اعترافات تولستوي: رحلة البحث عن الله


أتذكر جيداًَ ذلك الشعور الغريب الذي انتابني عند قراءة إحدى ملاحظات مكسيم غوركي عن تولستوي. يقول غوركي: صعقني قول غريب في اليوميات التي أعطاني إياها تولستوي, تلك العبارة هي الله هو أمنيتي. حينما استوضحته عن معنى هذه الأمنية قال: فكرة غير مكتملة, لا بد أني قصدت إلى القول, الله هو أمنيتي كيما أدركه .. لا , ليس هذا .. . كان تولستوي حسب تصور غوركي ومن أحاديث جانبية بينهما تشغله فكرة الله حتى تكدر صفاء ذهنه. يقول تولستوي في بعض أقواله المذكورة في ملاحظات غوركي: ماذا نقصد عندما نقول أننا نعرف؟ أعرف أنني تولستوي, ولي زوجة, وأولاد, وشائب الشعر, وقبيح الوجه, ولي لحية. وهذا كله مدون في جواز سفري. ولكنهم لا يدلفون إلى الروح في جوازات السفر! كل ما أعرفه عن روحي أنها تتوق إلى الاقتراب من الله. لكن ما هو الله ؟ هذا الذي روحي هي ذرة منه. هذا هو كل شيء!

هذا الملاحظات أصبحت صور تمر في ذهني كلما مر اسم تولستوي في أي قراءة. أتخيل وجه مكسيم وهو يسأل معلمه عن هذه الأمنية الحلم, فيرد وجه الشيخ الكثيف اللحية, المعتمر قبعة الفلاحين, بابتسامة عريضة تنسي المحاور الآخر السؤال برمته, وما إن يلتفت إلى الخلف, تطفر منه دمعة كشخص ساذج, ويولي هارباً حتى تشتعل هذه الأمنية كبركان على وشك الانفجار.

هذه الملاحظات لم أعرف ماذا تشكل على وجه الحقيقة في حياة تولستوي, المفكر والأديب المشهور. دستويفسكي في أغلب أعماله الكبيرة, وحتى في كتب السير الذاتية, يعطي توضيح حاد لرحلته إلى الله والإيمان: لقد وصلت إلى الله عبر طريق طويل وشائك من الإلحاد والشك الكبير. قرأت رائعة آنا كارينينا قبل فترة, وكانت أول عمل كامل لتولستوي أتم قراءته بالكامل. كنت أتمنى أن أجد تفسير في الرواية لهذه الأمنية التي تراود تولستوي في دفاتر يومياته, ولكن لم أجد إلا حيرة مضاعفة بسبب شخصية قسطنطين ليفين, والذي عبر عن أكثر أراء تولستوي غموضاً. ليفين: تلك الشخصية التي لم تكن إلا تولستوي نفسها بكل تطرفها. كتب تولستوي عن نفسه في هذه الرواية وعبر عن أكثر آراءه بشكل حاد. من سيقرأ بعض ما كتب في يوميات تولستوي المنشورة في صور أدبية لمكسيم غوركي سيجد أغلب أفكاره مطروحة في شخصية ليفين. من أنا؟ وما هو هدف حياتي؟ والأهم: أين الله؟ من هو الله؟ وكيف أحيا بوجود الله؟ ما هو الوجود؟ ولماذا أنا موجود؟ هذه الأسئلة لإنسان مغرق في الشك – وملحد – كانت ذا تأثير عميق في الرواية, وتفنن تولستوي بتصويرها بأروع ما يكون التصوير الفني. ولكن, وهذا السؤال هو الأهم: من أين ظهرت هذه الأمنية؟ وما دلالتها في حياة تولستوي الأدبية والفكرية؟ وأخيراً: هل تحققت أمنيته؟ هل عرف الله كما تتمناها روحه؟


لمعرفة الجواب يستلزم أن تقرأ أكثر, أن تعرف سيرة حياته, وبشكل خاص مسيرة تولستوي الفكرية. كانت مهمة البحث عن أجوبه لهذه الأسئلة ليست بالسهلة على الإطلاق. كتب البيوغرافيا التي تحدثت عن تولستوي لم تستطع الإجابة عن هذه الأسئلة بالتفصيل. الناقد الروسي ك. لومونوف عبر كتابه صفحات مجهولة من حياة تولستوي يقدم سيرة أدبية رائعة ومشوقة لتولستوي. الجانب الأدبي طغى على الجانب الفكري مما سبب غموض أكثر بالنسبة لي. لومونوف يقدم لي تولستوي الأديب, صاحب الروائع الخالدة : الحرب والسلم, آنا كارينينا, البعث, أنا لا أريد تولستوي هذا, أريد تولستوي صاحب الأمنية الكبيرة: الله هو أمنيتي.

دائماً ما أجد أقوال دستويفسكي عن تولستوي موفقة وتصف الحالة العامة لتولستوي على وجه الدقة, هو لا يتكلم كثيراً ولا يرفع منافسه لمستوى أكبر منه, رغم أنهما منافسين شرسيين. حينما يقول أن آنا كارينينا هي أعظم رواية روسية فهو صادق. آنا كارينينا هي أقرب لمسمى الرواية أكثر من أي عمل روسي أخر. أما حينما يقول أن أمثال تولستوي هم معلموا المجتمع، معلمونا، ونحن مجرد تلاميذ لهم, فذلك يستلزم البحث لتعرف لماذا وصف دستويفسكي منافسه الشهير بوصف المعلم الكبير؟ وهل لهذا الوصف والتبجيل علاقة بأمنية تولستوي؟

لن يستطيع أحد أن يحلل ويفسر لي أمنية تولستوي أكثر من تولستوي نفسه, عبر كتابه الشهير اعترافات تولستوي A Confession and Other Religious Writings . ولكن المصيبة أن الكتاب غير متوفر في المكتبة العربية حسب علمي المتواضع. قررت شراء الكتاب في أقرب زيارة للخارج, وها هو كتاب الاعترافات بين يدي الآن, مع نهاية هذه السنة أجد هذا الكتاب أكثر الكتب تأثيراً عليّ حتى الآن!

