أسس السيميائية


الكتاب : أسس السيميائية
المؤلف : دانيال تشاندلر
إصدار : المنظمة العربية للترجمة

ما هي السيميائية؟ وما هي أسس هذا العلم؟
من قرأ يوماً مقالة أو رواية للمفكر والروائي الإيطالي أُمبرتو إيكو سيجد أن هذا المصطلح يحتل حيزاً كبيراً من أعماله الفكرية والأدبية. في رواية اسم الوردة تبدأ الرواية بتمرين سيميائي، حيث يؤول المحقق الفرنشسكاني غوليالمودا علامات مختلفة للاستدلال منها على حادثة لم يكن حاضراً فيها، وهي فرار جواد رئيس الدير. ويتضح من خلال شرح الاستراتيجية التي اتبعها أن العلامات تكون محملة بعدة معان إذا ما كانت موجودة مسبقاً في تجربة الشخص، أو إذا ما كان لها مقام يوافقها في المعرفة الموسوعية للشخص، وأن علامة ما قد تكون عديمة المعنى إذا ما كانت لوحدها، أي منعزلة عن شبكة العلامات المحيطة بها. إذا تم ربط العلامة في علاقة مع علامات أخرى، قد تنتمي إلى أنظمة سيميائية مختلفة، وتصبح ثرية بالمعاني وقابلة لأن تؤول. بينما لم ينتبه بطل رواية اسم الوردة الراهب المبتدئ أدسو إلى وجود علامات وآثار الوبر الأسود والآثار على الثلج والغصن المكسر، انتبه غوليالمودا لوجود هذه العلامات ووضعها بحكم تجربته في علاقاتها المتبادلة ليستدل منها على مرور جواد، وعلى خاصية ذلك الجواد من لون وقامة ورشاقة، ثم تكهن بمالكه واسمه وبالوجهة التي اتخذها من خلال علامات أخرى تتماشى مع العلامة الأولى.


المحقق في الجريمة, سواءً كان غوليالمودا أو روبرت لانغدون بطل دان براون الشهير, ينطلق من فرضية اعتماداً على العلامات التي اكتشفها, ثم يتأكد من صحة تخمينه عند معاينة الأمر الواقع. كما حصل لروبرت لانغدون عندما شاهد علامة المتنورون تخرج من الفاكس, وهو الذي تناسى هذه الجماعة ولم يفكر يوماً بأنها سوف تعلن عن نفسها عندما يتم قتل أحد العلماء الفيزيائيين في بداية رواية ملائكة وشياطين.

يقول غوليالمودا لأدسو في رواية اسم الوردة:

كنت مستعداً لتقبل كل أجناس الخيول، لا لعمق إدراكي ولكن لضعف حدسي. لم أشف غليلي من المعرفة إلا عندما رأيت ذلك الجواد بالذات يقوده الرهبان من لجامه. عندها فقط تحققت من أن تخميني الأول قادني قريباً من الحقيقة. وهكذا كانت الأفكار التي خطرت لي في البداية، تصور جواداً لم أره من قبل، كانت دلالات بحته، كما كانت الآثار فوق الثلج دلالات لمفهوم جواد: نحن نستعمل الدلالات، ودلالات الدلالات فقط عندما تنقصنا الأشياء.

في مدخل كتاب أسس السيميائية يطرح المحاضر بجامعة أبيريستويث دانيال تشاندلر عدة تعاريف للسيميائية، وأقصر وأشهر تعريف للسيميائية هو: دراسة الإشارات. وأحد أوسع التعريفات للسيميائية في الوقت الحاضر هو تعريف أُمبرتو إيكو: تعنى السيميائية بكل ما يمكن اعتباره إشاره. لكن ما هي الإشارات؟ لا يتعلق الأمر بإشارات السير أو النجوم باعتبارها إشارات. بل يتعدى ذلك إلى كل شيء: تشمل الكلمات والأصوات ولغة الجسد واللوحات و النصوص وكل ما ينوب عن شيء آخر. يقول بيرس: لكي يصبح أي شيء إشارة يجب أن يفسر على أنه إشارة. وأي شيء يمكن أن يصبح إشارة، شرط أن يعتبر أحدنا أنه يعني أمراً، أي يحيل إلى شيء آخر أو ينوب عنه. هذا الاستخدام الدلالي للإشارات هو الموضوع الأساس في السيميائية.

ظهرت النظريات عن الإشارات عبر تاريخ الفلسفة منذ القدم وحتى أيامنا. وردت أول إشارة بينة إلى السيميائية باعتبارها فرعاً من فروع الفلسفة في مؤلف جون لوك: مقالة في الطبيعة البشرية. ولكن التقليدين الأساسيين في السيميائية المعاصرة مصدرهما السويسري درينان دو سوسور والأمريكي تشارلز ساندرز بيرس. بالنسبة إلى سوسور، السيميائية هي علم يدرس دور الإشارات كجزء من الحياة الاجتماعية. أما بالنسبة إلى بيرس، فالسيميائية هو الدستور الشكلي للإشارات، مما يقربها من المنطق. هناك عدة فروقات بين نموذج سوسور السيميائي ونموذج بيرس. نموذج سوسور يحدد الإشارة بأنها تتكون من دال و مدلول، كلاهما نفسي محض، وتسمى العلاقة بين الدال والمدلول بالدلالة. مثال على هذا النموذج : كلمة ادفع على باب محل. كلمة ادفع هي الدال، أما المدلول فهو المفهوم الذي تولده هذا الكلمة: بمعنى أن المحل مفتوح للبيع والشراء وليس مغلقاً. أما نموذج بيرس فهو يتكون من ثلاث: من الشكل الذي تتخذه الإشارة، ويسمى بالمُمثل، والمعنى الذي تحدثه الإشارة، ويسمى بتأويل الإشارة، والمرجع إليه، ويسمى بالموجودة. المُمثل شبيه في معناه بالدال عند سوسور، والتأويل شبيه بالمدلول، لكن يملك التأويل صفة لا توجد في المدلول: إنها إشارة في فكر المؤول. لا يمكن لمقال صغير أن يشرح هذه التقسيمات بين صفوف السيميائيين، لمن يريد المعرفة أكثر، والقراءة عموماً عن السيميائية يجب أن يقرأ كتاب تشاندلر لأنه يؤسس لقاعدة فكرية مميزة عن السيميائية بطريقة جذابة ومبتكرة.

