة الرواية من جديد بعد أن استوعبت ولو قليلاً أفكار إيكو حول التأويل وكيف يتم تحويل قطعة أدبية إلى مجال خصب لنثر الأفكار النقدية. لن أفسر عن ماذا تحكي الرواية، أترك هذا المجال للقارئ لكي يكتشف ذلك بنفسه، ولكن أتوقف عند عنوان الرواية الملفات للانتباه. العنوان هو أحد المفاتيح التأويلية الأولى للنص. أكثر العناوين إثارة لاحترام القارئ حسب إيكو هي تلك التي يتم تكثيفها في اسم دال على البطل: ديفيد كوبرفيلد، أو روبنسون كروزو. وحتى في هذه الحالة فإن الاسم/العنوان يمكن أن يؤول على أنه تدخل مبالغ فيه من لدن المؤلف. إن العنوان يجب أن يشوش على الأفكار لا أن يقولبها كما يقول المؤلف.

الرواية كانت انعكاساً إبداعيا لفلسفة الرمز و نظريات التأويل من خلال معرفة تفصيلية بأدبيات القرون الوسطى. وذلك يظهر بقول الراوي نفسه في ختام الرواية بأن اسم الوردة عمل مفتوح, وبإمكان كل قارئ مهما كان انتسابه أن يجد فيها صورة من نفسه وعالمه. أي بما معنى أن الرواية لا تقص في حقيقية الأمر إلا ما يجري من حولنا. بينما الوقائع التاريخية المذكورة في الرواية والجرائم والمتاهة المذكورة في الرواية لا تعدو أن تكون رموزاً ينبغي فك أسرارها وفهم دلالاتها.

بالتأكيد، ليس من حق المؤلف أن يؤول. ولكن من حقه أن يحكي لماذا وكيف كتب ما كتب. انطلقت فكرة كتابة الرواية لدى إيكو من فكرة بسيطة: تسميم راهب. أتمنى أن يقرأ بعض الكتاب السعوديين كيفية تحويل نتاج القراءة لديهم إلى مصدر يستمدون خلاله القوة الدافعة لإنتاج نص سردي قوي ومحكم. حين أقرأ تفاصيل كتابة الرواية لدى إيكو في حاشية على اسم الوردة للمؤلف، أعرف أن المؤلف قضى وقتاً طويلاً لإعداد تفاصيل حية تجعل النص وكأن القارئ يشاهد فيلماً سينمائياً.

يقول إيكو في حاشية على اسم الوردة :

إن القرون الوسطى ظلت حاضرة في ذهني إن لم يكن ذلك كمهنة، فإنها ظلت هوايتي المفضلة. إنها غوايتي الدائمة، فهي حاضرة بوضوح في كل شيء، أراها في الأشياء التي أهتم بها والتي لا تبدو في الظاهر أنها تنتمي إلى القرون الوسطى إلا أنها كذلك في العمق. يجب بناء هذا العالم، وستأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها، فامتلاك الأشياء سابق على وجود الكلمات، وهو عكس ما يحدث في الشعر حيث امتلاك الكلمات سابق على امتلاك الأشياء. قضيت السنة الأولى من العمل في بناء هذا العالم: لائحة طويلة من الكتب التي يمكن العثور عليها في خزانة قروسطية، لائحة من أسماء وشهادات ميلاد لمجموعة من الشخصيات التي سأقوم فيما بعد باستبعاد مجموعة كبيرة منها، ذلك أنه كان علي أن أعرف من هؤلاء الرهبان الذين لن يظهروا في الكتاب، ولم يكن من الضروري أن يتعرف عليهم القارئ ولكن كان علي أن أعرفهم. من قال إن السردية في حاجة إلى شهادات ميلاد؟ ربما هي في حاجة إلى وزارة للتعمير أيضا، وهذا ما يفسر الأبحاث الكثيرة التي قمت بها حول المعمار، في الصور وفي الموسوعة المعمارية، وذلك من أجل تحديد تصميم الدير وكذا المسافات، بل وصل الأمر إلى تحديد عدد درجات السلم اللولبي. ولقد قال أحد النقاد إن حواراتي كانت سينيماتوغرافية لأنها كانت صحيحة من الناحية الزمنية. ولقد كان الأمر كذلك فعلاً. فعندما كنت أصور شخصيتين تتجاذبان أطراف الحديث وهما تقطعان المسافة الفاصلة بين المطعم والرواق، كنت أكتب والتصميم أمام عيني. وهكذا فعندما يصلان إلى الرواق يكون الحوار قد انتهى. يجب أن نقيد أنفسنا بإرغامات لكي نبدع بحرية. إن الإرغامات في الشعر وليدة الشطر والبيت والقافية، أي ما سماه المعاصرون بالهمس عن طريق الأذن. أما في السرد، فإن الإرغامات متولدة عن عالم ضمني، ولا علاقة لهذا بالواقعية، حتى وإن كان هذا يشرح ذلك إلى حدود الواقعية. فبإمكاننا أن نبني عالماً لا واقعياً بشكل كلي حيث الحمير تطير وتبعث الأميرات بفضل قبلة. ولكن على هذا العالم المحتمل فقط واللاواقعي أن يوجد وفق بنيات محددة منذ البداية. يجب التأكد هل يتعلق الأمر بعالم تبعث فيه الأميرة بفضل قبلة أمير أم قبلة ساحرة. ولقد شكل التاريخ أيضا جزءا من عالمي، وهذا ما جعلني أقرأ وأعيد قراءة الوقائع القروسطية. وأثناء قراءتي لهذه الوقائع تبين لي أن علي أن أدخل إلى عوالم لم تخطر لي على البال أبدا. مثال ذلك النضال من أجل الفقر أو المحاكم الدينية ضد الهراطقة.

