الأمير عبدالقادر الجزائري

إنني لم أصنع الأحداث, بل هي التي صنعتني, إن الإنسان مثل المرآة, والمرآة لا تعكس الصور الحقيقية إلا إذا كانت واضحة وصافية. لا تسألوا أبداً ما هو أصل الإنسان وفصله, بل اسألوا حياته وأعماله وشجاعته ومزاياه, وعندئذ تدركون من يكون

لم تكن قرية قيطنة الجزائرية المغمورة تعرف وهي تستقبل أولى مواليد القرن التاسع عشر أنها ستكسب شهرة طاغية, وستنال شرفاً ما بعده شرف إذ هي ترحب بقدوم هذا المولود الأمير. بقيت طويلاً وهي نائمة بهدوء, وقد آن لها أن تستيقظ من غفوتها حتى تسير على صفحات التاريخ. فتح الوليد عينيه ليتعرف على الدنيا من حوله, كان أول ما أدركه شدة حب أبيه عليه وحنوه وهو يحتضنه إليه, وإيثاره على إخوته. لم يكن ذلك ما يثير الحياء أو الخوف. وعلى الرغم من ذلك, فقد ظهر وهو يخاف حتى من ظله, ولعل نعومة تكوينه كانت مصدر مخاوفه, فقد خلق وسيماً جذاباً, يكاد يقترب به إلى الجمال الأنثوي من الجمال الرجولي: أنف متوسط يبرز من وجهه, لا هو بالأنف الإغريقي ولا هو بالروماني. تحته شفتان منحوتتان بدقة ومضغوطتان تنمان عن التحفظ المهيب والثقة بالهدف. بينما تشع عينيه الصافيتان العسليتان تحت جبهة عريضة في بياض الرخام, مع نعومة مكتومة وحزينة. كان ذلك هو عبدالقادر بن محيي الدين المشهور بالأمير عبدالقادر الجزائري.

كانت ثقة الأب بعبد القادر مطلقة, ولا أدل على ذلك من اجتماع مدينة معسكر, حين تنادى زعماء القبائل إلى محيي الدين راجين منه أن يتولى قيادة البلاد نحو الثورة ضد التدخل الأجنبي. ثم قبل بها محيي الدين, وفي نفس الدقيقة, في لحظة القبول تلك, أهدى تلك القيادة إلى ابنه الذي يظن فيه كل الخير وكل الصلاح لقيادة البلاد: الأمير عبدالقادر الجزائري.


كنت قد قرأت قبل سنتين كتاب صغير يحكي قصة الأمير عبدالقادر محيي الدين الجزائري بعنوان الأمير عبدالقادر لبسام العسلي. من مولده ونشأته, وتسلمه الحكم بعد رفض أبيه للسلطة. وقصة الثورة الجزائرية والحروب والمعاهدات بين عبدالقادر والجنرالات الفرنسيين , إنتهاءً باستسلام عبدالقادر للفرنسيين, وسجنه في فرنسا, وإطلاق سراحه بعد كتابة خطاب لـ لويس نابليون يتعهد فيها بعدم العودة للجزائر نهائياً. الكتاب يعطي لمحات من تاريخ و شخصية الأمير عبدالقادر ومدى ارتباطها بتاريخ الثورة الجزائرية. اعتمد المؤلف على مصادر جزائرية من وزارة الإعلام, وعلى مصادر فرنسية, إضافة لرسائل الأمير عبدالقادر نفسه. الرسالة التي كتبها الأمير عبدالقادر الجزائري للويس نابليون موجعه. رغم أنها تحمل تعهداً بعدم العودة للجزائر وحمل السلاح على الإطلاق إلا أن عبدالقادر التزم بوعده للويس وأعتقد أن كتابته للرسالة ما كانت لتتم إلا بعد أن توفي ابنه وابنته وابن أخيه بين يديه صبراً في سجون فرنسا.

لم تكن لدي النية لقراءة الكتاب مرة أخرى ولكن رواية الأمير لواسيني الأعرج تجبرني على قراءة ما يمكن أن تكون مقدمة لهذا الأمير. هناك مشاهد في حياة الأمير تستحق أن يدون عنها. أتحفظ على قراءة ما دون عنها تاريخياً, ما دون روائياً أعتقد أنه يستحق: من أنين عبدالقادر بعد تلاشي وتفرق القبائل وخروجها عن يديه, ثم المحاصرة من الأقربين قبل أن يأتي الحصار من العدو. أمير يقاتل, يقود ألوف مؤلفة من الفرسان والمشاة, ثم الأمير الذي يبكي رفاقه الشهداء في سجون فرنسا, وفقد الابن والابنة, بين يديه.

حينما وقف الأمير فجأة وسأل رجاله الذين أخذتهم مهابته: هل تذكرون القسم الذي أقسمتموه قبل ثمانية أعوام في الميدة عند استئناف الحرب؟ كنت أعتبر ذلك القسم ملزم لي نحوكم, كما هو ملزم لكم تجاهي. إن هذا الشعور وحده هو الذي جعلني أتابع حمل راية الجهاد في سبيل الله حتى اليوم, فإذا كنتم تعتقدون أنه ما زال بوسعي أن أقوم الآن بأي شيء فأخبروني, وإن كنتم لا تعتقدون ذلك فأسألكم أن تعفوني من القسم الذي التزمت به تجاهكم.

هذا القول للأمير رغم مرارة الهزيمة إلا أنه يحمل كل مقومات النبل, فهو لم يستسلم من أجل مجد أو من أجل مال, أو حتى من أجل نفسه, كانت أمور الدولة تحت يده, إلا أن الدسائس وحاجة الإنسان الضعيف للأمن حتى لو كلفه ذلك الإستقواء بالأجنبي دفعته إلى ركن محصور في أقصى المغرب العربي. لم يقف معه أحد, جميع الذين أرسل لهم من الدول المجاورة يطلب منهم الدعم والمساندة, لم يستطيعوا لقوة الآلة الفرنسية في تلك الفترة. انتهى هذا الوضع المريع, عندما أخرج الأمير عبدالقادر الجزائري قطعة من الورق ووضع عليها خاتمه. كان المطر الغزير يعيقه عن الكتابة, فترك للفارسين المكلفين بنقل رسالة الاستسلام إلى الجنرال الفرنسي لامورسيير. كان المطر في صفه, لا يريد أن يكتب شيء على الورق يعلن أن الأمير سيستلم, لكن ما حدث قد حدث. طوال قراءتي لسيرة الأمير أشاهد فارساً عربياً عظيماً, لم يكن استسلامه هزيمة, بل انتصاراً له وهزيمة لمن رفض معاونة الأمير ومن وقفوا في وجهه, رحمه الله.

15/7/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s