طريق النور وثلاثة وعشرون حكاية


بعد ظهور الاعترافات أعلن ممثلو نقد علم الجمال الذين باركوا العبقرية الفنية لكاتب الحرب والسلم و آنا كارينينا أن تولستوي الأخلاقي قد قتل تولستوي الفنان! وممثلوا الحركة الاجتماعية تحدثوا كذلك عن وجود ازدواجية بين تولستوي المفكر وتولستوي الفنان! فأي حقيقة تلك التي أوجبت على ممثلي علم نقد الجمال والحركة الاجتماعية أن ينتقدوا تولستوي المفكر وداعية السلام، ويرثون تولستوي الفنان الذي قتل بعد الاعترافات حسب تعبيرهم؟ وما علاقة كل هذا بالفن والجمال؟

على أرض الواقع تولستوي قبل الاعترافات مختلف كل الاختلاف عن تولستوي بعد الاعترافات – في إطار الأدب بالتحديد-. إذا كان التغيير قد طال الفكر ونظام الحياة بشكل كامل، فما يضير الأدب لو تغير معه كذلك وأصبح مرآة لحياة هذا الروسي الكبير؟ الفن الذي أعلن ممثلوه أن تولستوي قتله يرى بعد الاعترافات أن الفن مبني على أن الإنسان الذي يتلقى بوساطة السمع أو البصر أحاسيس إنسان آخر، بوسعه أن يعاني من تلك الأحاسيس نفسها التي عاناها الإنسان الذي عبر عنها. إنه يعلن أن الفن اتجه للواقع وتخلى عن النظرة الرومانسية، وأصبح الفن يقوم بدور التوصيل والنقل والتعبير، والفن هو نشاط إنساني يكمن في أن يقوم إنسان ما بوعي وبوساطة إشارات خارجية معروفة بنقل الأحاسيس التي يعاني منها إلى الآخرين.


يرى تولستوي في كتابه ما هو الفن أن وظيفة الفن تتلخص في أن يبعث في المتلقي شعوراً يشبه الشعور الذي أحس به المبدع نفسه، ويرى أنّ انتشار العمل الأدبي هو مقياس لأصالته وجودته، أما اقتصار الفن على طبقة الأغنياء فدليل على زيفه وعدم أصالته، فالعمل الأدبي الغير المفهوم يشبه الطعام الشهي الذي لا يتقبله معظم الناس. العمل الأدبي الجيد هو العمل المفهوم من قبل الفلاح البسيط. ولذلك فهو يستبعد الأعمال الأدبية التي تسد فراغ الطبقات المترفة، والتي لا تخدم الفلاحين. ولا يكتفي تولستوي بذلك، إلى درجة أنه استبعد إحدى روائعه مثل آنا كارينينا لأن الفلاح لا يستطيع قراءة رواية تقع في ثلاثة مجلدات. فلجأ تولستوي إلى كتابة الحكايات الشعبية القصيرة المفهومة من قبل الفلاحين، فهو لا يطلب من الفلاح البسيط الارتقاء إلى مستوى الأدب الرفيع، بل يطلب من الأديب أن يكتب أعمالاً مفهومة من قبل الفلاحين. وبالتالي، فبرأيه أن الحكايات الشعبية البسيطة وأغاني الفلاحين هي أهم من روائع الأعمال الأدبية.‏

بعد قراءة اعترافات تولستوي بدأت بقراءة هذه المجموعة القصصية لتولستوي: سيروا في النور وثلاثة وعشرون حكاية Walk in the Light and Twenty-Three Tales. ينقسم الكتاب بين قصص قصيرة وقصص طويلة وحكايات للأطفال وقصص من التراث الشعبي، ومن حكايات الجآن، وحكايات للسينما وحكايتين مقتبسة من كتاب فرنسيين.

لا يوجد أجمل بعد أن تكتشف تولستوي المفكر بعد الاعترافات أن تتعرف على تولستوي الأديب عبر هذه المجموعة المذهلة. تولستوي ينزل من الأعلى، من الطبقة الراقية في أعماله الضخمة إلى الفلاحين والفقراء. إذا كانت الاعترافات هي الخط الفكري لتولستوي، فإن هذا الكتاب هو الخط الأدبي لهذه الاعترافات. جميع تساؤلات وحيرة تولستوي المطروحة في الاعترافات هي نفسها الموجودة في هذه القصص القصيرة المميزة. تولستوي موجود في بعض شخصيات هذه القصص، قصة اصطياد الدب ليست إلا مغامرة تعرض لها تولستوي نفسه عام 1858م، ثم بعد أكثر من عشرين سنة أقلع عن الصيد لأسباب إنسانية.

