عصر الاضطراب

قبل ست سنوات بالتحديد كنت أُفضل مشاهدة القنوات الإخبارية والبرامج السياسية والاقتصادية. كان وقت الفراغ لدي هائلاً ولم يكن الأدب يشغل فكري في تلك الفترة. كانت أزمة النمور الآسيوية تغلق أبوابها بفوز كاسح لمهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق الذي رفض إملاءات صندوق النقد والبنك الدولي، بعكس الدول المجاورة مثل تايلاند وسنغافورة وكوريا الجنوبية التي استعانت بتوصيات مؤسسات الرأسمالية. لم أكن أعرف بالضبط ماذا يجري هناك، لست متخصص بالشئون المالية، ولكن الذي تعلمته أن هناك شيئاً ما يحدث قد نصادفه في المستقبل. ثم ظهرت إلى العلن أزمة الأرجنتين المالية التي حولت البلاد إلى فوضى مدمرة. دولة بأكملها تسقط تحت دين خارجي رهيب وإفلاس مالي تسبب بتعاقب ثلاث حكومات في أقل من شهر واحد. كانت الجماهير الأرجنتينية تخرج متظاهرة بعنف، تكسر وتحطم وتلعن. لم تبقى وسيلة من وسائل المظاهرة إلا وتم استخدامها، حتى أصبح غالبية الشعب الأرجنتيني يبحثون عن الطعام في صناديق النفايات. بعد أن كانت تلك وسيلة الفقراء للعيش، أصبحت وسيلة غالبية الشعب.

محلياً، لا زلت أتذكر هذه الفترة جيداً، لم يكن هناك اهتمام شعبي أو إعلامي كبير بأسواق المال أو أسواق الأسهم وأسعار النفط كما هو حاصل في الوقت الحالي. كانت الصحافة السعودية في تلك الفترة لا تستطيع الحديث بحرية عن الوضع المالي للدولة. فور صدور ميزانية المملكة في تلك الأيام – قبل ثمان أو سبع سنوات لا أذكر بالتحديد – حدث تغير في الصحافة الاقتصادية. كانت الميزانية العامة للدولة تعاني من عجز مالي يقدر 45 مليار، وإجمالي النفقات 215 مليار، والإيرادات 158 مليار. وكانت أسعار النفط منخفضة جداً – 19 دولار للبرميل – . الحكومة السعودية التي وجدت نفسها تعاني شبح العجز السنوي أعطت الصحافة الضوء الأخضر للحديث عن الوضع المالي للدولة والعجوزات المستمرة والدين العام الذي قارب 600 مليار ريال. لم تكن الميزانيات السابقة تفصل العجز ومقدار الاقتراض. كانت تصدر وكفى الله المؤمنين شر القتال. أما في زمن السعر المنخفض للطاقة، تم فتح الباب للحديث بحرية عن الاقتصاد. قرأت سلسلة مقالات متتابعة وقتها بعد صدور الميزانية لكاتب في جريدة الوطن يطلب فيه محاسبة وزير المالية، ويطالب الحكومة وقتها بكشف الوضع المالي للدولة على حقيقته. لم تكن تلك المقالات أو الأصوات تظهر سابقاً. من تلك الفترة وإلى الآن أصبح الاقتصاد والمال لا يشغل المختصين والمستثمرين، بل وحتى المواطنين الذين اندفعوا في مغامرة مجنونة في أسواق المال.

لم أهتم يوماً بقراءة كتاب يتحدث عن الشئون المالية أو حتى الاقتصادية. كنت أتابع النشرات الاقتصادية وعلق بذاكرتي اسم رئيس البنك المركزي الأمريكي – الاحتياطي الفيدرالي – آلان غرينسبان. هذا الشخص داهية مالية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بكلمة بسيطة منه يستطيع أن يقلب الوضع المالي في أكبر الاقتصاديات العالمية والتأثير على أسواق العملات وتغيير التنبؤات الاقتصادية.. ” إذا تكلم غرينسبان فإن العالم, كل العالم ينصت له”. هذه الجملة قالها الرئيس السابق بيل كلينتون، وأجدها أصدق تعبير عن هذا الرجل.

