هكذا تحدث واسيني الأعرج

عندما أفكر بقراءة واسيني الأعرج, أعرف بأني سأقرأ عمل أدبي الجانب اللغوي يحتل القسم الأكبر منه بغض النظر عن القصة الرئيسية في العمل الروائي. كانت أول رواية لواسيني الأعرج أتم قراءتها بالكامل هي رواية سيدة المقام/ مراثي الجمعة الحزينة. تململت في بداية الرواية, وما إن وصلت فصل الجنون العظيم, حين تؤدي مريم رقصة الموت الأخيرة على أنغام شهرزاد, حتى أخذ واسيني الأعرج بعقلي لقدرته البارعة و المتميزة على اللغة. لأول مرة أقرأ لغة تلعب على العواطف, وليست باردة. في النصوص النثرية, أو ما تسمى بالشعرية: تلك التي تكتب عن أنين الإنسان و عواطفه وشجونه, تكون باردة – هكذا أعتقد – وتحتاج لقارئ يعشق الشعر حتى يتم قراءة مثل هذه الأعمال. أتذكر الآن كيف قرأت فصل الجنون العظيم, كنت أسرع في قراءة هذا الفصل الساخن, كان نصاً ساخناً يأكل ما أمامه. أعدت قراءة هذا الفصل مرات كثيرة. لم يكن نصاً روائياً يصلح للقراءة. بل كانت مسرحية موسيقية كبيرة تصلح للمشاهدة. رقصة الموت الكبيرة وليلة الجنون بعينه. مريم التي تحمل شهادة تقدير من الوطن عبارة عن رصاصة تعيش في رأسها لـ أبد الدهر تسخر من الوضع المزري للبلاد والتعصب الذي انقلب إلى إرهاب مخيف، لم يبقِ على شيء، مصحوباً بخطاب تكفيري عن طريق عشقها الأبدي، رقصة شهرزاد وعلى أنغام نيكولاي ريمسكي كورساكوف. لم أسجل في توقعاتي أني سأعيد قراءة الرواية من جديد. ولكن الروائي واسيني الأعرج يجبرك على قراءة الرواية.

قرأت قبل مدة كتاب هكذا تحدث واسيني الأعرج لكمال الرياحي, وهي مقابلة مطولة مع واسيني الأعرج, تحدث فيها عن الطفولة ومراتع الصبا وكتاب ألف ليلة وليلة الذي خلب عقله, وعن الأم التي سيكتب عنها في يوم من الأيام رواية. وعن الإرهاب وقوائم الاغتيال, وبالتأكيد عن الأدب واللغة.


أتوقف عند الحديث عن أعمال واسيني لأنها الأهم بالنسبة لي في الكتاب. كنت أنتظر تفصيلات حول سيدة المقام, كيف كتب الرواية. في الغلاف الثاني كانت النتيجة مختلفة عن ما توقعت. كتب واسيني سيدة المقام وهو موقن بأنه في أي دقيقة, سيتلقى رصاصة اغتيال ترديه قتيلاً في شوارع الجزائر: ” كنا نخاف من اختطاف أو موت قاس, وكلنا نتمنى أننا إذا سقطنا بين أيديهم أن نموت برصاصة بدل الذبح بمنشار صدئ والكثير منا اشترى قرصاً من السيانور(السم) وهو قرص صغير كان يوضع بيافطة القميص, قريباً من الفم, بحيث إذا ألقي القبض علينا يكفينا أن نعض على رأس اليافطة لنأكل القرص القاتل فنموت بسرعة خارقة, بلا ألم! هي حالة جنون منظور لها من الخارج ولكنها من الداخل استماتة إلى أقصى حد في الدفاع عن الحق في الحرية والكتابة. كتبت سيدة المقام حتى قبل أن ينتقلوا إلى القتل, كنت أراهم قادمين بأدواتهم الجهنمية, ولكم أكن قادراً على الصمت واضعاً حياتي وحياة أبنائي في خطر. عندما وضعوني على قائمة المقتولين حرروني. الإنسان عندما يعرف أنه سيقتل لن يصبح لديه شيء يخسره ولهذا سيحاول في اللحظة الفاصلة بين الحياة و الموت أن يقول ما يمكن أن يقوله إنسان يريد أن يقول كل شيء قبل أن يموت “.

قرأت تفاصيل عن رواية الأمير في الكتاب. بدأت بقراءتها قبل أيام وانتهيت منها قبل قليل. واسيني الأعرج في رواية الأمير.. مسالك أبواب الحديد يقدم رؤية جديدة لأعماله. اختفت اللغة الشعرية الكثيفة التي تحتل مساحات واسعة من العمل الفني, لا يعني ذلك أن اللغة الجميلة اندثرت. ولكن, الشيء الجديد والظاهر للعيان أن الرواية تسير في طريق النص الكلاسيكي: من بداية و حوارات مطولة وسرد للأحداث وخاتمة محكمة للعمل.

