حامي الهنود: الأب فراي بارتولومي


أين قرأت عن طفل يتم انتزاعه من صدر أمه, ثم يتم تقطيع يده اليمنى واليسرى ويتم تقديمها للكلاب, ثم يلوح به ويقذف إلى أقرب صخرة, أو إلى أبعد مكان ما, في تلك الأرض المسالمة؟ أين قرأت عن مملكة, ممالك, مدن, جميع سكانها من أكثر بلاد الأرض طمأنينة, لا تعرف الشر, طيبة بالغة الوفاء, بل أكثر شعوب الأرض تواضعاً وصبراً وسكينة, لا تعرف الحقد ولا الخصام, يتم إفنائها في ساعتين فقط؟ مليون, مليونين, عشرات الملايين يساقون عبيداً عبر المحيطات, تقطع أيديهم بحجة أنها طعام شهي للإنسان؟ يتم حرقهم من أقدامهم حتى تصل النار الملتهبة إلى الدماغ؟ يتم جمعهم في حصن ويتعرضون لألسنة اللهب؟ السيوف تدخل إلى تلك المدن وتفني الأرض عن بكرة أبيها بلمح البصر!

لم أقرا أبداً, حتى في أدب السجون الذي لا يضارع في التعذيب والتنكيل, ما يفوق شهادة الأب برتولومي كي لاس كازاس عن أحوال بلاد الهند أو القارة الأمريكية التي اكتشفها كولومبوس. إذا كان كولوموبس هو أهم شخصية في القارة الأمريكية, فإن هذا الأب المسيحي هو أهم منه بكثير, لأنه كشف للعالم خفايا تلك المجزرة الرهيبة التي أفنت ملايين من البشر في سنوات قليلة. القس فراي بارتولومي دي لاس كاساس. مبشر كاثوليكي إسباني. ولد في أشبيليا. أُطلق عليه لقب رسول جزر الهند ولقب حامي الهنود بسبب دفاع المستميت عن سكان أمريكا الأصليين. ناضل دون هوادة منذ وصوله إلى أمريكا عام 1502 ضد الممارسات العنيفة التي كان الغزاة الأسبان يقترفونها في حق أهل البلاد. ألف كتاب بعنوان قصة تدمير بلاد الهند, وفيه يروي أدق التفاصيل عن مساؤى الغزو الإسباني للعالم الجديد. وكتاب آخر بعنوان التاريخ العام لبلاد الهند.


لا أخفي إعجابي بهذه الشخصية. لقد ثار على أبناء عصره وكنيسته, ثار على البابا والملك ليكشف للعالم خفايا الإنسان المميتة, حكاية القوات التي تحمل الصليب في المقدمة: أول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية أو مدينة هو ارتكاب مجزرة مخيفة فيها .. مجزرة ترتجف منها أوصال هذه النعاج المرهفة . لم يلتفت للدين ولم يلتفت للآراء المتضاربة, كان شاهد عيان, كان إنساناً يلتقي أخيه الإنسان المعذب في تلك القارة الجديدة.

يصف الأب بعض الرهبان يلهثون وراء الذهب, ويحدثنا عن رئيس المطارنة الذي كان يرسل خدمه ليأتوه بحصته منه. كان الجميع متفق على سرقة البلاد, عسكراً و رهباناً. هؤلاء يريدون الذهب بتعذيب الأجساد وقتلها, وأولئك يريدونه بتعذيب الأرواح وقتلها. كانوا جميعاً يشهرون سيف المسيح, والمسيح منهم براء. يقول: “لقد قال المسيح ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب, فلماذا أيها الملك ترسلون الذئاب الجائعة المتوحشة التي تذبح وتهلك النعاج.”

في الفصل الذي يتحدث فيها الأب فراي بارتولومي عن جرائم الأسبان, أورد حكاية تبين كيف وصل مستوى القتل والتنكيل إلى مستوى العقل نفسه لا يستطيع التفكير بها. في كوبا, في بداية الغزو الإسباني, كان هناك زعيم قبلي يدعى هاتوي. جمع أفراد قبيلته حوله حين علم بقدوم الأسبان, وسأل : هل تعرفون لماذا يفعلون ذلك؟ إنهم يفعلون ذلك من أجل ربهم الذي يعبدونه ويقدسونه. إنهم يريدون أن نؤمن به ولهذا يقتلوننا. كان هاتوي يملك سلة صغيرة ممتلئة بالذهب, فابتسم لأبناء قبيلته وقال: هذا هو رب المسيحيين. إنه الذهب. هيا لنرقص له ونرضيه, فربما سمع دعائنا وأمر المسيحيين ألا يذبحونا. وصرخوا جميعاً: حسناً حسناً. ثم رقص الناس حد الإنهاك. بعدها قال : اسمعوني جيداً, سوف أرمي بهذا الذهب في النهر لأنهم سوف يقتلوننا بسببه. وكذلك فعل.