كقارئ احتل تركيزي الفصل الأخير من الكتاب والمعنون بالتفاعل النصي. وتحديداً جزئية التناص. يرتبط مفهوم التناص السيميائي الذي استحدثته جوليا كريستيفيا بالدرجة الأولى بمنظري ما بعد الحداثة. تتحدث كريستيفيا عن النصوص باعتبارها تتضمن محورين: الأول أفقي يربط بين مؤلف النص وقارئه، والثاني عمودي بين النص والنصوص الأخرى. ويجمع بين المحورين شيفرات مشتركة، بحيث يستند كل نص وكل قراءة إلى شيفرات معروفة مسبقاً. تقول كريستيفيا: إن كل نص خاضع منذ البداية لتشريع خطابات أخرى تفرض عليه عالماً منا. تعتبر أننا بدل أن نحصر اهتمامنا في دراسة بنية لنص، يجب علينا أن ندرس عملية بناءه، عن الكيفية التي دخلت فيها هذه البنية حيز الوجود، يستلزم ذلك وضعها ضمن مجمل النصوص التي سبقته أو تزامنت معه.

ما هو أكثر اهتزازاً لبنية النص هي أراء رولان بارت، الفيلسوف الفرنسي والمنظر السيميائي المعروف، صاحب فكرة موت الكاتب وولادة القارئ. يطرح منظروا التناص إشكالية حقيقة التأليف، فيعتبرون مثلاً كاتب النص منظم ما يطلق عليه رولان بارت ماسُبق وكُتب، ولا يعتبرونه واضعه:

النص .. مساحة متعددة الأبعاد تختلط فيها عدة كتابات وتتواجه، ليس أي منها مُبتكراً. النص مزيد من الاقتباسات .. لا يستطيع الكاتب سوى تقليد إيماءة سابقة، وليست أبداً مبتكرة، وتقتصر مقدرته على خلط الكتابات ومواجهتها مع بعضها بطريقة لا يركن فيها إلى أي منها.

في كتاب رولان بارت S/Z يفكك بارت قصة لبلزاك ويسعى إلى الكشف عن غياب الابتكار فيها، وعن أنها تعكس عدة أصوات وليس فقط صوت بلزاك. وعلى هذا المنوال من التفكيك في بنية النص يرى المنظرون السيميائيون أن النصوص تصل إلينا باعتبارها دائماً الذي سبق وقرأناه. نتناولها من خلال تكدس طبقات من التفسيرات السابقة. يملك النص المشهور تاريخ قراءات. تعيد المجتمعات ولو بشكل غير واع كتابة جميع الأعمال التي قرأوها. لا يستطيع أحد اليوم أن يقرأ رواية أو قصيدة مشهورة أو أن ينظر إلى لوحة أو رسم أو أن يستمع إلى قطعة موسيقية أو يشاهد فيلماً، حتى لو كان يفعل ذلك للمرة الأولى من دون أن يعي السياقات التي أعيد فيها إنتاج النص، أو استوحى منها، أو ألمح إليها. تشكل هذه السياقات إطاراً أولياً لا يمكن أن يتحاشى القارئ الاستيحاء منه في تفسيره النص.

يقول فوكو في كتاب أركيولوجيا المعرفة:

ليست حدود الكتاب أبداً واضحة المعالم. هي تتجاوز العنوان والسطور الأولى ونقطة التوقف الأخيرة والترتيب الداخلي والشكل المستقل. إنه يدخل في منظومة من الإرجاعات إلى كتب ونصوص أخرى. إنه عقدة في شبكة، ليس هو فقط الموجودة التي نمسكها بين يدينا .. وحدته متغيرة ونسبية.

هناك سؤال مهم يطرحه دانيال تشاندلر، وأعتقد بأن كل قارئ سوف يطرح هذا السؤال: ما هي فائدة السيميائية؟ وما أهمية هذا الفرع من الفلسفة. أحد النقاد وصف السيميائية ببراعة: تخبرنا السيميائية عن أشياء نعرفها لكن بلغة لن نفهمها أبداً. هذا واقع، وأنا أقرأ كتاب دانيال أعرف الفكرة المطروحة، ويستطيع أي قارئ أن يتفاعل معها، لكن ما إن تتوسع في القراءة حتى تجد مصطلحات وأفكار وتقسيمات متشعبة مطروحة بلغة لا يفهمها إلا أصحاب نادي معين هو نادي السيميائية.

يجيب تشاندلر على السؤال المطروح بأن السيميائية نتعلم منها أننا نعيش في عالم من الإشارات، لا يمكننا فهم أي شيء إلا بواسطة الإشارات والشفرات التي تنظمها. عند دراسة السيميائية نعي أن هذه الإشارات والشفرات تكون شفافة وتُخفي أننا نقوم بقراءتها، ولأننا نعيش في عالم تتزايد في الإشارات المرئية، نحتاج أن ندرك أنه حتى الإشارات الأكثر واقعية ليست كما تبدو: إن الاستغناء عن دراسة الإشارات يعني أننا نترك للآخرين التحكم بعالم المعاني الذي نعيش فيه.

16/9/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s