غرناطة لوركا


فوق كل شيء, أحب البساطة. أحب الريف, أشعر أني مرتبط به بكل جوارحي. ولذكريات طفولتي المبكرة عبق الأرض, وقد خُلقت المروج والحقول الأعاجيب ليّ. حيوانات الريف البرية, والمواشي, والناس الذين يعيشون في الأرض, كلها ذات سِحر لا يعرفه غير القلة من الناس, ولولاها لما كتبت عرس الدم. ترتبط تجاربي العاطفية الأولى بالأرض والعمل فيها. إذاً ففي جوهر حياتي ما يدعوه علماء النفس بعدة الحقل.
لوركا

من مقدمة كتاب غرناطة لوركا لإيان جيبسون: في بداية الحرب الأهلية الأسبانية، وقبل أسابيع قليلة من اغتيال لوركا بأيدي الفاشيين في آب 1936، سُئِل الشاعرُ عن رأيه في سقوط غرناطة بأيدي الأسبان عام 1492، فأجاب: كانت نكبة، على الرغم من أنّهم يلقنوننا العكس في المدارس. حضارة رائعةٌ، وشعرٌ، وفلكٌ، وعمران، ورقةُ شعور فريدةٌ في العالم.. ضاعت كلّها لتقوم محلّها مدينة فقيرة هي جنّة البخلاء، والتي يلعب بمقدراتها الآن أرذل البرجوازيين في أسبانيا. وقد ظهر هذا التصريح المناوئ على صفحات أكبر جريدة في مدريد، وكان سبباً مباشراً في موت الشاعر وهو في الثامنة والثلاثين.

وقبل خمس سنين من ذلك قال لوركا في مقابلة أخرى: أعتقد أنّ أصلي الغرناطي منحني شعوراً بالتآخي مع جميع المضطهدين غجراً وسوداً ويهوداً.. مع المورسكيين الذين نحفظ ذكراهم نحن الغرنوطيين في قلوبنا. لا شك أن الشاعر كان على علاقة وثيقة بغرناطة التي ضاعت إلى الأبد عام 1492, ولو لم يكن لوركا ابناً باراً لمدينته لما صار أدبه المعبِّر الحقيقي عنها: ففي أساس ذلك الأدب يكمن إحساس مأساوي بالخسران.


كتاب غرناطة لوركا للمؤرخ الأيرلندي إيان جيبسون, صدر هذا الكتاب بنسخته العربية قبل سنتين من الآن, حصلت عليه في آخر زيارة لمصر قبل سنة من مكتبة دار الشروق. إذا لم يشاهد أحداً منكم مسلسل ربيع قرطبة للمخرج الرائع حاتم عليّ, هذا الكتاب سيكفيك مشاهدة المسلسل بحلقاته الطوال, وسينقلك إلى رحلة استكشاف حضارية وعمرانية وفكرية وجمالية في غرناطة, وبصحبة الشاعر الأسباني فيدريكو لوركا. من الخطأ اعتبار الكتاب سيرة ذاتية للوركا, ومن الخطأ اعتبار الكتاب كشف حضاري لغرناطة, بل يجمع بينهما بالتساوي, فتارة وأنت تقرأ عن غرناطة والباب الملكي, وبيت روزاليس, والجبل المقدس, وكنيسة القديس ميكائيل, والمؤلف يدخل بالقارئ إلى دهاليز وأزقة هذا المدن, تجد لوركا واقف أمام نافورة شارل الخامس يقرأ قصائد من قصائد الأغنية العميقة. روح لوركا موجودة في الكتاب بكثرة, المؤلف يتتبع الإرهاصات الأولى لولادة لوركا, وخط سيره وتجواله في غرناطة, ومقتله بالقرب من عين الدمع, وعن أدبه ومسرحياته, وكل ذلك عبر ضواحي غرناطة.

كان يروق للوركا القول أنه من مملكة غرناطة, وغالباً ما يضيف بأنه لم يولد في المدينة عينها, بل في قلب الغوطة, سهل غرناطة الخصيب. إنه يهاجم أبناء الطبقة المتوسطة في غرناطة, لأنهم – حسب تصوره – ليسوا أندلسيين أصلاً, بل أبناء بررة للمسيحيين الذين جاءوا من الشمال, وأقاموا في الأندلس, فأظهروا بلادة شديدة لكل ما وجدوا.

لكن ماذا عن غجر غرناطة؟ نجدهم على رأس قائمة الضحايا الأبرياء الذي يصفهم لوركا بالغرنوطيين, والذين مثلوا للشاعر أعمق الجذور في الروح الأندلسية. وجد لوركا في الأغنية العميقة وهي أصل الفلامنكو الحديث أكثر التعابير أصالة عن الروح الأندلسية, فضلاً عن الدور الأساس الذي قام به الغجر في تطور هذا النوع من الغناء. قام لوركا بالتنقيب عن أصول الأغنية العميقة وجذورها, ونتيجة لذلك أصدر ديوان قصيدة الأغنية العميقة ليتبعه مباشرة بديوان أغاني غجرية .

26/10/ 2008

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إسبانيا. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s