اعترافات تولستوي .. صدر هذا الكتاب عام 1879م, أي بعد صدور آنا كارينينا بفترة ليست بالطويلة. إن كان تولستوي أراد أن يكون ليفين هي الشخصية التي تعبر عن أرائه الفكرية بشكل يحمل بعض الغموض, فإن كتاب الاعترافات أزال هذا الغموض بشكل كبير, وأعلن صاحبه أن هذه الشخصية هي جزء منه, جزء من قلبه الذي بحث عن الله والإيمان, ولا يعرف حتى الآن أي طريق سيسلك لتحقيق هذا الحلم.

أرثي بحق للمكتبة العربية التي لا تحتفل بمثل هذه الكتب. كان تصوري أن الكتاب مملاً كعادة بعض المؤلفين حين يكشفون عن أنفسهم ويعرون أرواحهم أمام الملأ, مع تولستوي الأمر مختلف: سأكشف لك كل أسرار حياتي لكي تعلم, أن رحلتي للبحث عن الله الخالق ليست بالهينة. لقد حاول الكاتب في أعنف مراحل حياته الفكرية الابتعاد عن أي شيء مادي قد يتسبب في موته, أنه يهرب من الحبال مخافة أن يشنق نفسه, وقاوم نفسه العاشقة للصيد, أن يمسك سلاحاً نارياً مخافة أن يطلق النار على نفسه, ويتخلص من هذه النار المحترقة في عقله, وقلبه!

تولستوي الشاب, في أولى مراحل حياته تحرر من كل ضروب العبادة والإيمان التي تعلمها من الصغر. الطبقة النبيلة التي ينتسب إليها كانت ذا تأثير عميق في تلك الفترة, يلخص تولستوي مركزهم بأن نور المعرفة والحياة قد أذاب قصور الإيمان المصنوعة من الشمع في أعماقهم, فأدرك فريق منهم حقيقة الأمر وتخلصوا من الإيمان, ولكن الفريق الآخر ظل متعامياً عن هذه الحقيقة فلم يشعر بها. بعد هذا التحليل لإيمان الطبقة النبيلة, يعترف تولستوي في بداية اعترافاته بأن الإيمان المغروس في أعماقه قد زال بشكل كليّ, ولم يكمل السادسة عشر حتى انقطع عن الصلاة. هذا التحول من الإيمان إلى الإلحاد تسبب بأزمة وحيدة هي الأزمة الروحية لكل حياة تولستوي: الله !

تولستوي لم ينكر وجود الله, ولكن لم يعرف من هو هذا الإله الذي لم ينكر وجوده. في عمر الخامسة عشر بالتحديد بدأ بقراءة كتب الفلاسفة. تحولت حياته بعد أن تخلص من كل ضروب الإيمان, إلى الحصول على أسمى مراتب الأخلاق الصالحة: الطموح, القوة, الحصول على الربح, الكبرياء, الغرور, الغضب و الانتقام. تلك كانت عقيدة هذا الشيخ الروسي العتيد. أصبح باستسلامه لهذه الأهواء ممثلاً ومماثلاً لأبناء طبقته النبيلة.

تولستوي يعري تلك الأيام السوداء من حياته: قتلت الكثيرين في الحرب, بارزت الكثيرين لأفقدهم حياتهم, خسرت أموالاً كثيرة بالمقامرة, وأنفقت الأموال الكثيرة التي وصلت إليّ بأعراق الفلاحين, قاسياً عاتياً مع معاملة خدمي, لم أترك سبيلاً من سبل الفسق إلا وسلكته, السرقة, والزنا, والسكر, والتمرد, والقتل, كل هذا جزء من حياتي في تلك الأيام, فليس في قاموس الجرائم جريمة واحدة لم أرتكبها, ولكنني كنت مع كل ذلك مكرماً محترماً من أبناء عشيرتي.

هذه الاعترافات مخيفة, كيف برجل وصل إلى قمة مجده الأدبي أن يعلن بصراحة أن كل هذه السيئات قام بارتكابها, هل هي تخاريف رجل كبير في السن, أم كشف معالم النفس أمام الجميع .. كل هذا لا يهم, المهم هو الطريقة التي يكشف فيها تولستوي سيرة حياته المظلمة. هو يسلك طرق الظلام ليصل إلى النهاية, إلى النور..

