في الثورة


أمضيت سنوات كثيرة من عمري، بالتحديد: ثلاثين سنة، في دراسة الشر !
حنة أرندت

حنة أرندت فيلسوفة أمريكية من أصل ألماني. ولدت عام 1906 وتوفيت 1975. تخصصت في الفلسفة في جامعة مدينة ماربورغ، وخلال الدراسة ارتبطت بعلاقة غرامية مع الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر. اضطرت إلى ترك ماربورغ، لأن هايدغر الذي اعتبرته ملكاً خاصا في مملكة التفكير، كان متزوجاً في محيط كاثوليكي محافظ، لتكمل دراستها عند الفيلسوف كارل ياسبرز في جامعة هايدلبرغ، التي قدمت فيها أطروحة الدكتوراه عام 1928. جاءت صدمة وصول النازيين إلى الحكم في ألمانيا عام 1933 لتشكل نقطة تحوّل مركزية في حياة أرندت دفعتها إلى الابتعاد عن الفلسفة بمفهومها النظري البحت والتوجه إلى العمل السياسي بشكل عملي. ولأنها يهودية، كانت الحياة في ألمانيا ضيّقة عليها إبان صعود القوى النازية فهاجرت لفرنسا، وفي عام 1941 انطلقت للولايات المتحدة. بدأت فيها عملها السياسي الحقيقي، حيث عملت صحفية، ومراجعة لغوية ومحاضرة جامعية. لكن المكانة المرموقة التي تبوأتها أرندت في حقل العلوم السياسية تعود في المقام الأول إلى كتابها الموسوعي: أسس التوتاليتارية، والذي ترجم جزء منه إلى العربية عن دار الساقي.

صدر عن المنظمة العربية للترجمة هذه السنة كتاب في الثورة لحنة أرندت، لمن يريد القراءة عن الثورة بشكل عام، عن ماهيتها وأفكارها ونتائجها، وعن الثورة الفرنسية والأمريكية والفرق بينهما، هذا الكتاب قد يقدم لك ما تحتاج إليه. أحب القراءة عن الثورة الفرنسية. قرأت كتاب لويس عوض الثورة الفرنسية قبل سنتين، وقرأت فترة الثورة في موسوعة قصة الحضارة للمؤرخ ويل ديورانت، ولكن أي من الكتابين لم يستطع أن يسبر غور الثورة الفرنسية بمثل ما استطاعت حنة أرندت. في كتاب في الثورة تحليل ذكي جداً للظاهرة السياسية الحديثة نسبياً، وفيه تنظر أرندت في المبادئ التي تشكل أساس الثورات جميعها، بدءاً من الأمثلة الأولى في أميركا وفرنسا، مروراً بكيفية تطوّر نظرية الثورة وممارستها، وصولاً إلى توقعات التغيير في العلاقة بين الحرب والثورة، وما ينتج من هذا التغيير على صعيد العلاقات الدولية.

في 13 يوليو 1789م لم تكن باريس تحلم إلا بالدفاع عن نفسها. كانت سماؤها لا تزال ملبدة بالشكوك. وفي 14 يوليو انتقلت من الدفاع إلى الهجوم ولم تعد لديها شكوك! في المساء كان هناك اضطراب وهياج، وفي الصباح كان هناك صفاء رهيب. مع الصباح استولت على باريس فكرة، ورأى الجميع نفس الضياء. في كل نفس ضياء وفي كل قلب صوت يقول: قُم، وسوف تستولي على الباستيل! كان ذلك شيئاً جنونياً مستحيلاً، غريباً أن يقال، ومع ذلك فقد آمن به كل الناس وقد تحقق. كانت الساعة 5.30، وارتفعت صيحة مدوية من ميدان الجريف تقول: الباستيل سقط. يختصر المؤرخ الفرنسي ميشليه هذا السقوط المدوي بهذه الرمزية لسجن الباستيل:

يجب أن يقال أن الباستيل لم يسقط ولكنه سُلم. سُلم لأن ضميره المفعم بالذنوب أقلقه! إلى حد الجنون، وجعله يفقد روحه المعنوية.

