الدكتور زيفاجو: الثورة حين تأكل أبناءها


تسألون ..
لماذا لا يتحدث في شعره عن الأحلام
عن الأمل ..
عن الأوراق ..
عن البراكين العظيمة في وطنه الأصيل ؟

تعالوا لتروا :
الدم في الشوارع !
تعالوا لتروا :
الدم في الشوارع !
تعالوا لتروا :
الدم في الشوارع !

بابلوا نيرودا.
هذا المقطع الشعري البسيط من الشاعر التشيلي الكبير بابلوا نيرودا يلخص حكاية القديم والجديد, الحياة والموت, الثورة والحروب الأهلية, ومصير الإنسان المتعلق بأرض انقلب ما تحمله في طياتها من الأعلى إلى الأسفل. لن يكون هناك قداسة لأي شيء. كأن الإنسان المولود على هذه الأرض قد عاش حياته مسلماً أمره لمن يأخذ بيديه كالطفل, ثم إذ به يصبح وحيداً ويتعين عليه أن يتعلم كيف يسير وحيداً غير معتمداً على أحد.

أتذكر ذلك الإحساس الجارف بالقوة بعدما فرغت من قراءة رواية الأم للروائي الروسي مكسيم غوركي. لم أرى العمال ضعفاء يتعرضون للركل والضرب وسوء المعاملة والاستغلال من قبل الطبقات العليا. بل وجدت عمال ثائرين مستعدين لقلب هذه الأرض بأيديهم حتى يحصلوا على كافة حقوقهم .. كافة حقوقهم, وبالقوة. يسيرون في الشوارع والطرقات, ويهيئون الدعائم الأساسية للثورة الاشتراكية: يا عمال العالم اتحدوا كما جاء في بيان كارل ماركس. هؤلاء العمال ثائرين ..مستعدين لتحطيم كل شيء والتضحية بأرواحهم في سبيل قضيتهم الأم. ولكن, ما مصير الناس, ما هو مصير مجموعة هائلة من الناس يقودهم هؤلاء الثائرين الذين لا يخشون شيئاً؟ عائلاتهم, أبنائهم, بيوتهم, الهواء, الأرض, السماء, التاريخ, الحقيقة .. هذه الدلائل كيف ستكون بعد تحقيق الغاية النهائية لتحقيق الحلم الثوري.

لم أفكر بطرح هذه الأسئلة إلا بعد قراءة الشياطين للروائي الروسي الكبير دستويفسكي. دستويفسكي في الشياطين هاجم بكل ما تحمله السخرية من معنى التيارات الثورية. بهذا العمل الساخر يحاول دستويفسكي حماية الملكية الروسية بمهاجمة القوى التي تقوضها وتهددها. الشيء الذي يخلب ألباب الشياطين في الاشتراكية حسب تحليل دستويفسكي هو الجانب العاطفي المثالي, الشيء الذي يفتنهم هو نوع من الروح الشعرية, نوع من الروح الدينية وهم لا يعرفون عنها شيئاً. في هذا العمل الساخر لم يهاجم دستويفسكي نتشايف وباكونين, المنفذ والأب الروحي لجماعة التنظيم الثوري, بل امتدت لتشمل بتروشيفسكي وتيمكوفسكي وهرتسن وفورييه وبيلنسكي وغيرهم من أباء التيار الثوري الروسي. لا يوجد عمل استطاع كشف الحالة السيكولوجية لشخصيات التيار الثوري مثل الشياطين. دستويفسكي كان مستعيناً بقصائد بوشكين التي تمثل الروح الروسية بأصفى تجلياتها, وبالإنجيل الذي ينكره الثوريين. ولكن .. هناك شيء واحد لم يستطع دستويفسكي أن يكتب عنه بكل قوة. النقطة هي حال الناس بعد تحقيق الثوريين لحلمهم: ما مصيرهم؟

أنا لم أقرأ رواية أو عمل أدبي فذ يستطيع قذف القارئ إلى داخل الثورة والحروب الأهلية مثلما استطاع هذا الشاعر الفذ: بوريس باسترناك في ملحمته النثرية: دكتور زيفاجو. يحكى أن ستالين قرأ ذات يوم قائمة بأسماء الذين صدرت أوامر باعتقالهم, وحين مر على اسم بوريس ليونيدوفيتش باسترناك قال: لا تلمسوا ساكن الغيوم هذا!. لو عرف ستالين بأن هذا الشاعر المترجم لأعمال شكسبير للروسية سيدين الثورة ويهاجمها في عمل من أهم الأعمال الأدبية في القرن العشرين, لأمر بتصفيته جسدياً.