تدور الرواية عن أشهر شخصية جزائرية في التاريخ الجزائري, وحتى الفرنسي كذلك. اختلطت شخصية الأمير عبد القادر الجزائري, القائد الجزائري الإسلامي وشخصية عبدالقادر الكيلاني في الخيال الشعبي مما أضفى قدسية عامة على شخصية عبدالقادر وابتعدت عن الرؤية الواقعية للأمير الإنسان. ليس هذا وحسب, المدرسة العسكرية الفرنسية تراه مجرماً, ومدرسة أخرى تراه على العكس من ذلك, قائد روحي وثائر عادل. وحتى في الجزائر حسب قول الأعرج: هناك من يراه خائناً ومتساهلاً مع فرنسا, وطرف آخر يراه عظيماً. من هنا جاءت خصوصية الأمير. يستلهم الأعرج شخصية الأمير ليقدمها من جديد كشخصية تاريخية جزائرية إنسانية لم يكتب عنها عمل روائي واحد, أو يعمل من أجلها عمل سينمائي أو مسلسل تليفزيوني يحكي سيرة الأمير الذي أعلن الثورة والجهاد ضد المحتل الفرنسي: ” رأيت في فترة من الفترات أن الأمير شخصية لم يقع التعرض عليها بشكل جيد, ولم تفهم جيداً, فهي شخصية يمكن قراءتها في مستويين: مستوى الحرب, ظل الأمير يقاتل ويجاهد مدة سبعة عشر عاماً بسلاح تقليدي, وفي قمة الجبال. والمستوى الثاني هو رجل دولة, بمعنى رجل سياسة وتفاوض. اختار مسلكاً خاصاً أكن له كل احتراماً كبيراً, ولكن دفعني هذا الاحترام إلى أنسنة هذا الرجل الذي أصبح أسطورة, وهذا كل مجهودي في كتاب الأمير.”

يفتتح الكاتب روايته بجون موبي, خادم قس الجزائر ديبوش, وقت الفجر في مركب يملكه بحار مالطي ومعه تربة قبر ديبوش ينثره في بحر الجزائر، وينتظر وصول رفات ديبوش لدفنها في الأرض التي أحبها، وفي أثناء ذلك يحكي جون للبحار المالطي حكاية ديبوش والأمير. يحكي جون موبي روايته عن سيده الذي ارتبط بعلاقة صداقة وأخوة عميقة مع الأمير عبد القادر الجزائري منذ أن حضرت امرأة عارية الصدر تستنجد به لينقذ زوجها الضابط الفرنسي من سجن الأمير، فيرسل ديبوش إلى الأمير رسالة يطلب فيها تحقيق رجاء هذه الزوجة باسم الإنسانية، فيستجيب إليه الأمير بأريحية لم يكن القس يتوقعها، بل ويعطي القس درسا حقيقيا في الإنسانية عندما يذكره أن الفضائل لا تتجزأ، وعلى من يسعى لتحرير السجناء الفرنسيين والتخفيف عنهم أن يفعل الشيء نفسه مع السجناء الجزائريين في السجون الفرنسية. يحكي جون كيف أن هناك تشابهاً كبيراً بين الرجلين الأمير والقس، في نبلهما، وإخلاصهما للمبادئ العليا، وإيمانهما بالله. ذلك الإيمان العميق الذي يجعل المؤمن يعطي من نفسه وماله لأخيه في الإنسانية بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى، وكذلك تشابههما في أنهما جاءا في الزمن الخطأ، زمن الجشع والخيانات، فكما أن القس كان يصرف كثيرا على الأعمال الخيرية حتى أصبح مديناً مهدداً بالسجن وهرب من الجزائر حتى وجد من يسدد عنه ديونه، فإن عبد القادر كان يصرف سنوات عمره في حلم الوحدة والتحرر وبناء دولة حديثة، وكما لم يجد القس سوى الجشع والطمع، لم يجد الأمير سوى الخيانة من الأقربين.

لن أحكي كثيراً عن الرواية, أترك ذلك للقارئ الذي سيجد الخيانة و المنفى وحلم الثورة والجهاد, وخيانة الأقربين قبل ظلم الأعداء, متجسدة في حياة هذا الأمير. اقتبس هذا الجزء من الرواية والأمير في الأسر, والذي أعتقد بأنه يحكي حكاية الأمير عبدالقادر, من الثورة والجهاد حتى خيانة الأقربين والسجن والظلم في سجون فرنسا : ” صمت الأمير قليلاً وبلع ريقه بصعوبة كبيرة. رأى الأدخنة المتصاعدة وصرخات الأطفال والنساء الذين فوجئوا في غفوتهم, ورأى بألم كبيرة الثلاثمائة فارس الذين ارتموا بقوة في أتون النار وهم يعرفون سلفاً أنهم سيموتون, ولكنهم كانوا يفعلون ذلك لترك الفرصة لما تبقى من الزمالة لكي يفلتوا و ينجو من نار مفجعة و موت مؤكد.

– سيدي ماذا أفعل؟

– لم يرد الأمير, ولكنه قام من مكانه وفتح النافذة التي تنتهي في الحديقة والصمت. لم يسمع ما يخرجه عن حزنه وأشواقه المنكسرة. ولكنه عندما دقق السمع قليلاً انتفى كل شيء ولم يبق أمام عينيه إلا ضجيج الخيل وهي تترافس وتتقاطع بقوائمها الأمامية والسيوف وهي تحدث بريقاً وشعلات كلما تقارعت في الفضاءات قبل أن تنغرس في الأجساد الطرية للفرسان وصدور الأحصنة. تناهى إلى سمعه الذي ازداد حدة صوت الأبواق وهي ترتفع عالياً والنداءات وهي تتقطع بقوة في خلاء زادت وحشته, وسط الضباب الكثيف وحوافر الخيل, وهي تبحث عن مواقعها لتثبت في أمكنتها تحت السيل الجارف من رشقات البنادق, وتقطع نصول السيوف مخلفة حشرجات وتنهدات, تشبه الزفرات الأخيرة التي تسبق الموت عندما يصبح هو سيد الساحة المظلمة بالأتربة المتصاعدة والخوف الذي لا يُرى إلا في العيون القلقة والمهلكة : ” من أين جاء يوسف بكل هذا الحقد؟ ما حدث, كان يجب أن يحدث “. تمتم الأمير وهو يحاول أن يفتح عينيه بصعوبة كبيرة, ويتفادى ذلك اليوم الذي صار بعيداً ولكنه قريب دوماً كالجرح”10 مايو 1843م.

19/7/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب عربي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s