صدر عن مشروع كلمة – تحت إشراف هيئة أبو ظبي للتراث والثقافة – هذه السنة ترجمة لكتاب من الكتب المهمة التي يجب الاطلاع عليها من كل شخص مهتم بالاقتصاد وتاريخ الاقتصاد العالمي الحديث. الكتاب هو عصر الاضطراب The Age of Turbulence لآلان غرينسبان، أشهر رئيس للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في التاريخ الأمريكي. يقع الكتاب في 600 صفحة مقسمة في 25 فصل. سأقسم الكتاب إلى أربعة أقسام. القسم الأول يختص بالسيرة الذاتية للكاتب. القسم الثاني قراءة في تاريخ الاقتصاد السياسي الأمريكي من الحرب الكورية وحتى العام 2006م. القسم الثالث قراءة في أزمات الاقتصاد العالمية من أزمة النمور الآسيوية إلى اقتصاديات أمريكا اللاتينية وروسيا والصين والهند. القسم الرابع تاريخية الفكر الاقتصادي وتنبؤات في اتجاه الاقتصاد الأمريكي والعالمي إلى العام2030م. لم أجد صعوبة في قراءة هذا الكتاب المليء بالمصطلحات الاقتصادية والمالية في القسم الأول والثاني والثالث – مايقارب 450 صفحة-. أما القسم الرابع فسأكون صادقاً، لم أفهم إلا النتائج، وهي تقريباً عشر صفحات، ولم أفهم التحليل الذي قارب 200 صفحة باستثناء الفصل المتعلق بالطاقة. يجب أن يكون القارئ مطلع على الشئون المالية بشكل كبير حتى يعرف تحليلات غرينسبان.

السؤال المطروح وقت قراءة الكتاب: هل يوجد للرأسمالية إرث فلسفي تستند عليه؟

تاريخ منافسة السوق والأسواق الحرة والرأسمالية حتى اليوم هي قصة مد وجزر اللورد الاسكتلندي آدم سميث مؤلف نظرية العواطف الأخلاقية وثروة الأمم في القرن الثامن عشر. عاش سميث في عصر تأثر بأفكار وأحداث حركة الإصلاح. ولأول مرة في تاريخ الحضارة الغربية بدأ الأفراد ينظرون إلى أنفسهم على أنهم قادرون على العمل بشكل مستقل بعيداً عن قيد رجال الدين والدولة. وانتشرت الأفكار الحديثة الخاصة بالحرية السياسية والاقتصادية. كانت تلك الأفكار هي بدايات عصر التنوير. كانت هناك رؤية لمجتمع يكون فيه للأفراد الذين يقودهم العقل حرية اختيار مصائرهم. كانت الثورة الصناعية الوليدة تحدث اضطراباً وتفككاً. وأعادت المصانع تشكيل المشهد الإنجليزي من جديد.

وسط الظروف المعقدة تلك حدد آدم سميث مجموعة من المبادئ التي أضفت وضوحاً على فوضى النشاط الاقتصادي. وصاغ رؤية عالمية للطريقة التي تعمل بها اقتصاديات السوق الناشئة عبر كتاب ثروة الأمم. سميث يحاول الإجابة في كتابه هذا عن أهم سؤال اقتصادي حتى الآن: ما الذي يجعل أي اقتصاد ينمو؟ أكد سميث في كتابه على المبادرة الفردية. هو ينتهي إلى أنه لكي نحسن ثروة أي دولة ينبغي على كل رجل أن يتصرف طبقاً للقانون، أن يكون حراً في السعي لتحقيق مصلحته بطريقته. كانت رؤية سميث المتعمقة لأهمية المصلحة الذاتية الأمر أكثر ثورية، ذلك أنه على مر التاريخ وفي ثقافات عديدة كان العمل من أجل المصلحة الشخصية أو السعي لتكديس الثروة عمل غير لائق، بل وغير مشروع. إلا أن سميث كان يرى أنه إذا كانت الحكومة توفر الاستقرار والحرية فحسب ولا يكون لها دخل فيما هو عدا ذلك, فسوف تتولى المبادرة الشخصية أمر المصلحة العامة. أو كما قال في محاضرة عام 1755م :

ليس هناك ما هو مطلوب لرفع الدولة إلى أعلى درجات الوفرة من أدنى درجات الهمجية إلا السلم والضرائب والإدارة المتسامحة للعدالة، وكل ما عدا ذلك كفيل به المسار الطبيعي للأشياء.