عندما عرف المسيحيون بذلك علقوا مشنقته, ثم جاءه راهب محاولاً استمالته للدين المسيحي قبل الموت. قال له الراهب أن عليه أن يغتنم هذا الوقت القصير قبل موته ليؤمن. لأن إيمانه سوف يدخله الجنة أو إلى النار إن لم يؤمن.

في مشهد يكشف حجم العذاب الذي عاناه السكان الأصليين, قال زعيم القبيلة الهندية هاتوي: هل هناك مسيحيون في الجنة؟ قال الراهب : معظمهم هناك. عندها قال الزعيم الهندي من غير تردد: إنني أفضل دخول النار عن أن ألتقي بكم في الجنة. أرسلني إلى النار. هكذا أصبحت سمعة المسيحيين في بلاد الهند بفضل ما ارتكبوه من جرائم لا تعقل.

أتساءل كيف استطاع الأب فراي بارتولومي أن يكتب هذه الجرائم التي لم يستطع إلا كتابة شيئاً يسيراً عنها, ولا تستطيع المخيلة البشرية أن تكتب مثلها؟ إن يوم القيامة هو اليوم الذي سيثأر الله فيه من هذه الشناعات المزرية في بلاد الهند .. تلك التي ارتكبها من يحمل لواء المسيحية ! حسب قوله.

نشيد للأب بارتولومي
بابلو نيرودا:

يُفكر أحدنا, لدى عودته إلى بيته,
في الليل, منهوكاً وسط ضباب أيار البارد,
عندما تصعد الكآبة حتى مزلاج البيت لتدخل معنا,
ينبثق ضوء قديم, ناعم وقاس
مثل معدن, مثل نجم مدفون.
أيها الأب بارتولومي, شكراً لهذه الهدية.
في منتصف الليل الفج,
شكراً لأن شعاعك كان عصياً على الهزيمة.
كان يمكن أن يموت دعساً, أو أن يأكله
الكلب ذو الأنياب النزقة.
كان يمكن أن يبقى في رماد البيت المحترق.
كان يمكن أن تقطع السكين الباردة.
سكين القتلة الذي لا يُحصون
أو الحقد المغلف بالابتسامات,
( خيانة المصلوب التالي ).
أو الكذبة الملقاة من النافذة.
كان يمكن أن يموت الخيط البلوري الكامل الشفاف
المتحول إلى فعل, إلى نضال, إلى هاوية شلال فولاذية.
حيوات قليلة مثل حياتك يعطي الإنسان
ظلال قليلة مثل ظلك في الأشجار,
جميع الجذور الحية في القارة : هرعت.
كل المصائر المخربة, وجراح الأيدي,
والقرى المبادة,
جميعها تولد من جديد تحت ظلك.
فأنت تؤسس للأمل من تخوم الاحتضار.
أيها الأب,
من حسن طالع الإنسان و نوعه
أنك أتيت إلى هذه المزرعة
وأنك قضمت بأسنانك غلال الجريمة
وأنك شربت كل يوم كأس الغضب
من الذي وضعك, أيها الفاني العري بين أنياب الحقد؟
كيف أطلت عيون أخرى من معدن آخر عند ولادتك؟

كنت واقعاً بين الأشباح الدموية
كنت سرمدية الرقة فوق عصفة العذاب
عندما كنت تعرض وحدتك, وسفينتك المدافعة,
ويدك التي تُبارك بها, وعباءتك,
داس العدو الدموع
وهشم لون السوسن

كان الحق مادتك الجبارة.
كان بنيانك زهرة منتظمة
من فوق أرادوا تأملك
( من عليائهم ) : أراد الغزاة التطلع إليك,
وهم متكئون كأشباح حجرية على سيوفهم
يُثقلون أرض مبادرتك ببصاقهم الساخر
ويقولون : ( ها هو ذا المحرض )
و يكذبون : ( لقد دفع له الأجانب )
( ليس له وطن )
( إنه يخون )

ولكن موعظتك لم تكن لحظة ضعف
ولا إرشاداً عابراً
ولا ساعة صفر
لقد كان خشبك غابة مقاتلة,
حديداً في داليته الطبيعية
مختفياً عن كل ضوء
تحت الأرض الزهرة, بل كان أعمق من ذلك :
في وحدة الزمن ,
في مسيرة الحياة, كانت يدك المتقدمة
نجمة من أبراج السماء, شارة للشعب.

أدخل معي اليوم, يا أبتاه, إلى هذا البيت.
وسأعرض عليك رسائل شعبي وآلامه,
والإنسان المطارد فيه.
سأعرض عليك الآلام القديمة ذاتها.

ولكيلا أسقط,
لكي أثبت نفسي على الأرض,
سأستمر في النضال,
دع في قلبي نبيذ التشرد
وخبز عذوبتك الذي لا يستكين.

22/6/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s