The Remains of the Day


– أقول يا ستيفنز, هل أنت بخير؟
– بخير يا سيدي, شكراً جزيلاً.
– هل أنت على ما يرام ؟
– نعم سيدي, شكراً !
– ألا تشعر بأي منغصات؟
– لا يا سيدي, على الإطلاق .. عن إذنك يا سيدي.
( أحسست بشيء ما يلمس مرفقي, فاستدرت لأجد أنه اللورد دارلنجتون )

– هل أنت بخير؟
– نعم يا سيدي, بكل خير.
– تبدو كأنك تبكي؟
( ابتسمت وأخرجت منديلاً مسحت به وجهي)
– معذرة يا سيدي, إنه إجهاد يوم عصيب !

إجهاد يوم عصيب ؟ بكل هذه السهولة؟ وفاة الأب تحت قيادة الابن ويقول بكل هذه الأريحية إجهاد يوم عصيب؟ كنت أتمنى أن يخرج كل مكنونات نفسه لدقيقة واحدة فقط, أن يعطي نفسه ذرة من ذرات بقايا النهار, أن يكون سيد نفسه وصاحب إرادة وحرية وفكر, لكنها الكرامة .. إنها الكرامة بلا شك, وأي كرامة؟ كرامة رئيس الخدم ستيفنز!

الكرامة التي تحلى بها الأب وهو يقدم الخدمة كما يفرضها المنصب على جنرال هو المتسبب الرئيسي بقتل أحد أبنائه, هي الكرامة التي تحلى بها الابن التالي الذي تسلم منصب كان الأب هو المسيطر الرئيسي عليه. الجوهر الحقيقي للكرامة التي يتحلى بها المهني أو رئيس الخدم حسب تصرفات رئيس الخدم ستيفنز هي القدرة على عدم التخلي عن الكيان المهني الذي يسكنك. بمعنى أن لا تتهرب من الواجبات المهنية المفروضة عليك وأنت تتعرض لتلك المواقف القادرة على هز الجبال. رؤساء الخدم الصغار أو الموظفين الصغار بإمكانهم أن يتخلوا عن حياتهم المهنية عند أقل المواقف شأناً. أن تكون رئيس خدم معناه: أن تقوم بدور تمثيلي صامت, دفعة خفيفة, أو زلة بسيطة ثم تنهار الواجهة لتكشف عن الممثل تحتها. رؤساء الخدم العظام عظماء لأنهم قادرون على البقاء في دورهم المهني, الإقامة فيه برسوخ, الأحداث الخارجية لا تهزهم حتى لو كانت مؤلمة. يرتدون مهنتهم كما يرتدي رجل أنيق حلته. لا يترك الظروف تخلعها عنه في العلن, سوف يتخلى عنها “هو” عندما يريد ذلك فقط, وذلك لن يحدث إلا عندما يكون بمفرده .. إنها مسألة كرامة !


ماذا حدث؟ لم يخلع رداء المهنية حتى عندما يكون بمفرده. أتخيل لو أن الروائي البريطاني – الياباني كازوا إيشيجيرو لم يغفل مسألة أن يخلع ستيفنز رداء المهنية, في مكان مفرد معزول, حيث لا أحد معه في هذا القصر الذي دارت في أرجاءه صراعات القارة العجوز, يكشف عن نفسه ويتكلم, ليتكلم فقط ويقول أنا أحب السيدة كنتون .. لو قالها لزادت الشاعرية في هذه الرواية فوق شاعريتها الكثيفة, وحتى لو لم يقلها فلم تنقص الرواية شيء من ذلك. إن الميزة الرئيسية في هذه البقايا, بقايا النهار, هي في قدرة الروائي على بث مكنونات اللاشعور خارجاً دون وعي من المتكلم نفسه: حكاية الشغف بالعمل وتقديمه على كل شيء آخر: على جنازة الأب الذي يموت في الطابق العلوي من المنزل، فيما يستمر ابنه في ترتيب الأشياء وتأمين الحفل في الطابق الأسفل. تقديم العمل على الحب والافتتان. تقديم الإخلاص للعمل على المشاعر وحبسها وإلغاء فكرة الزواج من المرأة التي أحب من أجل التكرّس لتفاصيل النهار الذي لا يبقى منه في النهاية سوى البقايا.

تحكي الرواية قصة رئيس الخدم الإنجليزي المحترف ستيفنز من وجهة نظره، وتتوزع بين ذكرياته عن أيام سيده السابق اللورد دارلنجتون، اللورد الإنجليزي صاحب التأثير الكبير في السياسة الإنجليزية، والذي أُقصي فيما بعد عن الحياة السياسية البريطانية، ومات مُجللاً بالعار، لدعمه النازيين خلال الحرب العالمية الثانية بحسن نية تام. وعمله الحالي عند سيده الجديد، المالك الجديد لدارة دارلنجتون الفاخرة، الأمريكي السيد فاراداي.

تبدأ الرواية والتي تم تجسيده لاحقاً في فيلم من بطولة أنطوني هوبكنز و أوما تومسون بوصول رسالة إلى ستيفنز من السيدة كنتون، مدبرة المنزل السابقة التي خدمت معه في دارة اللورد دارلنجتون في شبابهما، تحكي فيها عن حياتها، وتُلمح إلى أن حياتها الزوجية لا تسير على ما يرام، مما يجعل ستيفنز يأمل في إمكانية إعادة ضمها إلى طاقم مستخدمي دارة دارلنجتون بسبب النقص الشديد في عدد المستخدمين في الوقت الحاضر، بسبب تغير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

يستعير ستيفنز سيارة السيد فاراداي الذي كان قد وعده بأن يعيره إياها ليذهب في رحلة إجازة في الريف أثناء سفر الأخير إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال رحلته, يتذكر ستيفنز أحداث حياته التي قضاها في خدمة اللورد دارلنجتون، والحياة الأرستقراطية وقتها، يتذكر وفاة أبيه، وتصرفات الآنسة كنتون عندما كانت مدبرة المنزل.