كان سميث يؤمن بأن العمل على نحو أكثر ذكاء وليس بجد أكثر فحسب، هو السبيل إلى الثروة. في الفقرة الافتتاحية من كتابه ثروة الأمم يبرز الدور المهم لتوسيع إنتاجية العمل. وقال إن المحدد الأساسي لمستوى معيشة الدولة هو المهارة، والبراعة، والحصافة التي يتم بها العمل بصورة عامة. كان ذلك يتعارض مع النظريات السابقة مثل المبدأ المركنتلي القائل بأن ثروة الدولة تقاس بما لديها من كنوز سبائك الذهب، أو المبدأ الطبيعي القائل بأن القيمة تستمد من الأرض.

من الغرابة بمكان أن آدم سميث لم يكن بطلاً لمن كانوا يكافحون خلال القرنين الثامن والتاسع عشر ضد ما كانوا يرونه همجية وظلم صاحب اقتصاديات السوق الحرة. بينما اجتذب حماس سميث الفكري ماركس -الذي كان يرى أن سميث وصف أصول الرأسمالية وطريقة عملها وصفاً دقيقاً- فقد كان يظن أن سميث أغفل النقطة الأساسية، وهي أن الرأسمالية ما هي إلا خطوة من الخطوات، ذلك أن ماركس كان ينظر إليها على أنها مرحلة تاريخية في التطور الحتمي لثورة وانتصار الشيوعية. عندما نجحت الرأسمالية على نحو باهر في تقديم مستويات معيشية أعلى للعمال خلال القرنين التاسع عشر والعشرين عادت عجلة التفكير الاقتصادي في التحرك لمصلحة آدم سميث في ستينيات القرن الماضي. قبل سنوات ليست بالطويلة كان الطريق لقبر آدم سميث مليء بالغبار والركام في أحد كنائس أدنبرة، أصبح الطريق الآن لقبر آدم سميث يتميز بحجر وضع حديثاً ويحمل نصاً من ثروة الأمم وأطلق اسم سميث على جامعة قريبة من كيركالدي مسقط رأسه.

الفيلسوف البريطاني جون لوك الذي أثرت فلسفته على أفكار الآباء المؤسسين للولايات المتحدة كان من المساهمين بأحد أفكار الرأسمالية، في مجال الملكية وحق رأس المال. في كتابه Second Treatise of Civil Government :

كما ثبت فإن الإنسان يُولد ومعه الحق في الحرية الكاملة، والتمتع الذي لا يقيده شيء بكل الحقوق والامتيازات الخاصة بقانون الطبيعة، متساوياً في ذلك مع أي رجل، أو كل الرجال في العالم، وله بحكم الطبيعة ليس فقط سلطة الحفظ على أملاكه، أي حياته وحريته وأرضه، من الأضرار واعتداءات الآخرين، بل كذلك الحكم على انتهاكات الآخرين لذلك القانون والمعاقبة عليها، بالقدر الذي يكون مقتنعاً بأن الجرم يستحقه، حتى بالموت نفسه في الجرائم التي يرى أن شناعة الأمر تقتضي ذلك.

هذه النظريات الفكرية أثرت بآلان غرينسبان الشاب،عازف الساكسفون في أحد الفرق الموسيقية، والذي لم يقرأ ذهب مع الريح بسبب غوصه في أحد ملفات مستودعات خام النحاس في تشيلي. هناك نظرية وفلسفة ثالثة هي الأكثر تأثيراً بغرينسبان الشاب وكانت عامل استقرار له، وهي آين راند، الروائية والفيلسوفة الأمريكية ومؤسسة التيار الموضوعي في الفلسفة الغربية Objectivism. رائد هذه الفلسفة هو لودفيج فتجنشتاين، ومبدأ هذه الفلسفة هو أن المعرفة لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال الحقائق والأرقام، فهي تشدد على البرهان الصارم، وليس هناك مطلقات أخلاقية، فالقيم والأخلاق التي يتصرف بها الناس انعكاسات للثقافة وليست موضوعاً للمنطق. أيدت نزعة راند الموضوعية رأسمالية النشاط الاقتصادي الحر باعتبارها الشكل المثالي للتنظيم الاجتماعي. لم أكن أعلم أن لراند هذا التأثير الفكري الهائل على رجل اقتصاد مثل غرينسبان. تحاور معها في بداية معرفتهم ببعض وسقط أمام ما أسماه الوضعية المنطقية عند راند. أعطته الإلهام قبل لقاءهم الأول عبر رواية The Fountainhead . كانت تدعوه حسب تعبيره إلى عدم حصر نفسه بالشئون الاقتصادية وإنما يجب أن ينظر إلى ما خلف الاقتصاد، إلى حياة الناس وشئون تنظيم حياتهم.