تولستوي المفكر, والمقبل على الأدب والمجد يسلك في السادسة والعشرين منهج الأدب والشعر لكي يعوض فقدان الإيمان الذي تخلص منه. لقدر ارتحل إلى بطرسبورج وانضم إلى جماعة الكتاب: تلك الجماعة التي تؤمن بأن واجبهم في الحياة كمفكرين فنانين وشعراء أن يعلموا الناس الطريق الصحيح, وتصبغ أفكارهم بصبغة أفكارهم. أستغرب كيف سقط تولستوي تحت فكر هذه الجماعة وهو الهارب من سلطة رجال الدين الأرثوذكس. السبب لن يكون إلا في الفكرة الشعرية الجذابة, والشعور بالفراغ الروحي. لو تخلص تولستوي من الشعور بالجاذبية تجاه هذه الجماعة, وفكر مثلما يفكر في السنة الثالثة لأعلن كفره بهذه الجماعة المتخاصمة, الماكرة:” الأكثرية الساحقة منهم في مستوى أكثر انحطاطاً من المستوى الذي عاش فيه رفقائي في العسكرية, كنا نمثل رواية كامل أبطالها مجانين من الدرجة الأولى”.

يطلق على هذه الفترة من حياة تولستوي الفكرية, مرحلة الفن والشعر. لم تستمر هذه المرحلة أكثر من ستة سنوات, لم يتقبل عقله فكرة تعليم وتثقيف الناس وهو لا يعرف حتى الآن ما هية الخير والشر, ومدى ارتباط الأخلاق بالخالق. المرحلة الثانية هي المرحلة التقدمية. تأثيرات هذه المرحلة بدأت بعد مغادرته إلى أوروبا للتعرف على عظماء مفكريها وعلمائها. من أبسط الأشياء تُولد ردات الفعل العنيفة. فكرة العيش من أجل الناس والتقدم العام فكرة جذابة للجميع, لا يستطيع أحد أن يرفض فكرة التعليم والتثقيف من أجل الجميع, هدف العيش الآن أصبح من أجل التقدم العام. ولكن منظر الرؤوس المتساقطة على الأرض بسبب آلة الإعدام ضرب هذه الفكرة في وقت حرج, ما من نظرية محددة ولا عقائد مقررة من بدء الخليقة إلى الآن تبرر قطع الرؤوس حسب تعبيره. ثم موت أخيه ديمتري المرير, الذي مات مريضاً وهو لا يعلم لماذا عاش في هذا العالم, جاهلاً الموت كل الجهل, رغم قلبه الرقيق, وهدوئه ورصانته.

التقدم يجب أن ترافقه الحرية والعقل, قد يكون هذا التبرير هو طمس لمعالم الرأس الذي سقط على الأرض, والنفس التي رحلت ولا تدري ما هو الموت على حقيقته. عاد تولستوي إلى روسيا بعد تحرير العبيد. أصبح قاضياً, وعمد إلى تعليم غير المتعلمين بواسطة المدارس والصحافة. مرت حادثة ساعدته على نسيان أمنيته مؤقتاً: زواجه من صوفيا آندريفنا. قادته السعادة التي وجدها في حياته الزوجية إلى الهرب من السعي وراء إدراك معنى الحياة. على هذه الصورة عاش خمسة عشر سنة, ولم يعرف أن في نهاية هذه السنين ستعود هذه الأسئلة بشكل أكبر وأعنف: لماذا تعيش؟ وما هي الغاية من حياتك؟. هذه الأسئلة القلقة كانت تمطر عليّ بكثرة عند قراءة آنا كارينينا عبر شخصية ليفين.: “حسن وجميل, لدي مساحة أرض كبيرة, وثلاثمائة حصان, و .. لكن ما الفائدة من كل هذا؟ ما الفائدة إذا صرت أشهر من فولتير وبوشكين وموليير وغوغول .. هذا جميل ولكن ماذا بعد؟”. هذه الأسئلة كالشبح القاتم يردد بصوته الراعب, لماذا تعيش! هي ليست أسئلة صبيان بسيطة, بل هي الحقيقة الشاملة لأعمق أسرار الحياة البشرية, وهو عاجز أن يجيب على أي سؤال من هذه الأسئلة :

“لم يبقى لي عذر للحياة, يجب أن أموت!”

في فيلم Anna Karenina يقتبس المخرج حكاية من التراث الشرقي القديم كنقطة بداية لهذه الملحمة. يبدأ الفيلم بتصوير الموت بطريقة رمزية, كان ليفين يهرب في الريف, يحاول النجاة بنفسه من الذئاب التي تطارده, والتي هي بدورها الأسئلة المقلقة في الرواية والاعترافات, ثم يسقط في حفرة, ويتمسك بجذع شجرة قبل السقوط, ولو سقط, لوجد الموت الذي يفر منه, لأن أحد الحيوانات المفترسة اتخذ من الحفرة مصيدة للبشر. قبل هذا المشهد يبدأ السرد في الفيلم من ليفين, يقول بما معناه: دوماً في أحلامي أتعلق بفرع شجرة, وأدرك تماماً أن الموت حتما ينتظرني, الخوف من الموت بدون معرفة الحب, كان أقوى من الخوف من الموت نفسه. أعرف الآن أني لم أكن لوحدي في رعب هذا الظلام, وكان أيضاً خوف آنا كارينينا. هذه الشجرة التي تعلق بها يوردها تولستوي في اعترافاته, فيما هو متمسك بجذع الشجرة يرى جرذين يقرضان الجذع بكل همة ونشاط, فكر هذا الرجل المتمسك بجذع الشجرة بأنه ساقط لا محالة, ولكنه نظر في الوقت نفسه بضع نقاط من العسل على جذع الشجرة, فمد لسانه وشرع يلحسها متناسياً شقاءه كله !