حين سمع لويس السادس عشر من رسوله ليانكورت بسقوط الباستيل وتحرير بضعة سجناء منه وتمرد القوات الملكية قبل وقوع الهجوم الشعبي، قال الملك في وجه رسوله إنه تمرد، فصححه ليانكورت قائلاً: كلا يا صاحب الجلالة .. إنها ثورة! حين قال لويس السادس عشر أن اقتحام الباستيل هو تمرد، قد أكد على سلطته وعلى الوسائل المختلفة بين يديه لمواجهة المؤامرة والتحدي الواقع على سلطانه، أما جواب ليانكورت، فتتساءل الفيلسوفة الأمريكية – من أصل ألماني – حنة أرندت في كتاب في الثورة، ما الذي علينا أن نراه أو نسمعه عند الإصغاء لذلك الحوار الغريب، والذي ظن ليانكورت أنه يتعذر تغييره وهو خارج عن سلطة ملك، نعرف نحن أنه لا يقاوم ويتعذر تغييره؟

إن الجواب كما تقول يبدو بسيطاً. من وراء هذه الكلمات يمكننا أن نسمع ونرى حشود الناس في مسيرتها، وكيف اقتحمت الجموع شوارع باريس التي لم تكن عاصمة لفرنسا، بل عاصمة العالم المتمدن بأسره. أن نسمع ونرى هيجان الأهالي في المدن الكبرى مختلطاً اختلاطاً عميقاً مع انتفاضة الشعب من أجل الحرية. إن هذه الحشد الذي يظهر لأول مرة في وضح النهار كان في واقع الأمر حشداً من الفقراء والمسحوقين الذين اختبئوا فيما مضى في زوايا الخزي والعار. حين نفكر بالثورة إنما نفكر بتلك السيول الثورية والتي على أمواجها المتلاطمة ولد رجال الثورة، فحملتهم بعيداً إلى أن امتصهم تيار الماء المعاكس إلى تحت الماء ليهلكوا هم وأعداؤهم رجال الثورة المضادة. تيار الثورة الجبار يتصاعد باستمرار بفعل جرائم الاستبداد من جهة، وبفعل تقدم الحرية من جهة أخرى. حركة وحركة مضادة. لم توقف إحداهما الأخرى. بل كوّنتا بطريقة غامضة تياراً واحداً من عنف يتقدم ويصب في اتجاه واحد بسرعة متزايدة على الدوام. هذا التيار المهيب للحمم البركانية هو ما يعرف لا حقاً : بالثورة تأكل أبناءها. إذا أردنا أن نفهم ما هي الثورة، وما انطوت عليه عموماً بالنسبة إلى الإنسان ككائن سياسي وأهميتها السياسية بالنسبة إلى العالم الذي نعيش فيه، ودورها في التاريخ ، يجب علينا الرجوع إلى اللحظات التاريخية حين بدت الثورة بأصفى مظاهرها وبدأت بنشر سحرها في عقول البشر. بعبارة أخرى علينا الرجوع إلى الثورتين الفرنسية والأمريكية لفهم ماهية الثورة. كانت الثورة الفرنسية وليست الأمريكية هي التي أشعلت العالم. رغم أن الثورة الفرنسية انتهت بكارثة، فقد صنعت تاريخاً عالمياً، في حين أن الثورة الأمريكية التي كانت ناجحة بكل المقاييس قد ظلت حدثاً لا تتجاوز أهميته المحلية إلا قليلاً.

كل ظهور جديد للناس، كل فكرة جديدة تحدث تأثيراً مدوياً تحتاج إلى كلمة جديدة، سواءً جرى صياغة كلمة جديدة للتعبير عن التجربة الجديدة، أو تم استخدام كلمة قديمة وجرى إعطاؤها معنى جديداً تماماً. كانت الكلمات التي تخطر على البال لوصف الثورة هي العصيان Rebellion أو التمرد Revolt. ومعناهما قد تحدد و معروف منذ العصور الوسطى المتأخرة. ولكن هاتين الكلمتين لم تشيرا أبداً إلى تأسيس حرية جديدة. كانت النظرية في القرون الوسطى تعرف العصيان المشروع، والنهوض ضد السلطة القائمة، وتعرف التحدي والتمرد. ولكن الهدف من كل هذا لم يكن اعترضاً على السلطة أو النظام القائم، بل كان دائماً تبادلاً مع الشخص الذي في السلطة. كتبادل المغتصب بالملك الشرعي أو تبادل المستبد الذي أساء استخدام سلطته بالحاكم القانوني.

