مسرحية موزارت وساليري


الميزة الذكية في أعمال بوشكين المسرحية هو الدخول المباشر في العمل من البداية, وبدون تأخير. يقود القارئ إلى الفعل مباشرة. لا يهتم بوصف الشخصيات أو المكان أو الحالة النفسية. الشخصية المسرحية تعبر عن نفسها, تكتب تاريخها وأزماتها وقضيتها التي تتناولها المسرحية من البداية. مسرحية موزارت وساليري Mozart and Salieri، هي إحدى التراجيديات الصغيرة التي كتبها شاعر روسيا الأكبر ألكسندر بوشكين، في ذاك الخريف الإبداعي الشهير الذي قضاه في قرية بولدينو. استمد بوشكين موضوع هذه المسرحية من شائعة كانت منتشرة آنذاك، تؤكد أن الموسيقار النمساوي العظيم موزارت مات مسموماً، وأن الذي دس له السم هو صديقه الموسيقار الإيطالي أنطونيو ساليري. يقال أن ساليري اعترف بجريمته وهو على فراش الموت.

بداية, لنفترض أن العمل السينمائي الكبير Amadeus مقتبس من مسرحية بوشكين القصيرة. هل سيكون الفيلم أكثر نجاحاً وقوة من المسرحية الصغيرة ذات العشر صفحات؟ سأطرح وجهة نظري وهي أن هذه المسرحية ذات العشر صفحات فقط استطاعت, وبقوة هائلة اختصار ساعتين ونصف من الموسيقى المذهلة والتجسيد السينمائي الحي لكل من موزارت وساليري.

يفتتح ساليري الفصل الأول من مسرحية بوشكين باحتجاج صارخ وعنيف ضد العدالة الإلهية. لماذا هو – أي ساليري – العاشق للموسيقى حد الموت, والذي أفنى حياته من الطفولة في سبيل الموسيقى, تذهب هذه الموهبة الموسيقية إلى شخص مجنون ساذج لا يتصرف كما يجب. ساليري في بداية المسرحية نصب نفسه حامي الموسيقى ودرعها الحصين. ليست لديه أي مشكلة في تنمية مواهب أي موسيقي والاستماع إلى هذا وذاك. ولكن .. أن تتجسد الموسيقى بأكملها بشخص واحد, هذا هو الذي أثار سخط ساليري وعجرفته. في الدقائق الأولى من الفيلم يظهر هذا الاحتجاج بشكل رائع عبر شخصية ساليري, وإن كانت بشكل أعنف وأقوى:

أيتها السماء! أين العدل:
عندما تُمنح الموهبة المقدسة،
والعبقرية الخالدة، لا كمكافأة
على الحب المتوقد ونكران الذات
والكدّ الشاق، والمثابرة، والصلاة
بل لتُنير رأس مجنون
ومتبطل عابث؟..
آه.. موزارت، موزارت!

تعامل بوشكين مع موزارت كما هو موجود في الفيلم. شخص عابث يطلق العنان لملذاته. لكنه يمتلك شيئاً لا يستطيع ساليري الوصول إليه : الموسيقى تجسدت في شخص موزارت بأكملها. لم يعد هناك شيء اسمه موسيقى ساليري, بل موسيقى موزارت فقط. مما أجبر ساليري أخيراً على الاستسلام والانقياد خلف جمال موسيقى موزارت حتى وصفه بالإله. وهو يردد خلف كل نغمة موسيقية لموزارت : ما هذا الجمال ؟ أي يدِ عبقرية أبدعت هذه الموسيقى الروحية؟

هنا يظهر الحسد والجنون الساليري: الموهبة الموسيقية لموزارت لا يستحقها هذا الموزارت. “لقد جاء هذا الموزارت إلى الأرض كملاك, حاملاً إلينا بضع أغان من الجنة”. في نهاية الفصل الأول, وفي عدة سطور فقط, تظهر الفكرة الوبشكينية التي تستطيع اختصار الفيلم بأكمله. وهي الجمال اللانهائي والمطلق. هذه الفكرة هي نفسها التي استوحى منها الموسيقار الكبير كورساكوف أوبرا موزارت وساليري.

قد اختارني القدر لإيقافه
وإلاّ سنهلك كلنا،
كل كهنة الموسيقى وخُدّامها
لا أنا وحدي مع مالي من شهرة مكبوتة.
ما الفائدة إذا بقي موزارت حياً،
وارتقى معارج سامقة جديدة؟
هل سيرفع الفن بهذا؟
الفن سيهبط ثانية عندما سيختفي:
فهو لن يترك لنا خليفة.
أية فائدة منه؟
جاء كملاك
حاملاً إلينا بضع أغان من الجنة
لكي يثير فينا رغبات مقصوصة الجناح
نحن أبناء التراب، ثم يطير مبتعداً!
إذاً، هيا طِرْ! والأفضل أن تبكّر.

ساليري يطلب من الله أن يحميه, وأن ينجيه من الجمال, لأن هناك فائض من الجمال في العالم. كان يفكر أن الجمال يغمر العالم. تحول الجمال من الدرجة السامية إلى درجة مدمرة تدمر كل شيء. هذا ما عبر عنه بوشكين على لسان ساليري في المسرحية. موزارت امتلك قوة هائلة من الجمال اللانهائي, وساليري العاشق للموسيقى حد الموت يرى أن هذا الجمال سيدمر أساسيات الموسيقى, والموسيقى ذاتها, وحان الوقت لإنقاذ العالم من هذا الجمال الذي وصل لدرجة متوحشة جداً لا يقف في وجهها أحد :

ستغفو طويلاً يا موزارت!
أحقاً أنني لست عبقرياً،
وأن العبقرية والشر ضدان لا يجتمعان؟

بداية الفيلم كانت صادمة جداً. ربما لأني أنهيت من فترة كتاب فوكو تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي, وقرأت فصل الاعتقال الكبير, ورأيتها مجسدة في الفيلم. كان الحجز والسجن في العصر الكلاسيكي هو الطريق الوحيد للتصرف مع المجانين. كان هذا هو الحل الذي اهتدت إليه مخيلة الفترة الكلاسيكية, أصبح هو المكان للخلاص من الخطايا ضد الجسد و الأخطاء ضد العقل. لقد أصبح الجنون رديفا للخطيئة وذاك هو الرابط الذي سيظل ثابتا على مدى قرون بين اللاعقل والذنب. ساليري في بداية الفيلم, وبعد أن يحاول الانتحار نجده يعزف الموسيقى في أتعس مكان: الحجز الكلاسيكي. أعجبني المدخل الحواري بين ساليري والقس. كان ساليري يعزف موسيقاه ويسأل القس, هل تعرف هذا الموسيقى, ويجيب لا. يتعرض ساليري للخيبة, موسيقاه لم تعد معروفة. في نهاية العزف يعزف ساليري موسيقى لموزارت ويسأل القس, هل تعرف هذه الموسيقى : أوه .. نعم أعرفها. كانت هذه موسيقى موزارت التي وصلت لقلوب الناس بعد وفاته, ولم تعد موسيقى ساليري معروفة.

من المصادفة أن يتشابه موزارت و بوشكين. بوشكين قتل ولم يعمر أكثر من 36 سنة, وموزارت توفي ولم يعمر أكثر من 35 سنة, ولكن درجة تأثيرهم هائلة أحدثت تحولاً درامياً في المشهد الموسيقى الأوروبي, والأدبي الروسي.

2/4/2009

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s