” هكذا أنا أتعلق بغضن شجرة الحياة, عارفاً أن تنين الموت ينتظرني, وهو على استعداد ليمزقني إرباً إربا. كانت فكرة الانتحار تخطر لي في كل يوم وحين, إنني أكره الحياة ولا أريد أن أعيش! ولكن خوفي من الموت كان يضطرني إلى استنباط الحيلة ضد نفسي لكي لا أضع حداً لحياتي. كانت حياتي أضحوكة جنونية موجهة إلي من شخص لا أعرفه, ومع أنني لم أكن أعترف بوجود هذا الشخص الذي يقولون أنه خلقني, فإن النتيجة القائلة بأن هذا الشخص قد ضحك عليّ بجنون وسخرية عندما خلقني في هذا العالم كانت تظهر ليّ كأنها أصدق ما في الحياة من النتائج الطبيعية”.

– من أنا ؟ وما هو الوجود ؟
– كل شيء . ولا شيء !
– لماذا وجدت هنا؟
– لا أعرف !
– ما مصير حياتي ؟
– لا شيء !

إنه أشبه برجل ضائع في غابة, يقبل على سهل فسيح, فيتسلق شجرة وينظر من أعلاها سهولاً واسعة لا تقف العين على نهايتها, ولا مأوى يلجأ إليه فيها, يرى كل هذا فيدرك أن ليس فيها أحد ينقذه, فيرجع إلى ظلمة الأسئلة. انتهت مرحلة الشعر والفن, ومرحلة التقدم, وبدأت مرحلة الفلسفة للإجابة عن هذه الأسئلة, فأي أجوبة تلك التي تقدر على نسف هذه الأسئلة وطمس معالمها من قلبه بشكل كامل؟ إن الفلسفة بكامل علومها لا تستطيع أن تقدم له أجوبه أكثر مما أجاب عليه. لو كان الأمر متعلق بأحد مسائل فروع المعرفة البشرية لوجد إجابة عن: التركيب الكيميائي للمواد, حركة الشمس, الذرات الصغيرة. ولكن الجواب عن تفسير معنى الحياة العام لم يكن إلا هروب من السؤال نفسه: الوجود أبدي وخالد وغير مدرك, وحياة الإنسان جزء صغير غير مدرك من الوجود الكلي الغير مدرك. بأجوبتها الغارقة في التحليل الفلسفي تبرهن أن هذه العلوم لا تقدر أن تجاوب على هذا السؤال الكبير, بل تقضي على كل رجاء في القلب لمعنى يستحق أن يعيش من أجله الإنسان.

بعد أن فشل في كل المراحل: الفن والشعر, التيار التقدمي, الفلسفة, شرع ينشد الإجابة من نفس المكان, من الحياة نفسها! ولكن كيف بوجود أبناء هذه الطبقة النبيلة البعيدة كل البعد عن إثارة هذه الأسئلة فقط. إنهم يهربون منها بشعور أو بغير شعور عبر أربعة وسائل حسب تصنيف تولستوي. الوسيلة الأولى الجهل الذي يضرب أسس هذه الطبقة, هم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم. وسيلة الهرب الثانية هي التي يلجأ إليها الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة, على هذه الصورة يقضي أبناء هذه الطبقة, توضح لهم الجميل وتحجب عن أعينهم القبيح. الوسيلة الثالثة هي القوة والعزم, عدم الوجود خير من الوجود, يجب وضع حد لهذه الحياة بالانتحار:”حبل حول العنق أو ماء يغرقون فيه, أو قطار يقفون في طريقه فيذهب بهم ويريحهم من شقائهم, أن عدد الذين يقدمون على هذا العمل من أبناء هذه الطبقة يتزايد في كل يوم”. والوسيلة الرابعة هي الضعف, الاستسلام لهذه الحياة رغم معرفتهم بأنها عقيمة لا جدوى منها. بمثل هذه الطرق ينقذ أبناء الطبقة الراقية ذواتهم من تناقض مزعج في الحياة.

ينقسم الكتاب في نهاية الفصل السابع إلى قسمين, القسم الأول مخصص للبحث عن إجابة لهذا السؤال؟ ما هي الحياة؟ ولماذا أنا موجود؟ . والجزء الثاني مخصص للأمنية الكبيرة: أين الله ؟

إن كان تولستوي بطبقته الراقية تعيش هذا الخواء الفكري, فما هو المعنى الذي أعطته الحياة للملايين من الناس, الذي عاشوا ويعيشون في هذا العالم؟ أستطيع أن أقول الآن أن شخصية ليفين كانت تعبر عن تولستوي بكل مهارة وإتقان, وكما كتب هو عن نفسه في اعترافاته. الصراع النفسي والروحي يشتعل سريعاً ويثور في أوقات مفاجئة عند ليفين. من قرأ كلمات الفلاح البسيط في رواية آنا فسيعرف بدون أي قراءة لهذه الاعترافات كيف اهتدى تولستوي إلى معنى الحياة: “إنه يعيش من أجل روحه, ولا ينسى الله” .. بالمقارنة بين طبقة تولستوي وطبقة الفقراء والعمال, وجد هذا الرجل المتعطش لليقين شيئاً يختلف كل الاختلاف. حياة الفقراء والعمال مليئة بالتضحية والألم, الانتحار معدوم فيما بينهم, عن طريق الألم يعرف تولستوي معنى الحياة. هذه المعرفة التي لا سلطان للعقل عليها هي الإيمان الذي لم يتقبله تولستوي. كان مشوشاً فيما مضى لأن المعرفة التي يقيمها العقل تنكر الحياة, والمعرفة التي تمنحها الحياة تنكر العقل, ولكن أكثرية أبناء الإنسان يتمسكون بمعرفة لا أثر للعقل فيها, وهذه المعرفة تثبت لهم أن للحياة معنى سامياً!