كلمة ثورة في الأصل كانت مصطلحاً فلكياً اكتسب أهميته المتزايدة من خلال العالم الفلكي نيكولاس كوبرنيكوس في كتابه De revolutionibus orbium coelestium. في الشئون العملية احتفظت كلمة الثورة بمعناها اللاتيني الدقيق، مظهرة بوضوح الحركة الدائرية للنجوم، وبما أن ذلك هو خارج تأثير الإنسان، وبالنتيجة فهو لا يقاوم. الكلمة لا تشير إلى العنف، بل تشير إلى حركة دائرية متكررة. كان أصل الكلمة قد نشأ في علم الفلك واستخدم على سبيل التشبيه في السياسة، فإذا استخدمت الكلمة للتعبير عن شؤون البشر على الأرض، فهي إنما تفيد بأن أشكال الحكومة القليلة المعروفة تدور بين البشر الفاني بتكرار أزلي وبالقوة ذاتها التي لا تقاوم، وتجعل النجوم تسير في الدروب المرسومة لها في السموات. حين نزلت كلمة الثورة من السماء لأول مرة وأدخلت في الاستعمال لتصف ما حدث على الأرض بين بني البشر الفانيين، فقد بدت بوضوح كمجاز أو استعارة، وهي تحمل الفكرة التي تفيد بحركة أزلية متكررة باستمرار لتقلبات المصير الإنساني صعوداً وهبوطاً، والتي شُبهت بالشروق والغروب للشمس والقمر والنجوم منذ الأزل.

إذا كانت هناك شخصية من شخصيات الثورة الفرنسية جسدت السيول الثورية تجسيداً كاملاً فهي في شخصية المحامي ماكسمليان روبيسبير. لم يعش سوى 36 عاما، وتولى حكم فرنسا بعد أن قتل دانتون، وبعد أن أعدم الملك لويس السادس عشر. خطيب مفوه ومنحاز للفقراء، ومؤمن بجان جاك روسو إيماناً أعمى. كانت الجماهير مفتونة به لكن كانت تخشاه لأنه كان يعرف نقاط ضعفها التي يمكن استخدامها ضدها. في كتاب الثورة الفرنسية للويس عوض تم ذكر بعض الخطب الرنانة التي كان يستخدما روبيسبير لتهييج الجماهير وإثارة مشاعرهم.

رغم أنه تولي السلطة ثلاث سنوات ثم انفرد بحكم فرنسا كحاكم مطلق لمدة عام واحد إلا أن فرنسا عاشت في ظل حكمه أسوأ عصور الإرهاب والطغيان، وأصبح الإعدام يومياً بالمقصلة من المشاهد المألوفة في باريس. قال عنه المؤرخون أنه قتل ستة آلاف مواطن فرنسي في ستة أسابيع دون أن يهتز له ضمير!

يقول عنه المؤرخ الإنجليزي هربرت ويلز في كتابه موجز تاريخ العالم: أصبحت الثورة تحت سلطان زعيم متسلط شديد التعصب هو روبيسبير. ومن العسير علينا أن نفضي في هذا الرجل برأي. كان ضعيف البنية جباناً بفطرته، لكنه أوتي ألزم الصفات لبلوغ القوة وهي الإيمان، ومن ثم أصبحت عقيدته الراسخة أن بقاءه في الحكم هو السبيل لإنقاذ الجمهورية، وخيل إليه أن الروح الحي للجمهورية قد نشأ عن تذبيح الملكيين وإعدام الملك. ما هو الإيمان الذي أعطى روبيسبير هذه القوة الطاغية؟ حنة أرندت فندت أن تكون الثورة الفرنسية ذات صبغة دينية مسيحية. الثورات الحديثة لم تكن مسيحية في الأصل كما يقال. حجة هذا الزعم هو الطبيعة الثورية للطائفة المسيحية الأولى التي أكدت على مساواة الأرواح أمام الإله، وعلى ازدرائها السلطات الدنيوية. إن العلمانية وفصل الدين عن السياسة وتصاعد دنيا المدينة ذات المنزلة الرفيعة هي عوامل جوهرية في الثورة، وعلى هذه الأساس، فالعلمانية، وليست المسيحية هي التي تشكل أصل الثورة. إذا الأصل ليس ديني صرف، ف أين يكون؟ الجواب عند روسو، ذلك الفيلسوف الذي كان روبيسبير مؤمناً به إيماناً أعمى! في الطرف المقابل للثورة الفرنسية، كان رجال الثورة الأمريكية قد اعتبروا نظرية مونتيسيكيو في الفصل بين السلطات الثلاث من أعظم الابتكارات التي طبقوها في الحكومة الجمهورية الجديدة، في حين أن هذه النظرية لم تقم إلا بدور بسيط جداً في فكر الثوريين الأوربيين في العصور كافة. يتساءل جون آدمز:

كيف تجعل خمسة وعشرين مليوناً من الفرنسيين الذين لم يعرفوا في السابق أي قانون سوى إرادة الملك أن يتجمعوا حول دستور واحد؟

الجواب عند روسو. جاذبية نظرية روسو التي شعر بها رجال الثورة الفرنسية إنما نشأت حسب تعبير أرندت لأن روسو قد وجد لهم وسيلة رائعة لوضع جموع الشعب بأكملها بموضع شخص واحد منفرد. ينطلق روسو من التجربة المعروفة بأن مصلحتين متعارضتين ستلتقيان معاً حين تواجههما مصلحة ثالثة تعارضهما معاً بالتساوي. من الناحية السياسية يفترض روسو وجود قوة جامعة لعدو مشترك. بحضور العدو فقط يمكن أن يحدث الأمر القائل: أمة واحدة غير قابلة للتجزئة. ولكن هذا العدو لا يمكن أن يظهر إلا في حالة الحرب مع عدو خارجي. روسو يبتعد أكثر من ذلك. كانت مشكلته أن يبحث عن عدو مشترك خارج حدود السياسة الخارجية، وكان الحل لديه أن مثل هذا العدو موجود في صدر كل مواطن من المواطنين! أي في إرادته الخاصة ومصلحته. عدو خفي يمكن أن يرقى إلى مصاف العدو المشترك للأمة. العدو المشترك في باطن الأمة هو المجموع الكلي لصالح المواطنين. إن الأمة ليست بحاجة إلى انتظار عدو خارجي حتى يوحد جموع الشعب. وحدانية الأمة مضمونة بالقدر الذي يحمل فيه المواطن بداخله العدو المشترك! العدو المشترك هو المصلحة المعينة، ولو أن كل فرد يهب ضد نفسه في خصوصيته فسيتمكن من أن يثير في نفسه خصمه بالذات، أي الإرادة العامة، ويصبح هذا المواطن من مواطني الكيان السياسي. إن القارئ في تاريخ الثورة الفرنسية ليأخذه العجب من نكران الذات الخاص بالثوريين. التجارب الحقيقية لنكران الذات الذي قال به روسو، وفضيلة الرعب التي قال بها روبيسبير لا يمكن فهمهما من دون الأخذ بالاعتبار الدور الحاسم الذي لعبته الشفقة في عقول و قلوب الذين أعدوا الثورة الفرنسية. القوة الوحيدة التي يمكن ويجب أن توحد الطبقات المختلفة للمجتمع فتجعلها قوة واحدة هي الشعور بالشفقة لدى أولئك الناس الذين لم يقاسوا عذاباً تجاه أولئك الذين قاسوا العذاب، أي الطبقات العليا تجاه أراذل الناس.

غالباً ما يعزى التمرد ضد العقل إلى رومانسية القرن التاسع عشر، كما فُهم القرن الثامن عشر بأنه عصر العقل و التنوير. ولكن، كما تكشف أرندت سر روبيسبير: أصبحنا نقلل من شأن الدعوات السالفة لمصلحة العاطفة، ولمصلحة القلب، ولمصلحة الروح المشقوقة إلى روحين. ولمصلحة ما سماه روسو الروح الممزقة. إذا كان روسو هو الذي أدخل الشفقة في النظرية السياسية، فإن روبيسبير هو الذي أتى بها إلى السوق المفتوح للعموم بالعنف الذي اتسمت به خطبه الثورية العظيمة. إن الإشفاق بصفته ينبوع الفضيلة قد برهن على أنه يمتلك من طاقة القسوة أكثر من القسوة ذاتها. العلة في فضيلة وشفقة روبيسبير هي أنها فضيلة بلا حدود. ما كان ليرى في حكمة مونتيسكيو التي تقول بأنه حتى الفضيلة يجب أن تكون لها حدودها، سوى أنها رأي مأثور عن قلب بارد. إذا أخذنا الحكمة المشكوك بها الناشئة عن إدراك الأمور بعد حدوثها فسنتمكن من إدراك حكمة مونتيسكيو الناشئة عن التبصر بالأمور، ونرى كيف أن فضيلة روبيسبير الموحى بها من الإشفاق قد عاثت فساداً بالعدالة واستخفت بالقوانين منذ بداية حكمه.