كتاب عصر الاضطراب بحث لا مثيل له لطبيعة هذا العالم الجديد، يقدمه آلان غرينسبان من خلال تجاربه في غرفة قيادة الاقتصاد العالمي لفترة أطول وعلى نحو أعظم أثراً من أية شخصية حية أخرى. هو يبدأ روايته في ذلك الصباح من يوم الحادي عشر من سبتمبر، إلا أنه يقفز عائداً بعد ذلك إلى طفولته ويتتبع قوس رحلة حياته المميزة من خلال أكثر من ثمانية عشر عاماً من منصبه كرئيس لبنك الاحتياط الفدرالي منذ 1987 إلى 2006 خلال فترة التغير الذي أحدث تحولاً. يعرض آلان غرينسبان قصة حياته إلا أن هدفه الآخر هو أن يجتذب القراء على طول منحنى التعلم نفسه الذي سار هو عليه، وذلك كي يطلعوا على فهمه للديناميكيات الأساسية التي تحرك الدكتور غرينسبان إلى الحاضر كي نتبعه قدماً. يبدأ استعراضاً عاماً رائعاً للاقتصاد العالمي. وهو يكشف قضايا النمو الاقتصادي الكلية، ويبحث بدقة حقائق بعينها على الأرض في كل بلد ومنطقة من بلدان العالم ومناطقه الرئيسية، ويوضح إلى أين تنطلق خطوط اتجاهات العولمة. سوف يكون عصر الاضطراب، باعتباره تركيزاً لحكمة ومعرفة عميقة ببواطن الأمور على امتداد الحياة في تعبير رائع عن نظرة كلية متماسكة، ميراث آلان غرينسبان الشخصي الفكري.

يستعرض المؤلف في النصف الأول من الكتاب رحلة حياته بدءاً من انفصال والديه بعد ولادته بقليل، ومروراً بدراسته الثانوية ثم الجامعية وحصوله على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، وافتتاحه مكتباً للمحاسبة والاستشارات الاقتصادية، وهو ما فتح أمامه الأبواب وسرعان ما لمع نجمه وانضم إلى الحملات الانتخابية للمرشحين من الحزب الجمهوري – باعتباره جمهوريا- أثناء الانتخابات الرئاسية، وانتهاءً باختيار الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان له لرئاسة بنك الاحتياط الفيدرالي في عام 1987، وهو أحد أكبر المؤسسات الاقتصادية المؤثرة ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في العديد من بلدان العالم. يقول غرينسبان أنه أتيحت له فرصة التفاعل مع كل واضعي السياسات الاقتصادية المهمين في الجيل السابق في الولايات المتحدة والحصول بطريقة لا مثيل لها على معلومات تقيس اتجاهات العالم من الناحية العددية، ومن الناحية الاقتصادية والسياسية، واستنتج منها أن هناك عوائق ضخمة سوف تواجه العالم في العقود المقبلة يجب مواجهتها.

يحذرنا التاريخ من أن العولمة قابلة للانتكاس، ومن الممكن أن نخسر الكثير من المكاسب التاريخية التي تحققت في ربع القرن المنصرم، فالحواجز التي تقف في سبيل التجارة التي سقطت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يمكن أن تحيا من جديد، ولكن من المؤكد أن هناك نتائج شبيهة بتلك التي أعقبت انهيار البورصة في عام 1929. إن العالم كامل العولمة هو ذلك العالم الذي يحرك فيه الإنتاج والتجارة والتمويل غير المقيد، البحث عن الربح والمخاطرة اللذين لا يعيران أي اهتمام للمسافة والحدود القومية. ولن تتحقق تلك الحالة أبداً، كما يقول المؤلف، لأن كراهية الناس الفطرية للمخاطرة والتحيز للاستثمار المحلي، الذي هو أحد تجليات تلك الكراهية، يعنيان أن للعولمة حدوداً.