في جميع أبحاث تولستوي كان يقابل المحدد بالمحدود, وغير المحدود بغير المحدود, ولذلك كانت النتيجة التي لا بد منها كما يحدث في الرياضيات. يعلن تولستوي أن الأجوبة التي يقدمها الإيمان مهما خالفت أحكام العقل وتمردت على شرائعه فهي تمتاز بأنها تقدم لكل سؤال علاقة بين المحدود وغير المحدود, وبدون هذه العلاقة لا يمكن الحصول على جواب. أصبحت الأجوبة الآن سهلة المنال :

– كيف أعيش؟
– تحت شريعة الله
– هل بعد حياتي شيء حقيقي ثابت؟
– عذاب أو راحة أبدية
– هل في حياتي معنى لا يستطيع الموت أن يذهب به ؟
– نعم, وهو الوحدة مع إله غير محدود في الفردوس.

“مهما تعددت أنواع الأجوبة التي يقدمها الإيمان للإنسان, فإن كل واحد منها يجعل لحياة الإنسان المحدودة معنى غير محدود, معنى لا يزول ولا يفنى مهما اجتمعت لمحاربته جيوش الآلام والوحدة والموت. الإيمان الحقيقي الكامل هو معرفة معاني الحياة الإنسانية معرفة تحمل الإنسان على محبة الحياة والمحافظة عليها. الرجل الحي يؤمن بشيء, وبغير الإيمان لا يستطيع بشر أن يعيش في هذا العالم, لأن الذي لا يؤمن بأن في الوجود غاية يعيش لأجلها هو ميت بالحقيقة “.

– من أنا ؟
– جزء من غير المحدود

تلك هي القضية بأكملها, ولكن أي إيمان سيتخذه تولستوي لنفسه, إيمان رجال الدين الأرثوذكس؟ أم إيمان الفقراء الذي كان فعالاً في حيرته المجنونة؟ يقول تولستوي في أحد رسائله المنشورة:” بعد سنتين من هذه الحياة مع الشعب, حدث في تحول. إن حياة أمثالي من الأغنياء والمتعلمين لم تبعث في نفسي إلا الاشمئزاز, وبدت لي فارغة من المعنى. ظهرت لي جميع أفعالنا ومشاغلنا الفكرية وفنوننا وعلومنا بمظهر جديد. حينذاك استطعت أن أرى الأشياء جميعاً بوضوح”.

سأفصل دخوله في حياة الفقراء والإيمان بهم لأنه جزء مهم في مسيرة تولستوي المعيشية والفكرية. تولستوي في كتابه حياة محمد وشيء عن الإسلام يورد بعض الأحاديث في البداية التي تدلل حب الأنبياء للطبقة الفقيرة, وأن أكثر الناس إتباعا للأنبياء هم الفقراء, يقول النبي محمد عليه السلام : اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة. وفي حديث أخر يقول لا تميتوا القلب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب كالزرع يفسد إذا كثر عليه الماء, وفي حديث أخر: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. كان تولستوي معجباً بحكمة النبي محمد عليه السلام, ومن خلال نظامه المعيشي, ودراسة حياة الفقراء العامة وعقائدهم ترسخ في أعماق لبه بأن الإيمان الحقيقي كائن في قلوب هؤلاء الفقراء, وأنهم يعتقدون في أعماق نفوسهم أن هذا الإيمان جزء مكمل لحياتهم وبدونه لا يجدون من معنى لوجودهم على الأرض. إنهم يفرحون بالحياة, راضين بقسمتهم, ثائرين أمام أوجاعهم وأمراضهم, يعيشون ويمرضون ويموتون من غير أن تفارقهم الثقة بحكمة الحياة. لأجل كل هذا أحبهم تولستوي ودنا منهم, فأصبح يتعلم من حياة الفقراء, فآثر اقتفاء خطواتهم والتحلي بأخلاقهم.

جميع هذه الاعترافات ورحلة البحث عن معنى الحياة والوجود لم تكن إلا بوابة العبور لتحقيق أمنية تولستوي الكبيرة: الله. ما يدفعه للبحث عن الله ناتج من شعور قلبي, عاطفة قلبية تدفعه للبحث عنه. إذا كنت أنا موجود فلا بد من علة لوجودي, ما هي هذه العلة أو القوة؟ وما هي العلاقة التي بيني وبين الله؟ لم يجد تولستوي رغم انضمامه للفقراء إلا الجواب البسيط :هو الخالق بارئ كل الكائنات. عادت إليه الشكوك من الجديد, وشرع يصلي بحرارة للإله, بيد أن إفراطه في الصلاة لم يزده إلا ثقة بأن صلواته لم يسمعها أحد, ولذلك صرخ من أعماق قلبه واليأس يغمره لعدم مقدرته على الاهتداء إلى الإله الذي يفتش عنه :

” يا رب أرحمني وخلصني ..
أيها الرب العظيم .. يا إلهي العزيز أنقذني ” !

مثل هذه الصرخات الحية صورها تولستوي كذلك في رواية آنا, عندما يصرخ ليفين وهو يسمع عذابات زوجته عند الولادة, وهو الملحد الغارق في الشك حتى في وجود الله نفسه يصرخ من أعماق قلبه :

” يا ألله أرحمني “.

