ألف شمس مشرقة


لا تحزن .. يوسف عائد إلى كنعان
لا تحزن ..الخراب سيتحول إلى مروج ورد
وإن أتى الطوفان ليغرق كل حي :
لا تحزن .. لأن نوح, دليلك في الإعصار!

حافظ الشيرازي/ مقطع من الرواية.

لأول مرة أقرأ كتابين بنفس الوقت. كتاب رسول حمزاتوف بلدي, و رواية خالد حسيني الثانية ألف شمس مشرقة. أقرأ فصل من هنا, وفصل من هناك. ولا عجب أني حتى الآن لم أتعرض لتشويش, فكلا الكتابين تجمعهم ثيمة واحدة: الوطن. وإن كان كل مؤلف تحدث عن الوطن بطريقته الخاصة. حمزاتوف يمطرني شِعراً ونثراً حين يتحدث عن وطنه, عن جبال داغستان, عن سكان الجبال, وعلاقتهم بالأرض, بالهواء, بالشعر, بالكتاب, بالموسيقى, عن تسادا, والأب, وأبو طالب, ورسول, وعن الشِعر, والأغاني, و النسور: تلك الساكنة في أعالي الجبال. حين أقرأ لحمزاتوف لا أستعجل في القراءة, فلا وجود لحدث درامي في الكتاب: إنها تأملات في الطبيعة البشرية لسكان الجبال, وسيرة ذاتية للمؤلف, وحالة التوحد بين المؤلف, والمُؤلف الكتاب.

أما خالد حسيني, والشموس المشرقة, ف يا لبؤس التفاصيل الصغيرة التي تريد أن تتحدث عنها, و يخونك القلم ولا تستطيع التعبير عنها. كان حمزاتوف يرافقني لأيام, ولم أعلم أني تخليت عنه لأسبوع متفرغاً لقراءة أنين خالد حسيني في عمله الثاني A Thousand Splendid Suns.


خالد حسيني يكتب عن أفغانستان, عن نساء أفغانستان. مريم وليلى. وحين يدور الحديث عن أفغانستان, كيف يستطيع الروائي أن يتحدث عن أفغانستان؟ هل عن الموت المنبعث من مدن القبور الحية؟ أم الفقد والحزن اللامتناهي بكل قصة أفغانية، أم عن الناس وهم يجدون طريقة ما للبقاء والاستمرار في الحياة؟

في أغلب قراءاتي الروائية, كانت مشاهد الموت هي الأكثر تأثيراً و تفضيلاً كذلك. كنت أراه الطريق للحرية الخالدة, والبدء بحياة جديدة. أو حتى تصوير الموت لدى الروائي نفسه, قد يحمل صورة سينمائية لا يقدر على كتابتها إلا العباقرة, لا تلبث بعد أن تقرأ قطعة الموت تلك أن تصرخ من أعماقك: ما أجمل هذا المشهد, ما أعظمه, ما أخلده, الله, يا ألله!. ولكن, لم أفكر يوماً بقيمة الموت نفسه كحدث يمر على إنسان ما, ويؤثر على مجموعة كبيرة من البشر, و ذو مدلولات سياسية واجتماعية. قد يكون حديثي هنا غير مفهوم, ولمن قرأ رواية خالد حسيني سيعرف بالتأكيد هذه النقطة, وعلى وجه التحديد: اللحظات الأخيرة من حياة مريم.

هذه الأنثى التي كانت عنوان للخطيئة, تمنت الكثير في لحظاتها الأخيرة. وبينما هي تغلق عينيها مودعة هذا العالم الحقير, لم يعد الأسف أو الإحساس بالحسرة والندم هو ما تشعر به, بل إحساس بطمأنينة طاغية وإيمان كامل نزلت عليها: ” فكرت في مجيئها إلى هذا العالم ك إبنة حرام لقروية بسيطة، شيء لم يرد له أن يكون، وحادث تافه يدعو إلى الأسف. مجرد عشبة ضارة. ومع ذلك فهي تغادر هذا العالم كامرأة أحبت وتلقت المحبة. تغادره كرفيقة، وصديقة، وحارسة، وأم، وشخص له شأن في نهاية المطاف. ورأت أن الموت بهذه الطريقة ليس بهذا السوء. هذه نهاية شرعية لحياة لم تكن بداياتها شرعية.”

في ثلاثين ربيعاً يقود خالد حسيني القارئ في رحلة أفغانستان التاريخية وتأثيراتها على نساء أفغانستان بشكل عام, ومريم وليلى بشكل خاص. من لحظة دخول الإتحاد السوفييتي أفغانستان, مروراً بالتحرير وحروب أمراء الحرب, و دخول طالبان على مسرح الحياة السياسية, ثم الحرب الشهيرة في بداية القرن الجديد بعد سقوط أبراج مركز التجارة بنيويورك. في الجزء الثاني على ما أذكر, قال والد ليلى كلمة تختصر الحالة السياسية التي عصفت بأفغانستان طوال القرن الماضي: ” ليلى ..العدو الوحيد الذي لا يمكن للأفغاني هزيمته هو نفسه.” وبالفعل, بعد الانسحاب السوفييتي من أفغانستان اقتتلت الطوائف فيما بينها, ورفع أمراء الحرب السلاح حتى أصبحت العاصمة مدينة للأشباح, وبقايا أطلال.

