Pan’s Labyrinth


كانت مصادفة جميلة, أن تكون مشاهدتي لهذا الفيلم الرائع بعد قراءة لوركا, وبعد مشاهدة فيلم اختفاء لوركا مباشرة. ما يربط بين الفيلمين هو مهاجمة الحرب, واغتيال الجمال, أما قمر لوركا, فرغم أنه لم يظهر في الفيلم الأول في المشهد الأخير, إلا أن قمر متاهة بان عكس الاتجاه, وظهر القمر رغم احمرار لونه بسبب الدم.

لست خبيراً بتصنيفات الأفلام السينمائية, وإلى أي نوع من الأنواع ينتمي هذا الفيلم, سأسلك التصنيفات الأدبية إذا أجدها مطابقة لهذا الفيلم. تصنيف فيلم Pan’s Labyrinth ينطبق تماماً على أحد أعظم فروع آداب أمريكا اللاتينية, والتي أشتهر بها بورخيس وماركيز: الواقعية السحرية. قد تشاهد فيلم فيه من الخيال والفنتازيا الكثير, لكنك ستخرج في الأخير بنتيجة واحدة, أن الخيال طغى على الواقع ودمر ما يمكن أن يكون في يوماً ما حقيقة. بينما هناك أعمال تجد فيها ما لا يمكن أن يكون واقعاً, ولكن النتيجة الأخيرة – بسبب الصدمة – تثبت أن ما شاهدته قبل قليل لم يكن إلا واقعاً, وواقعاً مخيفاً.

قد تبدو صورة الفيلم أن الفيلم لم يكن سوى فيلم رعب أو من أفلام الخيال العلمي, ولكن في الواقع الفيلم بعيد كل البعد عن الرعب. وإن كان هناك رعب حسب ما تصوره صورة الغلاف, فهو رعب حقيقي وموجود, رعب الأسرى الثوريين حين يقعون في فخ الحكام المستبدين, رعب الأطفال حين تهيم وجوههم في أماكن الثكنات العسكرية, ويسمعون أصوات الريح التي لم تُسمع في القرية أو المدينة. رعب الطبيعة, حين يصبح كل شيء عبر هذه السهول الخضراء بما تحمله من ألوان تسر الناظرين إلى لون واحد قاتم وأسود: رعب الموت.


بداية الفيلم كانت تبدو اقتباس من المثيولوجيا البابلية – رغم اختلاف الفكرة والهدف في الشخصيات: “عاشت أميرة كانت تحلم بعالم البشر, تحلم دائماً بالنسيم العليل و السماء المشرقة. في أحد الأيام, هربت الأميرة بعد أن تخلصت من حراسها, و عندما خرجت, أعماها الضوء الباهر و محى كل أثر للماضي في ذاكرتها, نسيت من كانت ومن أين أتت. عانت من المرض و الألم, وفي النهاية ماتت! أبوها – الملك- كان متأكداً أن روح الأميرة سوف تعود, ربما في جسد آخر, في مكان آخر, في زمن آخر!”

الفيلم بشكل عام وبدون تفصيل طويل يصف حياة الفتاة الصغيرة أوفيليا, في زمن الحرب الأهلية الإسبانية بعد انتصار الجنرال فرانكو. ترحل هذه الفتاة بصحبة والدتها الحامل لتعيش مع زوج والدتها الجديد الكابتن فيدال, وهو قائد عسكري مستبد يمثل الشخصية العسكرية المتعطشة للدماء. يعيش هذا الكابتن في معسكر في الغابات بهدف القضاء على الثوار. تجد أوفيليا نفسها تعيش في عالم غريب, عالم مختلف عن عالم البشر. هل هذا العالم سيكون أرحم من العالم الواقعي ؟ في زمن الحرب الأهلية, أم سيكون عالم البشر, المتعطشين للدماء هو العالم المثالي للإنسان؟

الفيلم ينطلق على مستويين: المستوى الأول في العالم الواقعي, عالم الثكنات العسكرية وقتال الثوار في الغابات. عبر شخصية كابتن فيدال والذي قام بدوره سيرخي لوبيز تظهر شخصية جنرال الحرب فرانسيس فرانكو. والعقلية الدموية الحربية. العقلية العسكرية بما تحمله من كل تطرف لا يمكن أن ترحم حتى الحجارة, فما بالك بالإنسان! أفلام الرعب عادة ما تكون الشخصيات التي تقوم بالإثارة هي شخصيات أو كائنات مختلقة ليس لها وجود, شخصية الكابتن فيدال تحمل كل الرعب رغم أنها شخصية إنسانية بحته.

المستوى الثاني في العالم السحري, عالم أوفيليا الساحر. لن أتحدث عن هذا العالم الغريب, فالمشاهد أولى بأن يعرف من المشاهدة قبل أن يقرأ هنا. ما يدعوني لوصف سحرية أوفيليا بالواقعية السحرية هي الفكرة المطروحة في عالم السحر هذا: أي إراقة لقطرة دم بريئة من أجل الخلود عمل مجنون يجب أن يدان, إذا أردت الخلود الأبدي لا تسعى للسلطة, لا تسعى لإراقة الدماء, لا تقف في صفوف طويلة من أجل هذا, أنت لست بحاجة لكل هذه الأساليب من أجل الخلود, إذا أردت ذلك, قم بالتضحية بنفسك, من أجل الإنسان وغاية الإنسان الأبدية: الحرية. حينها ستعرف طعم الخلود الأبدي,

من أجمل الحوارات في هذا الفيلم هو حوار الدكتور والكابتن :

– كان بإمكانك أن تطيعني
– كان بإمكاني ولكني لم أفعل
– كان أفضل لك وتعرف ذلك .. لا أفهم لماذا لم تطعني؟
– الإطاعة من أجل الإطاعة بدون أي سؤال .. هذا شيء يفعله أمثالك فقط أيها الكابتن !

هذه الحوار البسيط يختصر ذهنية الثورة والإرهاب, ذهنية الخضوع, فكرة الحكم الطغياني عن طريق فرض الإرادة أمر لا يمكن لأي إنسان سوي أن يعمل به, وفكرة الثورة والتحرير عن طريق التخريب وتدمير ممتلكات الناس لا تقل جنوناً عن الإرهاب, الثورة لا تكون حق إنساني وطبيعي إلا بوجود الهدف واضحاً كل الوضوح, يتفق على حقيقته حتى الحجر الذي يرزح تحت أقدام الطغاة.

غالباً, عند مشاهدة أي فيلم ينحصر تقييمي النهائي عليه على المشاهد الأخيرة. بدون خاتمة رائعة سيكون الفيلم سيئاً حتى لو كانت البداية ومنتصف الفيلم وقبل النهاية يحمل كل الجمال. ما أنا مؤمن به أن نهاية هذا الفيلم هي أجمل نهاية شاهدتها. كانت تحمل كل القيم والأخلاقيات التي بنى عليها المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو الفيلم: مهاجمة الحرب, واغتيال الجمال.

26/10/2008

Advertisements
هذا المنشور نشر في سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s