وهو الذي لم يرفع رأسه منذ سنوات, رفعها من أجل ظهور معجزة هذا الطفل الذي لم يكن قبل ساعة في هذا الوجود. كيف ظهر هذا الطفل إلى الوجود؟ معجزة؟ نمو طبيعي في جسم الإنسان؟ حين أقرأ ليفين وهو ينتظر زوجته التي تعاني آلام الولادة يظهر لي تولستوي الكهل الكبير وهو يتساءل هذه الأسئلة التي يعرف أجوبتها من الطفولة, حين كان يرضع من ثدي أمه :

” أليس هذا دليلاً على أن هناك أماً ولدتني؟ وأعتنت بتربيتي وأطعمتني؟ أين هي تلك الأم؟ أنني لا أستطيع أن أتعامي عن رؤية هذه الحقيقة, وهي أن كائناً أحبني وكان السبب في وجودي؟ هو – بلا شك – الله. هو موجود بالحقيقة وفي كل لحظة أعترف بوجوده, أشعر بأن حياتي قد تجددت, وإيماني بما في الوجود قد نهض من رمسه. إلا أنني لا أستطيع الإيمان بالإله المثلث الأقانيم, لقد ذاب كالجليد أمام عيني. ولكن من أين لي بالشعور الذي يعمل في قلبي ويحملني إلى البحث عن الله! هذا الشعور يختلج في أعماقي. أنني لم أعش في ما مضى من عمري إلا عندما كنت أؤمن بالله. كلما آمنت بالله أشعر بالحياة. كلما أعرضت عن هذا الإيمان أشعر بأنني ميت بالحقيقة. ما أنشده هو الكائن الذي لا تستقيم الحياة بدونه! الله هو الحياة. عش لتسعى إلى الله, لأن الحياة لا تكون بدون الله, بمثل هذا آمنت أخيراً من أعماق قلبي, فشعرت بقوة الحياة الحقيقية. ولم يفارقني هذا النور الذي أشرق على حياتي حتى اليوم! رجعت بالفكر إلى الماضي البعيد, إلى أيام شبابي, آمنت بأن واجب الحياة تقوم بسعي الإنسان ليصير أفضل مما هو عليه, ويعمل ما هو عدل في شريعة هذه الإرادة الكلية, هذه الإرادة التي لا تظهر إلا في الصلاح الذي أجمعت عليه الإنسانية. رجعت إلى الإيمان بالله, وبالكمال الأدبي, وبالتقليد الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي”.

اعترافات تولستوي, وتحقيق الأمنية لا تنتهي عند هذا الحد. كان هنالك شيء وحيد حول هذه الاعترافات أكسبها شهرة عالمية لم يصل إليها أي كاتب في زمانه. ألا وهي علاقة المؤمنين بالكنيسة ورجال الدين. عندما عاد إليه الإيمان من جديد شارك تولستوي البسطاء في صلواتهم, ومناولة الأسرار المقدسة, والصيام. لم يخلب عقله في القداس الديني سوى هذه الجملة ” لنحب بعضنا بعضاً بعزم واحد” وكل شيء, بما فيها الاعتراف بالأب والابن والروح القدس فأعرض عنها لأنها غير طبيعية. كان الإيمان في بدايته في حياة تولستوي, مما أجبره على مسايرة الكنيسة وعدم الاعتراض على أي شيء قد يعيد إليه أيام الشك الرهيب.

بعد أن عكف على تعلم العبرية واليونانية، ليتّسق له أن يطلع على المنبع الذي صدرت عنه مختلف ترجمات العهد القديم والعهد الجديد. قارن بعضها ببعض وأشار إلى الغموض الذي يحيط ببعض النصوص الدينية وما نتج عن ذلك من تفسيرات متناقضة وانتهى إلى القول أن المسيح نفسه، ليس بإله، ولا يمكن أن يكون سوى إنسان بريء من السمة الإلهية التي يقرن إليها. وهاجم الطقوس الدينية، واتهمها بأنها موضوعة مزيفة، ونظر إلى الكنيسة نظرة تحدٍ ومناجزة، فقد رأى كيف تغلّف القشور الكاذبة فكرة الإيمان، وشرع يفوّق سهامه اللاذعة إلى الكنيسة داعياً إلى دين منزه عن التمويه والتضليل.

نتج عن هذه الآراء الحادة التي كانت تؤذي رجال الكنيسة، قرار اللعن والطرد من الكنيسة الصادر من المجمع الكنسي الأرثوذكسي بحق تولستوي. أولى القضايا التي أوجبت انفصاله عن الكنيسة الأرثوذكسية هي علاقة الكنيسة الأرثوذكسية مع بقية الكنائس المسيحية, كالكاثوليكية والبروتستانت. شغف تولستوي العظيم بالإيمان قاده إلى التعرف بأساتذة كثيرين من طوائف متعددة. أراد أن يكون أخاً لهؤلاء الرجال المؤمنين المخلصين في إيمانهم, لكن النتيجة .. النتيجة أتت مخالفة على عكس ما توقع؟

العقائد التي يخيل أنها تعد بوحدة جميع الناس, بإيمان واحد, ومحبة واحدة, بشخوص أفضل وأعظم ممثليها من رجال الدين يعيشون في الكذب والضلال, مقدرتهم على الحياة حسب تصور تولستوي مستمدة من الشيطان وليس من الله. الإهانة الصادرة من رجل من طائفة أ ضد رجل من طائفة ب يتهمه فيها بأنه يعيش على الكذب هي أعظم إهانة يستطيع الإنسان أن يوجهها إلى أخيه الإنسان. ممثلي الطوائف هؤلاء يفتشون عن خير الوسائل التي تمكنهم من القيام بواجبات بشرية يبيضون فيها وجوههم أمام الناس, ويحفظون سلطانهم من الاندثار.