خالد حسيني برواية رشيقة استطاع أن يرسم صورة مصغرة لأفغانستان الأرض/ الإنسان : عن المظالم الاجتماعية, عن الصواريخ التي تجبر السكان على السكون في المنزل وعدم الخروج, لأيام, ولأي سبب كان, وعن إعادة البناء. في بداية الرواية نلحظ الدمار الاجتماعي قبل الدمار السياسي عندما نلحظ الحياة الغريبة لمريم في مدينة هيرات, والتي ولدت سفاحاً من أب ثري يحاول التكفير عن ذنبه بزياراته المتكررة لها. ثم نلحظ الاستقرار في كنف الزوج رشيد, والذي يكبرها بعدة سنوات, ويذيقها صنوف العذاب والحرمان. يبدو الأمر أشبه بمعادلة رياضية, علاقة مريم بزوجها رشيد هي نفس العلاقة التي تربط الإنسان الأفغاني بأمراء الحرب, والذين يصبون جام غضبهم على هؤلاء المواطنون العزل, فيذوقون مختلف صنوف العذاب من قتل وتدمير وتشريد واغتصاب.

أبطال رواية خالد حسيني هم الأطفال والنساء. إنها إشارة بأن المواطن الأفغاني لم يعد يهتم لا بأمراء الحرب, ولا بالتدخلات الدولية التي عصفت وتعصف بالبلاد من آن لآخر. حين يصور خالد حسيني آلام الأنثى عند الولادة فهو يقصد الولادة الجديدة المتعسرة لبناء بلد يجب أن يتم من قبل أبناءه, لا من قبل الأجنبي. تذكرت وأنا أقرأ آلام الولادة في أحد فصول الرواية, مشاهد آلام الولادة في الآداب الروسية. من رواية الشياطين, و رواية آنا كارينينا. كيف يستطيع الأديب – الرجل – أن يتقمص شخصية أنثوية ببراعة ويصف آلام الأنثى بكل ما فيه من مشقة وعذاب؟ أطرح هذا السؤال بعد أن قرأت أن مجنونين اثنين استطاعا وصف آلام الأنثى عند الولادة ببراعة وحتى وصف الحالة النفسية لأنثى مصابة بحمى النفاس: دستويفسكي و تولستوي, وسأضيف ثالثاً, وهو خالد حسيني في مشهد ولادة ليلى. هل يوجد قواسم مشتركة بين مشاهد تولستوي عبر رواية آنا كارينينا ورواية دستويفسكي الشياطين وخالد حسيني في رواية ألف شمس مشرقة؟

إنه الإيمان .. الإيمان بالله, بالأرض, بالإنسان, بالحياة, بكل ما هو جميل على وجه هذه الأرض. في رواية خالد حسيني, كانت الآلام تصرخ في وجه من حرموا الحقوق الإنسانية البسيطة وتمسكوا بالشعارات البراقة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ظهور هذا الطفل في هذا الوقت العصيب هو لمحة من لمحات الجمال التي ستظهر في هذه الأرض, وهم على يقين بأنهم هم من سيبنون أوطانهم, ينظمون مدارسهم, ويرفعون من سقف أمانيهم. لم تعد أمانيهم كما تقول مريم في لحظات الضيق خارج الوطن, بل كما قررت ليلى أن تكون تلك الحياة في كابول الجديدة: أن يعيشوا في بيت صغير في ضواحي مدينة ما لم يسمعوا بها من قبل قط، أو في قرية نائية طرقها ضيقة وغير مرصوفة، ومحاطة بكل أنواع النباتات والشجيرات. ربما سيكون هناك ممر ما يمكنهم استخدامه ويقود إلى حقل معشب حيث يستطيع الأطفال ممارسة ألعابهم، أو ربما ستكون هناك طريق مغطاة بالحصي تقودهم إلى بحيرة زرقاء صافية. سيربون الأغنام والدجاج، وسيعدّون الخبز سوية ويعلمون الأولاد القراءة. سيرسمون لأنفسهم حياة جديدة, حياة منعزلة ومسالمة, وهناك يتخلصوا من كل الأعباء الثقيلة التي اضطروا لتحملها، ويكونوا أهلا لكل السعادة والرخاء الذي سيصادفهم.

خاتمة الرواية هادئة, وتجبر القارئ على الابتسام والتفاؤل بغض النظر عن عذابات الشموس المشرقة. بعيداً عن علاقة الزوجة بالزوجة الثانية,ليلى و مريم, وبعيداً عن كل شيء .. كل شيء, يدور الحديث في عائلة طارق وليلى عن اسم الصبي الكائن في أحشاء ليلى, طارق الزوج يريد محمد، وزلماي الابن لا يعرف سبب عدم إمكانية إطلاق اسم كلارك على طفل أفغاني، وعزيزة الفتاة تريد اسم أمان، أما ليلى الزوجة فتفضل عمر. لكن ماذا لو كانت فتاة؟ إن كان الذي في بطنها فتاة فقد اختارت ليلى الاسم من قبل: مريم.

9/8/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s