دائماً ما يتردد في الفكر السياسي أن الثورة الفرنسية كانت نتيجة طبيعية لأفكار فلاسفة التنوير من فولتير ومونتيسيكيو وروسو والموسوعة. قد لا يكون فولتير مثلاً فيلسوفاً بمعنى أنه صاحب منهج فلسفي ونظرية في الوجود والإنسان والحياة. ولا تقارن فلسفته مثلا بفلسفات كبيرة أحدثت زلزالاً معرفياً. ولكنه بالتأكيد فيلسوف حين يمارس النقد انطلاقا من العقل. و يعتبر من الرموز الفكرية الكبيرة التي أسست لحركة التنوير الفكري الأوروبي. أرندت ترفض بالمجمل فكرة أن هؤلاء فلاسفة. أهميتهم في تاريخ الفلسفة يكاد لا يذكر. كما أن إسهامهم في تاريخ الفلسفة السياسية لا يساوي أصالة أسلافهم في القرن السابع عشر. بيد أن أهميتهم في سياق الثورة كبير جداً، وهنا تنبع شهرتهم وتأثيرهم الحاد. يكمن تأثيرهم في سياق الثورة أنهم استخدموا مصطلح الحرية بتأكيد جديد لم يكن معروفاً من قبل. الحرية العامة التي قالوا بها لم تكن حيزاً باطنياً يلجأ إليه الناس بإرادتهم فراراً من ضغوط الدنيا، إن الحرية بالنسبة لهم لا يمكن أن توجد إلا في العلن. إنها واقع دنيوي ملموس، شيء خلقه البشر لكي يستمتع به البشر وليس هبة أو قدرة. إنها المجال العام أو السوق الحرة التي كان يعرفها القدماء باعتبارها المنطقة التي تظهر فيها الحرية وتغدو مرئية للجميع.

من أجمل الكتب التي تحدثت عن الثورة هو هذا الكتاب بلا شك. ولو كان لدي الوقت الكافي لتحدثت أكثر عن الفروقات بين الثورة الفرنسية والأمريكية وكيف أن الثورة الفرنسية تخطت حدود المعقول حتى أصبحت كل ثورة تقيس نفسها على المنوال الفرنسي، بينما يتم تناسي أو عدم الاكتراث للثورة الأمريكية التي كانت ناجحة، وتأثير الثورة الفرنسية في فلسفة هيجل، ودحض النظرية التي تقول بأن ماركس هو صاحب فكرة الثروة والحكم كما طرحت حنة أرندت.

اختم هذه القراءة عن الثورة الفرنسية من خالدة الروائي العظيم فيكتور هيجو البؤساء:

إن للثورة الفرنسية كما يعبر هيجو أسبابها. إن المستقبل سوف يغفر لها غضبها، أما نتيجتها فهي العالم الأفضل: الثورة الفرنسية هي المثل الأعلى مسلحاً بالسيف لا أكثر، وبتلك الحركة نفسها أوصدت باب الشر وفتحت باب الخير. نستطيع أن نقول أنها خلقت الإنسان من جديد بأن منحته نفساً ثانية، منحنه حقوقه، فبفضل الثورة تغيرت الأحوال الاجتماعية. إن الأمراض الإقطاعية لم تعد في دمنا، لم يبق شيء من القرون الوسطى في دستورنا. إننا ما عدنا نعيش في العصر الذي كانت التحالفات الداخلية تشن الغارات فيه، العصر الذي كان الناس يسمعون فيه تحت أقدامهم، العصر الذي تشققت فيه الأرض، وانفتحت فيه أبواب الكهوف، إن المعنى الثوري معنى أخلاقي، ذلك بأن الإحساس بالحق يولد الإحساس بالواجب، وقانون كل شيء هو الحرية التي تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين.

19/8/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s