بشكل عام: لن أقول بأن القصص قد راقت لي أو لم تعجبني بعضها، بل سأقول وأنا على يقين بأن هذه المجموعة القصصية هي أجمل ما قرأت في فن القصة القصيرة على الإطلاق. الأفكار العامة في هذه القصص محصورة في الجوانب الأخلاقية والاجتماعية: السعادة العائلية والزوجية، الإيمان بالله، والبحث عن الله، والتحلي بأخلاق المسيح والسير على طريقه. أعتقد بأن بعض القراء سوف يرفضون أو يتحفظون على قراءة قصص مليئة بالوعظ الديني لديانة أخرى. أنا لم أجد ما هو مختلف في الوعظ القصصي لتولستوي بين الروح الدينية الإسلامية أو المسيحية. عناوين القصص بسيطة وتعطي تأويل محصور بالفكر الوعظي في قصص تولستوي مثل: سيروا في النور مادام لكم النور، الله يرى الحقيقة ولكن يتأنى، بم يحيا الإنسان، حيث تكن المحبة يكن الله، الشر يغري لكن الخير أبقى .. الخ. وفي مقدمات هذه القصص يقتبس تولستوي بعض الآيات من الإنجيل للتدليل على قضيته، وغالباً ما تكون هذه الآيات تدعو للخير والمحبة. قصة بما يحيا الإنسان مثلاً بدأت بست آيات من الإنجيل: وأما من كان له معيشة العالم، ونظر أخاه محتاجاً، وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه؟ لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق .. الله محبة، ومن يثبت في المحبة يثبت في المحبة والله فيه .. إن قال أحد إني أحب الله، وأبغض أخاه، فهو كذاب، لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره، كيف يقدر أن يحب الله الذي لا يبصره؟ .. الخ

في قصة طريق النور يستخدم تولستوي أسلوب التوازي لإبداء المتناقضات، سعادة بمفيليوس وتعاسة يوليوس. في زمن أحد أباطرة روما الخمسة تراجان تجري حكاية هذه القصة في بداية صعود الديانة المسيحية. يوليوس في بداية القصة يطرح تساؤلات تولستوي في كتاب الاعترافات: من أنا؟ إنسان يبحث عن السعادة ولم يجدها. يعتزم يوليوس الذهاب إلى مكان مخصص للمسيحيين حيث يقيم فيه صديقه العزيز بمفيليوس للبحث عن أسباب السعادة، وفي كل مرة يريد الذهاب إليه يصطدم بأحد المثقفين الرومان، الذي يصده عن طريقه ويرده إلى الفكر الروماني والحضارة الرومانية بفنونها وعلومها. السعادة موجودة في هذه الحضارة وليس في مكان أغلب سكانه ينكرون الذات حسب تصور هذا المثقف! القصة تحمل فكر فني وفلسفي رفيع، من يقرأ أعمال تولستوي الكبيرة السابقة سيجد روح تولستوي الروائية بكثرة، خاصة بالحوارات الفكرية المميزة التي يتميز بها هذا الروسي.

قصة أخرى من القصص الشعبية أثارت إعجابي, وهي قصة بم يحيا الإنسان؟ هذه القصة عميقة جداً. أسلوب طرح القصة – وهذا هو الشيء المثير – بسيط جداً وواضح. القصة تدور في منزل سيمون الإسكافي. في طريق عودته يجد إنسان غريب جداً، يذهب هذا الغريب إلى منزل سيمون وتدور أحداث هذه القصة في منزل سيمون لست سنوات. هذا الرجل في الأخير لم يكن إلا ملاك عصى الله. كانت معصية هذا الملاك أن الله أرسله ليقبض روح امرأة مريضة، بعدما وضعت قبل ساعتين بنتين توأمين. لم يطع الملاك إرادة الله، فعاد إلى السماء وقد أثاره منظر الأم وهي تجذب أطفاله إليها. حينها، يؤُمر هذا الملاك بالعودة للأرض لقبض روح هذه المرأة، ولكي يتعلم ثلاثة حقائق عميقة: ماذا يسكن داخل الإنسان؟ وما لم يعطه الإنسان ؟ وبما يحيا الإنسان ؟

قصة أخرى مثيرة بفكرتها وبنيتها القصصية وهي قصة إيفان المغفل. إيفان رجل مغفل بكل ما تحمله الكلمة من معنى, طريق سعادته ونور حياته هي الفلاحة وعدم رد أي محتاج، أي محتاج أياً كان! يستطيع بفترة وجيزة أن يحكم مملكة كبيرة تضم أناس من أفكاره وشخصيته. إنه مثال للمسيح الروسي، يسير على خطى المسيح: باركوا لاعنيكم, صلوا لأجل أعدائكم ولأجل مضطهديكم، أحبوا من يبغضونكم، إذا لطمك أحد على خدك الأيمن فحول له الخد الآخر، فتكون كاملاً، وإذا أجبرك أحد على السير معه ميلاً واحداً فسر معه ميلين. هل يستطيع إيفان أن يتأقلم مع عالم فيه من الشر الكثير؟ هذا ما ستجيب عنه القصة المليئة بالإثارة والسخرية، حين يغزو أحد الملوك أرض إيفان، ينتصر إيفان رغم أنه لم يملك أي قطعة سلاح، يعلن عليه الشيطان الحرب وينتصر مرة أخرى بجنود لا يحملون أي قطعة سلاح، في مواجهة الحروب تجد هؤلاء المغفلين ينشدون الأناشيد الشعبية. القصة فيها سخرية حادة وذكية، من قرأ رواية الأبلة لدستويفسكي سيجد شخصية إيفان المغفل مشابهه جداً لشخصية الأمير ميتشكن، الرجل الطيب، المسيح الروسي حسب تصور دوستويفسكي.

16/12/2008

Advertisements
هذا المنشور نشر في تولستوي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s