أثار اهتمامي فصل الحماسة غير المعقولة، وهو إلى حد كبير يصف حالة سوق المال السعودي الذي فقد فيه غالبية من المواطنين مدخراتهم المالية. في عام 1995 سجل التاريخ العام الذي ولد فيه انتعاش تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. تلك الثروة الهائلة من المعرفة استلزمت أربعين عاماً حتى تكتمل. بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بابتكار الترانزستور، وساعد جهاز الحاسب تكنولوجيتي الليزر والألياف البصرية من أجل الاتصالات في إعداد المسرح لظهور شبكة الانترنت الذي بدأ مفاجئاً وسريعاً. الإنتاج المتسارع – الحقيقي – لم يكن مبرراً لجنون ارتفاع أسعار الأسهم كما يقول غرينسبان. هذه الحقيقة كانت صدمة لي كقارئ. إذا كانت شركات التكنولوجيا التي أنتجت الكثير وحققت الكثير من الأرباح التشغيلية يقول عنها غرينسبان أن صعودها مجنون وغير مبرر في تسعينيات القرن الماضي, فكيف أصف صعود شركات سعودية قبل الانهيار الكبير أرباحها التشغيلية صفر بالمائة! في التسعينات الميلادية تعرضت أسواق المال الأمريكية لنكسة مشابهة لأزمة السوق السعودية. تحول الشعب الأمريكي إلى جيش من حملة الأسهم، والصحافة أصبحت تبارك هذا الصعود المجنون الذي قالت عنه صحيفة النيويورك تايمز بأنه الأكثر ارتفاعاً في التاريخ الأمريكي. حطم مؤشر السوق ثلاث ألفيات خلال عام واحد فقط. الواقع هو أن أحد العوامل الأساسية التي تسبب ارتفاع أسعار الأسهم هو ثقة المستثمرين المتزايدة بأن الارتفاع سوف يستمر. ماذا لو تضخمت تلك الأسعار وأصبحت غير مستمرة؟ أسعار البورصة -التي تضم شركات تكنولوجيا المعلومات، والتي تحقق أرباح تشغيلية حقيقية- مبالغ في قيمتها ولن تؤدي إلى خير حسب تعبير غرينسبان. جميع الحوادث التي أعقبت الارتفاع الجنوني في التسعينيات مشابهة تماما للواقع السعودي, هجوم على أي محلل مالي يتنبئ بانهيار الفقاعة، وصعود متتابع ومجنون لأسعار الأسهم .. ومن ثم، شاه مات !

في الثالث والعشرين من أكتوبر الماضي نشرت صحيفة التايمز اللندنية على غلافها صورة لكارل ماركس مع عنوان يقول لقد عاد، مع سؤال مثير للجدل اختارته كعنوان فرعي يقول: هل تثبت أزمة الأسواق المالية أن كارل ماركس كان على صواب طوال الوقت؟

يقول غرينسبان في مقدمة كتابه بأن الناس كثيراً ما كانوا عبر التاريخ يعتقدون بأن في الإمكان التنبؤ بأحداث المستقبل. فلقد كان القادة العسكريون اليونانيون يستعينون بالعرّافين والكهنة قبل القيام بغزواتهم ومغامراتهم العسكرية. التنبؤات الاقتصادية الكلية فن أكثر منه علم إلى حد بعيد. ويتساءل غرينسبان: إلى أي حد يمكننا أن نتنبأ بما هو آت في المستقبل؟ ثم يجيب عن ذلك بالإشارة إلى أن من حسن حظ صنّاع القرار السياسي أن هناك نوعاً من التواصل التاريخي في طريقة عمل وأداء المجتمعات والأسواق في الدول الديمقراطية. وهناك أيضاً الكثير مما يمكن أن يقال حول استشراف وضع الاقتصاد الأميركي والعالمي خلال العقود القليلة المقبلة وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار مقولة ونستون تشرشل: بقدر ما تتمكن من النظر بشكل أبعد إلى الماضي، بقدر ما يمكنك النظر أبعد إلى المستقبل.

العالم تعرض لانهيارات ومنعطفات حادة استطاع الخروج منها بكل ذكاء. عام 1958 الذي أكسب غرينسبان شهرة كبيرة بعد أن حذر من الكساد العظيم استطاعت الولايات المتحدة الخروج منه، ومرت بانتكاسات وانهيارات وصعود مفاجئ وفوائض في الميزانية. لا يوجد هناك شيء ثابت في الأمور المالية الدولية، هناك تغيرات وتنبؤات تستطيع البناء عليها. الديمقراطيات التي بها صحافة حرة وحماية لحقوق الأقليات هي الشكل الأكثر فاعلية للحكم الذي يحمي حقوق الملكية. وذلك بصورة عامة، لأن تلك الديمقراطيات التي نادراً ما تسمح للسخط ببلوغ النقطة التي تؤدي إلى تغيرات قابلة للانفجار في الأنظمة السياسية الأخرى.

2/12/2008

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s