أوما تومسون/ السيدة كنتون من الشخصيات التي أخرجت اللاشعور في ستيفنز, ولا يمكن لأي قارئ للرواية أن ينسى حوارات كنتون وستيفنز, رغم الشدة في أسلوب مس كنتون. شدة أسلوب كنتون لها سبب رئيسي, وهي أن يتخلى السيد ستيفنز عن منصبه لدقيقة واحدة ليكشف وجوده كإنسان يحب ويكره في قصر دارلنجتون. لكن ذلك لم ينجح. تحولت شخصية كنتون في نهاية الرواية إلى النقيض من ذلك. أصبحت هادئة ولا تهتم لإخراج اللاشعور عند ستيفنز, لأن الأوان قد فات. على الطرف الآخر السيد ستيفنز يتخلى عن رداء المهنية ويحاول ممارسة الدور الذي كانت تمارسه مس كنتون, كان يريد إخراج اللاشعور لديها؟ هل تحبه؟ لماذا تهرب من زوجها كما تقول في رسائلها؟ هل تريد العودة لدارلنجتون هول؟ لا يوجد تحولات درامية تعصف بالرواية أو الشخصيات. الرواية هادئة هدوء قاتل. قوتها وجمالها الكثيف يظهر في هذا الهدوء الذي يسكن القصر بعد رحيل سيده اللورد. وفي مهنية السيد ستيفنز, وفي إلحاح مس كنتون.

شاهدت الفيلم بالأمس بعد أن انتهيت من قراءة الرواية. من الأعمال القليلة التي تجعلك تؤمن أن هناك أعمال سينمائية بإمكانها إجادة عملية الترجمة الأنترسيميوطيقية بشكل محترف. أنطوني هوبكنز في هذا الفيلم, بسيمياء وجهه (العيون/ الفم) كان يتحدث ويخلق نص حواري آخر بعيداً عن الحوارات المشاهدة. في الفيلم لم يقل كلمة أحب ولا مرة, ولكنه كان ينطق بذلك من دون شعور: عند حادثة الكتاب و وفاة الأب, يصل النطق السيميائي إلى أقصاه في نهاية الفيلم, تحت زخات المطر.

أخيراً, لا يوجد في الفيلم أحداث دراماتيكية عاصفة ولا قصة حب عنيفة ولا شيء من هذا القبيل. مجرد ذكريات وقصة هادئة لرئيس خدم دارلنغتون, السيد ستيفنز. جمال الفيلم والرواية ينبع من هذا الهدوء الذي يسكن الفيلم من البداية .. وحتى النهاية.

لا أنسى بالطبع الحوار الذي دار في بقايا ذلك اليوم, في غرفة رئيس الخدم ستيفنز, مع السيدة كنتون, اقتبس هذا الحوار مع التحية بالتأكيد لمن نشر وتحدث عن الرواية هنا من قبل, الصديق ابراهيم.

– أنا في حيرة يا سيد ستيفنز, ماذا يمكن أن تقرأ؟
– كتاب يا مس كنتون! .. كتاب!
– واضح, لكن أي نوع من الكتب, هذا ما أريد أن أعرفه؟
– بصراحة يا مس كنتون, لا بد أن تحترمي خصوصيتي!
– لكن, لماذا أنت خجل إلى هذه الدرجة؟ لا بد أن يكون شيئاً بذيئاً؟
– غير وارد بالمرة أن يكون هناك كتاب بذيء في مكتبة اللورد!
– لقد سمعت أن كثير من الكتب الثقافية الهامة تحتوي على أجزاء بذيئة, وإن كنت لم أجرئ على النظر إليها حتى الآن .. والآن, أرجوك يا سيد ستيفنز .. ارني الكتاب .. دعني أرى ما تقرأ؟
– أرجوك أنت تتركيني لوحدي يا مس كنتون. من المستحيل أن تثقلي عليّ هكذا في لحظات الفراغ الوحيدة المتاحة لي للإنفراد بنفسي!
– أرجوك .. ارني الكتاب الذي تمسك به يا سيد ستيفنز, وسوف أتركك تستمتع بقراءته .. ماذا يمكن أن يكون يا ترى ذلك الذي لا تريد أن تريني إياه؟
-لا يهمني على الإطلاق أن تكوني عرفت عنوان الكتاب أم لا يا مس كنتون! من ناحية المبدأ أنا اعترض على ظهورك هكذا فجأة واقتحام وقتي الخاص!
( تقدمت نحوي برقة, تحاول تخليص الكتاب من يدي, فكرت في أن أفضل ما يمكن أن أفعله هو أن انظر بعيداً, ولكنها كانت تقف أمامي مباشرة. أشحت عنها بوجهي فقط, وبزاوية غير طبيعية إلى حد ما. حاولت أن تأخذ الكتاب من يدي واستمر ذلك وقتاً, إلى أن سمعتها تقول )
– يا إلهي .. شيء لا يستحق الخجل منه أو الشعور بالعار. ليست سوى رواية عاطفية يا سيد ستيفنز!

24/6/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s