النقطة الثانية التي أوجبت تولستوي انفصاله عن الكنيسة الأرثوذكسية, هي العلاقة بين الكنيسة والحرب. كان قتل المسيحي للمسيحي باسم المسيحية هي الجريمة بعينها ويجب أن تدان: زعماء الكنيسة كانوا يقبلون كل جرائم القتل هذه كأنها نتائج لا بد منها للمحافظة على الإيمان. نظرت إلى كل ما يجري حوالي من الحوادث الفظيعة التي كان يقوم بها رجال يدعون المسيحية فارتعدت من أعماق قلبي.

من أهم ما يقدمه تولستوي في اعترافاته بأن:‏
الحياة الروحية تُعاش لا تلقن.‏
وكسب الحياة يكون بخدمة الناس لا باعتزالهم.‏
وفهم الكتاب المقدس هو بحرية العقل ونقاء القلب لا بالترديد.

أقرب وصف فني درامي لهذه الاعترافات هي اللحظات الأخيرة من حياة تولستوي. السلام مع الله ومع الناس. بل السلام مع ألد أعدائه: الموت! انتهى ذلك الخوف القاسي, المرعب من الموت .. وانتهى على نحو لطيف. الرجل الذي بلغ من الكِبر عتياً يواجه الفناء بنظرة هادئة واستعداد حسن. الموت: أحد الثيمات المفضلة في كتابات تولستوي الأدبية. تولستوي عند تصويره للموت يستخدم كل أسلحته المرعبة لتصوير هذا الأسود القادم. أتذكر جيداً تلك الصفحات التي أفردها لموت نيقولاي في رائعة آنا كارينينا, كانت أكثر من ما يقارب ثلاثين صفحة كلها تعذيب وموت لهذا الرجل المريض بالسل, ولكن الأعنف .. الموت الحقيقي, من يريد أن يعرف الموت الحقيقي عند تولستوي عليه أن يقرأ تلك القطعة الخالدة من أدبه, عندما يصور آنا وهي تائهة, خارجة عن نطاق الوعي, تخرج من المنزل وهي تلعن عشيقها التي ضربت من أجله مجتمعها وعائلتها عرض الحائط, ثم تنظر إلى أحوال الناس في الطريق إلى محطة القطار, تضحك وتبكي على حالها, وفي الأخير, عند آخر ظهور لهذه الشخصية الجحيمية, لن تقول أكثر من: يا ألله. بقدر قوة الألم في هذا التصوير: من أين لتولستوي هذه القدرة المرعبة على تصوير هذا الموت بهذا الشكل العنيف والدرامي؟

يشير ستيفان تسفايج في بناة العالم أن تولستوي لم يبدع في أي عمل من أعماله الفنية على هذا المدى الطويل, وبمثل هذه الحماسة مثلما أبدع في موته الخاص. هو يريد بحكم كونه فناناً أصيلاً لا يرضى باليسير, أن ينقل إلى البشرية هذا العمل الأخير بالذات, والذي هو أكثر أعماله إنسانية على الإطلاق, نقياً لا شائبة فيه. اللحظات الأخيرة من حياة تولستوي هي أهم من كل ما كتب, بل سأقولها بكل صراحة, عند قراءتي لأعماله كنت أحبه لأنه كاتب آنا كارينينا والحرب والسلم والبعث, لأنه كاتب موت إيفان إيليتش والسيد والخادم وكيف يحيا الإنسان, أما الآن, فأنا أحب تولستوي الأخلاقي المفكر, المندفع بلا هوادة, والذي حقق حلمه بكل عزيمة وقوة.

هذا الصراع من أجل موت نقي سيكون المعركة الحاسمة في حرب السبعين عاماً من أجل الأصالة عند هذا الذي لا سلام عنده. في صباح الثامن والعشرين من تشرين الأول 1910 م .. حين كان الليل مازال مدلهماً بين الأشجار, غادر هذا الشيخ الطاعن في السن أرضه التي تربى وعاش فيها أجمل وأقسى أيام حياته. خرج من سجن حياته, لم يعد يحتمل التجسس عليه من قبل الزوجة التي قاسمته 48 سنة كاملة. آمن بأنه يجب أن يغادر ولا يعود أبداً, يهرب إلى أي مكان, إلى الله, إلى ذاته, إلى موته الخاص. في محطة القطار يكتب إلى زوجته التي هرب منها: حبيبتي صوفيا. أعلم أنك ستتألمين كثيراً لرحيلي، وأنه ليحزنني ذلك أشد الحزن، ولكنني آمل من كل قلبي أن تدركي الأسباب التي تدفعني إلى ذلك الرحيل، ولم تكن أمامي وسيلة سواه لتلافي مأساةٍ قد تكون مفجعة. لقد غدا وضعي في هذا البيت غير محتمل يا صوفي. لم أعد قادراً على ممارسة الحياة اليومية في هذه الرفاهية التي تحيط بي، وبات الثراء يخنقني. وقد طال صبري على هذا! حتى انقطع رجائي في مزيد من الصبر. يقيني شر اليأس من عالمٍ تشهيّته كثيراً، كما يتشهاه كل عجوزٍ بلغ السن التي بلغت! وما أنشده هو عالمٌ من السكون والوحدة، لا يفسده ضجيج المال، وأنانية الثراء، ووحشية الرغبة في التملّك! أريد أن أقضي الأيام المتبقية لي من العمر في سلام. أرجوك يا صوفيا، لا تحاولي البحث عن مكاني الذي سأذهب إليه، من أجل إعادتي إلى إيزيانا بوليانا، فإن هذا لن يفيد أحداً شيئاً، بل سيزيد تعاستنا جميعاً، كما أنه لن يغيّر من عزمي على الرحيل، وإني لأشكرك كل الشكر على الثمانية والأربعين عاماً من الحياة الأمينة الكريمة التي أسعدِتني بها. وأتوسل إليك أن تغفري لي كل ما ارتكبت من أخطاء في حقك. مثلما أغفر لك عن طيب خاطر غضبك ومعارضاتك الشديدة المتعلّقة بقراري في التنازل عن أملاكي الشخصية للفلاحين. وأنصحك يا حبيبتي بإخلاص بأن تحاولي التعايش في سماحة مع الموقف الجديد الذي سينشأ برحيلي. وألا تحملي لي بسببه في قلبك أية ضغينة، أو كراهية، وإذا أردت أن تعرفي شيئاً عن أنبائي بعد أن أستقرّ في المكان الذي سأرحل إليه، والذي لا أعرفه إلا بعد أن أصل إليه، فستجدين بغيتك عند ابنتنا العزيزة ساشا، فهي وحدها التي سأخصها بذكر مكان حياتي الجديدة، وقد وعدتني بألا تذكر لك أو لسواك مكاني.

