جين آير


في شهر رمضان الماضي عرض فيلم في أم بي سي 2, لم أعرف هذا الفيلم صراحة ولكن شيء ما شدني إليه, ممكن تقاسيم وجه الفتاة أو شيء آخر, سألتني زوجتي باستغراب إذ المفروض كقارئ مثلي أن يعرف هذا الفيلم: هذا فيلم جين آير.. ألم تقرأ الرواية؟ هذا الفيلم أعاد لي الحنين لقراءة جين آير بترجمتها الكاملة. حينها توقفت عن مشاهدة الفيلم وقمت بتسجيله, وذهبت لشراء ترجمة منير البعلبكي الكاملة للرواية, والتي تناهز عدد صفحاتها الثمانمائة تقريباً.

قراءة هذه الروية بالنسبة ليّ, لن أقول أنها سيئة أو لم تكن كما توقعت, ولكن أحسب أن وقت القراءة كان غير مناسباً من ناحية قراءة الرواية, وفكرة الرواية. قرأت رائعة شارلوت برونتي بعد قراءة رواية الشياطين لدستويفسكي, وكم هو صعب وصعب جداً أن تقرأ أي رواية لأي روائي آخر بعد أن تتشبع من الروح الدستويفسكية في التحليل النفسي لشخوص رواياته وتعريتهم أمام الملأ. روايات من هذا النوع ليست بروايات الأحداث أو الحافلة بالإثارة كالروايات البوليسية, وإنما أفكار, عدة أفكار كبيرة ومثيرة يصوغها قي قالب الفقر والموت, ثم يطرحها في قالب روائي كبير ومثير لن يخرج القارئ منها إلا ورأسه مثقل بكم هائل من الأفكار المثيرة.

من يعشق روايات الأفكار – وجهة نظر – لن تعجبه أي رواية تسير على مستوى السطح, وحافلة بالأحداث المثيرة. جين آير ليست رواية فكرية أستطيع أن أقول أنها من المحببة إليّ, وليست رواية من روايات الأحداث والإثارة, حين يقرأها القارئ لن يترك الكتاب حتى وهو منتهي منها بسرعة قياسية. هناك نقطة واحدة تمسكت بها, كانت تسير عليه شارلوت برونتي في الرواية, وهي العواطف الإنسانية, والضرب على المشاعر البشرية وإثارة روح الخير فيها عبر هذا الكم من الفقر, الحزن, وإهانة الإنسان.


في قصر غايتسهيد, طفلة فقيرة يتيمة لم تبلغ الثامنة من العمر تتلقى أنواع الإهانات والضرب من سيدة القصر وأبناءها, إن مجرد ذكر هذا السطر ليثير الحزن حتى في قساة القلوب, إذ كيف بطفلة من الطبيعي أن تكون الآن تلعب أو تمارس هواية من الهوايات المحببة إليها أن تتلقى صنوف من العقاب بالحبس في أعلى القصر, حيث الخوف, والخوف, والظلام. وأنا أقرأ جين آير حاولت أن أبعد نقطة العواطف الإنسانية في الرواية, يجب أن تكون حواسي وكل تركيزي منصباً على المشهد الروائي فقط دون التمسك بأي شيء يجعلني أتمسك بالرواية, ولكن جين آير من بداية الرواية وهي تبكي في أحد غرف القصر, تجعل بعض القراء مثلي ينصاعون لرغبتها في المشاركة بالعواطف الإنسانية حتى لو لم يرغبوا بذلك: لماذا يتعين عليّ أن أقاسي هذا العذاب كله؟

في الغلاف الأخير من الرواية يقول الناشر أن كل سطر من سطور هذه الرواية شيئاً من روح أو حياة شارلوت برونتي نفسها. فما هي حقيقة ذلك في سيرة جين آير, الرواية والشخصية؟

شارلوت برونتي, واحدة من عدة فتيات من آل برونتي, لم يجدن سوى القلم للهروب من العالم الموحش, عالم الأب المتشدد. لم تكن لهم حياة كباقي الفتيات, لقد فرض عليهم العزلة وعدم الاختلاط. كان تفكير الأب عند الاجتماع مع أطفاله منصباًَ على الحياة الآخرة, عن جهنم, والشيطان والموت! لم أقرأ سيرة شارلوت برونتي قبل قراءة الرواية, ولكن الحوارات التي دارت بين جين آير مع صديقتها هيلين بيرنز عن الموت والحياة الآخرة والإيمان بالله أثارت اهتمامي بسيرة هذه المرأة المجهولة بالنسبة لي. صورت شارلوت عبر شخصية جين آير الفكرة التي كانت تؤرقها حول الموت عبر عدة حوارات مختلفة, منها حوار جين آير مع السيد كلهورست في بداية الرواية, كلهورست رجل دين متشدد يرعى ملجأ تعليمي للأطفال, نظريته في الحياة أن إشباع الذات البشرية ليس طريقة جيدة لإنشاء جيل مؤمن, بل يجب على هذا الجيل حتى لو كانوا أطفالاً أن يتعلموا ما قاسوه المسيحيين القدماء, ليس مهماً أن تكون جائعاً, تعلم القسوة والصبر, الجرأة ونكران الذات والجلد هي الطريقة الوحيدة لتنشئة الفتيات الصغيرات. ولذلك, في أول ظهر لهذه الشخصية كانت الفكرة المطروحة أمام أي سيدة تفكر في إرسال أي فتاة للدار, أن تعرف أن هناك جهنم قد تذهب إليها يوماً ما!. وفي آخر ظهور لهذه الشخصية أرادت شارلوت أن تلغي هذه الشخصية عبر السخرية منها, ظهرت هذه الشخصية في الأخير بشكل مضحك جداً, حين طلب من مديرة الدار أن تجز شعر الفتيات فقط لأنها طويلة.