كرواية بوليسية مشوّقه تمضي على عدة مستويات من الاغتيالات المتسلسلة حسب سفر الرؤيا. و كرواية تاريخية وفلسفية مشوقة تفتح المجال لمعرفة الكثير عن الحركات المسيحية القديمة وتاريخ الهراطقة الشهير في التاريخ المسيحي. وعن قرارات مجمع بروجيا وحركة دولتشينو الهرطيقي الذي عُذب تعذيباً شديداً في القرون الوسطى بعد اتهامه بالخروج عن التقاليد المسيحية، وارتكبت في حق جماعته أكبر مذبحة عرفها تاريخ الصراعات المسيحية. ولا ينتهي الحديث عن الرموز ابتداء بلغة الجواهر والحديث عن الطبيعة والكون وضحك المسيح، وانتهاءً بالحوار الذي دار بين جماعتين في الدير عن فقر المسيح وغنى المسيحية والصراعات الدائر بين الإمبراطور والبابا. نحن أمام كتاب ضخم وروائي فذ يجعلك تغوص في بحر الرواية بحثاً عن أجوبة مشتتة عن الكتاب السري، عن القاتل، عن المكتبة، عن التاريخ، ومن ثم يطير بك في فضاءات شاسعة من العلوم و الآداب ليلقي بك أخيراً على شاطئ مقفر لنهاية غير متوقعه مرهقاً ومثقلاً بكم هائل من المعلومات.

قارئ اسم الوردة يحتاج لصبر كبير حتى يجتاز أول مائتي صفحة من الرواية. كان هناك مطالبات من قبل الناشر لأُمبرتو إيكو بحذف المائة صفحة الأولى لأنها مرهقة ومتعبة، وكان الجواب قوبل بالرفض القاطع: ” كانت حجتي أن من يرغب في الدخول إلى الدير والمكوث به سبعة أيام، عليه أن يتحمل هذا الإيقاع. وإذا لم يكن ذلك في استطاعته، فإنه لن يتمكن من قراءة الكتاب في كليته. والحاصل أن وظيفة المائة صفحة الأولى كانت امتحاناً واستئناساً. ولا أبالي بالذين لا يحبون ذلك، إنهم سيقفون عند بداية الهضبة”

لعل المفارقة الأكبر في تجسيد هذه الرائعة الإيطالية للفيلسوف الإيطالي أُمبرتو إيكو أن شهرة الفيلم كانت هي البوابة الأولى لشهرة الرواية لدى الجمهور العادي الغير مهتم بكتابات إيكو السيميائية. الرواية كانت معروفة لدى الطبقة الأكاديمية المثقفة و كانت صدمة للأوساط الأكاديمية ظهور رواية لشخص مختص بعلم الرموز و حاصل على أستاذية الفلسفة عن جماليات القديس توما الأكويني في القرون الوسطى. الفيلم هنا كان مساعداً بشكل رئيسي في شهرة الرواية، و لكن هل كان الفيلم مطابقاً للرواية كما كتبها أُمبرتو إيكو؟

من الصعب القول أن كل ما في الرواية تم ذكره. هناك أحداث و أفكار لا يمكن لها أن تجسد سينمائياً خصوصاً في حقول الفلسفة و التاريخ و علم الرموز و الجماليات، رغم أن الفيلم نجح قليلاً في اقتباس الفكرة الأكثر تأثيراً من الرواية، وهي المتعلقة خصوصاً بضحك المسيح و تطرف الأب يورغ الأعمى في حفظ كتاب فن الشعر لأرسطو. الفصل الأخير من الرواية تم تجسيده في الرواية ببراعة. الممثل شون كونري أبدع تماماً في تأدية دور المحقق الفرنشسكاني غوليالمودا، و كذلك الممثل كريستيان سلاتر أبدع في تمثيل دور الراهب المبتدئ أدسو. لكن الأكثر براعة في التمثيل، في تطرفه و حماقاته في الرواية هو دور سيلفاتوري الذي جسده الممثل رون بيرلمان. كان رائعاً رغم كمية القرف التي تحيط به وهو يجسد دور الراهب المختبئ من اضطهاد رجال الدين.

بالتأكيد الرواية تأتي في المقام الأول لجمالها و كمية المعلومات التاريخية و الفلسفية التي طرحها إيكو، و الفيلم لم يكن مطابقاً للرواية، و لكن كان يستحق المشاهدة، وكان رائعاً على أية حال.

23/9/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة, أدب إيطالي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s