ويتوقف في محطة أستابوفو. هذا الشيخ المصاب بمرض الموت. ما عاد يستطيع المضي بالطريق. لم يكن ثمة نُزل في فندق, أو حجرة من حجرات الأمراء تؤويه .. يقدم ناظر المحطة حجرة عمله القائمة في مبنى المحطة المتمثل في بيت خشبي ذي طابق واحد. غرفة صغيرة, مفعمة بالدخان والفقر, والسرير الحديدي, وضوء الزيت الضئيل .. ابتعد عنه أخيراً الترف والرفاهية أميالاً مرة واحدة. في اللحظة الأخيرة, في المحطة الأخيرة, يغدو كل شيء كما أرادت إرادته الأعمق بالضبط: نقياً لا خبث فيه. يضع الموت نفسه بصورة كاملة تحت تصرف يد الفنان, رمزاً جميلاً, وفي أيام قلائل يتطاول البنيان الرائع لهذا الموت دعماً جليلاً لنشر أفكار تولستوي. تلك الأفكار التي وقع تحت سطوتها العظيم غاندي وآمن بها وحرر شعبه من خلالها.

ولكن مجد تولستوي لا يستطيع أن يقف موقف المتفرج, هو يقف خارجاً أمام الباب الموصد بالمرصاد, وعبثاً يتزاحم المراسلون والفضوليون والرجال الشرطة والدرك والكاهن المأجور الذي أرسله المجمع الكنسي لتلقي كلمة من تولستوي, كلمة كافية لسحق تاريخ تولستوي بأكمله: الاعتراف. ولكن هذا القس المأجور لم يعرف أن المرض لم يفقد تولستوي إيمانه بما عاش من أجله, غادر وهو يتلقى كلمة تولستوي الأخيرة بوجه المأجورين أمثاله: “حين يحوم الموت حول رأسي فلا أريد أن يقتحم لقائي مع ربي أحد من رجال الدين… أريد أن أقترب من خالقي في فيضٍ من نور المحبة.. وليس مع ثرثرة كهنوتية…

في الخارج يتزاحم الناس في فضول انتظاراً لمعرفة مصير ذلك الإنسان العظيم في تلك الغرفة الحقيرة, في جزء لم يُعرف سابقا. على أنه لم يعد يشعر بهم. أمام النوافذ تتطلع زوجته التي مُنعت من مقابلته خشية الصدمة, نحوه, وقد أذلها الندم. لترى محياه عن بعد مرة أخرى, وهي التي ارتبطت به ثمانية وأربعين عاماً. غير أنه لم يعد يعرفها. تزداد أشياء الحياة غرابة على نحو مطرد عند هذا الإنسان, ويزداد سريان الدم في العروق المنهارة تعثراً وقتامة. ينهض في الليلة الأخرى ويتنهد قائلاً: ولكن الفلاحين – كيف يموت الفلاحون يا ترى؟ .. وترتد الهامة التي تلفها الألسنة المستعرة البيض غائصة في الوسادة. وتنطفى العينان اللتان رأتا العالم رؤية أحاطت به علماً أكثر من كل ما عداهما.

بعد كل هذا النور والتجلي الكبير من تولستوي, هل وصف دستويفسكي لتولستوي بالمعلم الكبير يحمل كل الحقيقة والصدق؟ هو معلم كبير بلا شك!

16/12/2008

Advertisements
هذا المنشور نشر في تولستوي. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to اعترافات تولستوي: رحلة البحث عن الله

  1. خالد البلوشي كتب:

    كم أتمنى من المتشبثين بغريزة التملك وحب المناصب وقهر المحرومين ونهب ارزاق الفقراء وصرفها على ملذاتهم قراءة هذه السطور عن حياة هذا الرمز الإنساني الخالد الذي ترك كل ملذات الدنيا الزائفة وارتحل الى عالم الخلود بسلام وراحة

  2. Rugaya كتب:

    رائع .. انسان لم يتخلى عن فطرته … البحث عن الله كان كإخراج حية من من خرم إبره ..وبدون يأس بالنسبة الى تولستوي.. فما هو البحث عن الله بالنسبة لنا!!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s