ومرة أخرى تتعلم جين آير الإيمان الحقيقي مع شخصية هيلين بروز, أروع شخصية في الرواية بالنسبة لي. جين آير كانت كأي إنسان سويّ وجد أمامه صنوف من العذاب والإهانات, لو حقدت أو كرهت وأبغضت معذبيها لما لامها أحد في ذلك, هيلين بروز ترفض نظرية جين آير وتعتبر مجرد التفكير بالحقد والكره هو شعور الإنسان الوحشي, الإنسان المؤمن يجب أن يسير على خطى المسيح: أحسنوا أعداءكم, باركوا لاعنيكم, أحسنوا إلى مبغضيكم وظالميكم. كان ذلك على المستوى الفكري, حول الإيمان بالله وبالإحسان إلى الغير, فما مصير الموت الذي يؤرق شخصية جين آير, وشارلوت برونتي نفسها؟

في مشهد وفاة هيلين بيرنز الحزين, تتلقى جين آير النور الذي تحلم به, عبر الحوار الذي أستطيع وصفه بالذكي والهادئ. شارلوت برونتي استخدمت خطاً هادئاً يحمل عاطفة جياشة : “أنا أؤمن بالله .. لدي إيمان بالله .. أنا ملتحقة بالله .. خالقي وخالقك الذي لا يهدم أبداً ما خلق, إني لأفوض أمري في غير تردد إلى قدرته, وأثق كل الثقة بإحسانه. أنا أعد الساعات شوقاً إلى حلول تلك الساعة المهيبة التي تردني إليه, وتيسر لي إجتلاء عاطفته”. ببراءة هؤلاء الأطفال الحزينة, حيث الموت عبر مرض التيفوس والسل يضرب الدار, تضم هذه الطفلة بيرنز بطلة الرواية جين آير, بعد كل هذا, ألا تشكل إثارة العواطف الإنسانية الخط الرئيسي في رواية جين آير بأكملها؟ حين نعرف أن هذا الموت الذي صورته شارلوت برونتي لم يكن إلا تصوير لموت أخواتها في مدرسة كوان بريدج أستطيع أن أقول أن جمال هذا التصوير نتج من تجربة شخصية للكاتبة. كذلك منافقة وتعنت مدير المدرسة المتدين السيد كلهورست مبني بشكل جزئي على شخصية القس كاروس ويلسون رجل الدين الذي كان مديراً لمدرسة كوان بريدج.

اتخذت الرواية طريقة السرد الذاتي, بحيث تكشف شخصية الرواية – جين آير – عن سيرتها الذاتيه من الطفولة ومرحلة الشباب إلى الزواج, في فترة امتدت من ثمان سنوات إلى التاسعة والثلاثين. هناك خمس مراحل في الرواية, كل منها مرتبط بمكان معين: طفولة جين في غايتسهيد, تعليمها في مدرسة لو وورد، والزمان الذي أمضته كمربية خاصة لآديل في ثورنفيلد، ووقت إقامتها مع عائلة ريفرز في مورتون، وفي مارش إند الذي يطلق عليه أيضاً موور هاوس. ولقاءها مجدداً وزواجها من روتشيستر في فيرندن. من خلال هذه التجارب المختلفة أصبحت جين المرأة الناضجة الواثقة من نفسها إلى درجة كتابة رواية تعود بها إلى الوراء في حياتها الماضية.

سأظلم الرواية إن قلت أن إثارة العواطف كانت الخط الذي تعتمد عليه شارلوت في الرواية, النزعة التحليلة لشخوص بعض أبطال الرواية الرئيسية كان ذكياً و موفقاً مثل شخصية إدوارد روتشيستر, حين تفرد له شارلوت صفحات طويلة ليحكي حياته والآثام التي ارتكبها, وتصوير حياة القس سانت جون, وطلبه من جين آير الزواج من أجل المهمة الدينية, لا من أجل الحب وتأسيس عائلة مستقرة. حتى الوصف الفني للطبيعة في الرواية كان جميلاً, إذ تفرد الكاتبة صفحات طويلة لوصف الحدائق والقرى الريفية بشكل بهيج, كأنك تشاهد منظراً بديعاً في الريف الإنجليزي.

بعد قراءة جين آير لشارلوت برونتي, أجد رواية إيملي برونتي شقيقة شارلوت الصغرى – مرتفعات وذرينغ – واقفة أمامي. ستكون هذه الرواية محطتي القادمة بالتأكيد, وحتى أجد بيوغرافيا عن عائلة الأديبات الثلاث من آل برونتي, أستطيع وصف عائلة آل برونتي الأدبية بهذه الكلمة اللاتينية المكتوبة على قبر بيرنز Resurgam , والتي لا تعني إلا الوقف من جديد, في طريق الحياة.

26/10/2008

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s