لهذه الرواية الفائزة بجائزة نوبل عام 1958 قصة يجب أن تذكر. باسترناك لم يصدر الرواية في بلده الأصلي الإتحاد السوفييتي السابق. وصلت بعض مقاطع هذه الملحمة إلى المؤسسات السوفييتية, وتم رفض نشرها لمهاجمتها الثورة والتفكير الثوري. تم تهريب الرواية إلى الخارج وتمت ترجمتها وصدرت بعدة لغات. في العام التالي لصدور الرواية تم الإعلان في ستوكهولم عن فوز باسترناك بجائزة نوبل للأدب عن عمله الملحمي دكتور زيفاجو.

بغض النظر عن صراع الأقطاب -المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي-, وتوظيف المعسكر الغربي لهذا العمل في شن حرب ثقافية فكرية على المعسكر الشرقي, وتهيئة المناخ لتوزيع العمل داخل المعسكر نفسه. هل تستحق رواية دكتور زيفاجو جائزة رفيعة كجائزة نوبل؟

لن أفكر بالصراع القائم آنذاك في الحكم على استحقاق الرواية لجائزة رفيعة, وما إذا كانت الولايات المتحدة عبر جهاز المخابرات كما نشر لاحقاً ساعدت باسترناك في الحصول عليها. لو هناك جائزة أرفع من نوبل في الأدب فالشاعر باسترناك يستحق الحصول عليها بكل قوة نظراً لموهبته الشعرية الفذة في دكتور زيفاجو. لو لدي القدرة على تصنيف رواية باسترناك لقلت بأنها خرجت من رحم أدب القرن التاسع عشر. ولا تنتمي إطلاقاً لأدب العشرين. فيها من شعرية القرن التاسع عشر الكثير. بين الدمار والحرب والدم يتماهى باسترناك بقارئه ليحكي له سيرة الحب والحرب والوطن عبر قصة يوري زيفاجو ولارا الهائلة. تلك العلاقة التي فُرضت فرضاً لأن كل ما حولهما أراد ذلك: الأشجار والسحب والسماء التي تظللهما والأرض التي تحت أقدامهم. العالم الذي يحيط بهما, والأغراب الذين يقابلونهما في الطريق. المناظر الطبيعة التي تمتد أمامهم حين يسيران معاً, الغرف التي عاشا فيها أو تقابلا. والرواية تجمع فن الطب والعلاقات العائلية والحب في مقابل الخبرة والثورة والمجتمع والحرب.

تناولت رواية دكتور زيفاجو أحداثاً تدور بين عامي 1903 و1929، وهي أعوام الضياع والاضطرابات الدموية في روسيا. بطل الرواية الدكتور زيفاجو يرفض العنف المتبادل بين الحمر والبيض، ويقول: إن عبارات مثل: فجر المستقبل، وبناء عالم جديد، ومستقبل الإنسانية في أيدي هذه الطليعة… عبارات لا معنى لها. ويعود الدكتور زيفاجو إلى موسكو عام 1922 ليعيش في فقر مدقع، ويشعر في أحد أيام عام 1929 بالغثيان متأثراً بكل ما يدور حوله فينزلق من الحافلة التي يستقلها مرتطماً بالأرض ليصبح جثةً هامدة، وهو في ذروة عشقه للحياة، مخلفاً وراءه بعض القصائد.

من أشد لحظات هذه الملحمة موتاً و دموية هي آثار الحرب في حياة المدنيين المعنوية والمادية. وتصوير عمل الفتيان في الميدان وبلاءهم في الحرب, حين تتقدم الجيوش الروسية وتضطر إلى التقهقر, وفي أثناء ذلك تحدث الثورة الكبرى سنة 1917م, فيصف باسترناك صدى هذه الثورة في الجيش واضطراب الجند وضباطهم, بين مصمم على القتال ومؤثر للسلم والعافية, حتى إذا وصلت أوامر الثورة إلى الجيش زاد اختلافهم وتفرقهم.

ثم يكون الصلح الذي انفردت به روسيا من دون حلفائها, ولكن الثورة قد أثرت في كل شيء: حياة الجنود المحاربين, وحياة المدنيين القلقين, وإذا بالأمور كلها تشتد أشد الاختلاط. وإذا الناس بين مؤمن بالثورة ومخلص لها.. منكر لها .. جرئ على الإنكار .. مشفق على الثورة ويخشى مقاومتها أيضاً. هذه هي الصورة المجملة لموضوع الملحمة. هي اجتماعية بأدق معاني هذه الكلمة لأنها تصف الحركات المؤيدة للثورة والمقاومة لها أبرع الوصف وأشده تفصيلاً.

أمر أخر لم أشاهده في أي عمل روسي إلا في ملحمة الدكتور زيفاجو. لم أجد كاتب وشاعر يستطيع وصف قسوة الطبيعة حين يشتد الشتاء بمثل ما وصفها باسترناك. هو يكتب الشعر حين يصف الطبيعة بقسوتها وجمالها.

كانت بداية القراءة لملحمة الشاعر باسترناك دكتور زيفاجو جداً صعبة. عدد شخصيات الرواية يقارب الستين شخصية, وكل شخصية تحمل ثلاث أسماء أو أربعة. إما اختصارا أو للتدليل. قرأت الجزء الأول و وجدت نفسي تائها لا أعرف أي شخصية وما هي القصة. أعدت قراءة الجزء الأول ومعي ورقة و قلم لتسجيل أسماء الشخصيات ودورها في الرواية. الجزء الأول بأكمله كان مقدمة للعمل, أما الأجزاء الأخرى فكانت هي الملحمة الحقيقة لشعرية باسترناك. قيمة الرواية الأدبية تنبع بأنها صدرت في زمن الاضطهاد وحملات التطهير في الإتحاد السوفييتي السابق. دستويفسكي عندما تنبأ بأفعال البلاشفة والثوريين في الشياطين, أتى باسترناك وقام ببناء ثاني موازي لشياطين دستويفسكي, أو تكملة للشياطين على وجه التحديد. قرأت عن شخصيات جيفاجو سيكولوجياً في شياطين دستويفسكي: بيوتير وشاتوف. وها أنا أشاهدهم مجسدين تجسيداً حياً أمامي عبر شخصيات باسترناك في ملحمته البديعة. ولن تستطيع مشاهد الموت والتشريد والرحيل أن تنسيني زيفاجو وهو ممتطي الخيل مسرعاً ليشاهد حبيبته لارا :

هناك كان بيتها, عند الطرف الأقصى للشارع, تحت الثغرة البيضاء بين السحب المثقلة بالمطر, حيث كانت السماء قد بدأت تصحو مع مقدم السماء .. لكم كان يحب البيوت الصغيرة, القائمة في الشوارع التي كانت تفضي إليها, حتى لقد كان يرجو لو استطاع أن يرفعها عن الأرض .. ويقبلها! .. يا لتلك الفراغات التي تلي السقوف مباشرة, والتي تتوسط كلاً منها نافذة, فكأنه وجه ذو عين واحدة, ويا لأضواء المصابيح والأيقونات, وقد انعكست على البرك المائية التي خلفها المطر, لامعة كأنها ثمار ندية .. ويا لبيتها تحت الثغرة البيضاء بين السحب التي كانت تكسو السماء ! .. هناك لن يلبث أن يتلقى تحفة الجمال الإلهي الأبيض من يدي خالقه !.. هي التي لا يملكها أحد في الدنيا, والتي تتسم بتحفظ وهدوء, كليلة من ليالي الشمال البيضاء, فكأنما هذه البشرى الموجة الأولى التي تترامى إليه من البحر حين كان يجري إليه على الشاطئ الرملي تحت جنح الظلام !

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s