مكسيم غوركي: سليل نوفجراد المُرّة

يا قرائي الأعزاء، إن هذا ليس شيئاً من الماضي البعيد! أنتم مولعون بالحوادث المرعبة، وتستلذون قراءة روايات الرعب، ولا تنفرون من أن تدغدغ أحاسيسكم النزوات المعذبة. ولكنني عرفت أهوالاً حقيقة، أهوال الحياة اليومية، وأعرف أن من حقي أن أدغدغ مشاعركم وأثير فيها الخوف، بأن أروي عليكم هذه الأهوال بحيث تعرفون حق المعرفة أين تعيشون، وكيف تعيشون! أنا مغرم بحب المخلوقات البشرية، وأرفض أن أكدر إنساناً، وأرى أنه لا ينبغي علينا أن نكون عاطفيين، أو أن نخفي الحقيقة الأليمة وراء عبارات زائفة خداعة. يجب أن نقف في صف الحياة، وأقرب ما يكون إليها، وينبغي أن نهرق فيها كل ما في قلوبنا وأذهاننا من خير و سمو إنساني.
مكسيم غوركي

عندما كتب مكسيم غوركي ثلاثيته الشهيرة ( طفولتي – بين الناس – جامعياتي ) التي تحكي سيرة حياته منذ الطفولة، كان يقصد الدعوة للنهوض بالمجتمع الروسي، وبالأخص طبقة المجتمع الفقيرة المعدمة، التي تعيش مآسي وصراعات لا تحتمل، حتى أصبح الروس المجبرين على حياة فقيرة فارغة يفتشون عن تسلية لهم في الحزن نفسه، فيلعبون به كالأطفال، ولا يحسون بالخجل من مصائبهم إلا في القليل النادر. وحين تكون الحياة رتيبة يسمي الحزن نفسه عيداً وحدثاً مرحباً بهما! وحتى الحريق يصير تسلية لذيذة. وكذلك الجرح البسيط في وجه فارغ من كل معنى يضحى زينة جميلة رائعة. في كل بيت من طبقات هذا المجتمع كان يوجد إنسان يسقط وينهار ويتعذب. القيم العائلية منهارة، الفقر أجبر أطفال في عمر الزهور للعمل في تجميع الخشب من أجل كسب القوت اليومي. الضرب هو الوسيلة الوحيدة للتربية، ولأتفه الأسباب. بل حتى الصراعات الدينية تضرب في صدور هذا المجتمع، وهذا الإنسان الذي يتعذب. بالرغم من تشابه أغلب القصص التي تُحكى في هذه الثلاثية، إلا أنها جميعاً تتشابه بصورة غريبة جداً، موضوعها الآلام البشرية والذل والهوان، وفي كل منهما إنسان يتعذب .

لم يركز مكسيم في هذه السيرة على حال الفرد الروسي، بل كان التركيز مركزاً باتجاه المجتمع الذي يسعى لتحطيمه. والقيام بنهضة اجتماعية تحفظ كيان الإنسان ومركزه وكرامته في هذا المجتمع. يقول مكسيم بين ثنايا طفولتي الجزء الأول من سيرته: حين أذكر شناعات تلك الحياة الروسية الهمجية أتساءل أحياناً أكانت تستحق أن يتحدث عنها؟ لكنني اقتنعت بعد التفكير أن من الواجب أن أعرضها لأنها تشكل الحقيقة الشريرة الدنيئة التي لم تُستأصل بعد حتى اليوم الحاضر. إنها تمثل حقيقة يجب معرفتها حتى أعمق جذورها كي ننتزعها بعد ذلك من حياتنا الكئيبة الملطخة بالعار، ننتزعها من صميم نفس الإنسان وذاكرته. لكن هناك سبباً آخر، أكثر رضى، يدفعني إلى وصف هذه الأهوال المقيتة. بالرغم من بشاعتها، وبالرغم من الطريقة التي تشوه بها ما كان يمكن أن يكون في نفوسنا رائعاً دون ذلك. إن الإنسان الروسي يملك من الفتوة وسلامة الفكر ما يكفي كي يبيد مثل هذه الأشياء. إن حياتنا لرائعة، ليس لأنها نمت في تربة خصبة من الحيوانية فحسب، بل لما يتضوأ وراءها من قوى خلاقة براقة وصحية. وإن أثر الخير ليتضاعف، وإن شعبنا سوف يستيقظ أخيراً إلى حياة ممتلئة بالجمال.

التصوير الفني في السيرة موسيقى حزينة واقعية، أساسها البؤس والحزن. لم يرسم مكسيم من خياله شخصيات خيالية، كل شخصية تحمل الطيبة والنقاء، وشخصية أخرى الشر مزروع في أحشائها. بل كان يكتب شخصيات عاش وتعامل معها أقسى سنوات أيامه عذاباً. فالجد الذي لم يرحم مكسيم، وكان شريراً، كان طيباً بعض الأحيان، ويتحول لطفل وديع بسبب تأثره بذكرياته القديمة. كل شخص في شخصيات حياة مكسيم كان يحمل الطيب من جهة والشر من جهة أخرى.

بعد الإغفاءة الأخيرة لوالد أليوشا بشكوف – بطل السيرة والروائي نفسه – بسبب مرض الكوليرا الذي ضرب روسيا تلك الفترة ومشاهدته لدموع الرجال التي لم يشاهدها وهو في عمر الأطفال، ينتقل مع والدته فاريوشا وجدته أكولينا إيفانوفنا إلى مدينة نيجنى المعروفة بمدينة الكنائس، للعيش في كنف عائلة والدته. وفي هذه المدينة، وفي جو هذه العائلة المثيرة تدور سيرة أليوشا المليئة بالقهر والحزن والبؤس. عندما يصل أليوشا للعيش في كنف هذه العائلة وهو طفل يتفاجأ بجو العائلة القائم على الصراعات بين أفراد العائلة الواحدة. لا رحمة ولا ترابط بينهم، ولا علاقة صحية قائمة بينهم، التفكك الأسري والصراعات على أموال الأب الحي هي القائمة منذ وصول أليوشا للمنزل. صراعات الخال ميخائيل الذي يوصف في السيرة بالمنافق الكبير، والخال ياكوف الكافر الجبان كما يصفه الجد هي البداية لدخول الطفل اليتيم في صراعات العائلة، والتي تمثل العائلة الروسية الفقيرة في العهد القصيري.

الجد وهو إحدى شخصيات السيرة بالإمكان تصوره بأنه مجنون طائش. وسيلته في الإدارة هي العقاب الجماعي: ضرب الأطفال والرجال، بل حتى النساء. ولا يمكن إطلاق صفة الشر على الجد بصورة مطلقة، فهو رغم جنونه وتعطشه للضرب إلا أنه يتحول لطفل وديع حين يسترجع ذكرياته مع زوجته والعذابات التي قاساها في حياته. يقول مكسيم بما معناه أنهما كانا دائماً ينسيان وجوده عندما يسترجعون ذكرياتهم حتى يلوح لي أنهما ينشدان أغنية شجية، لكنها حزينة في الغالب: موضوعها النار والأمراض والمصائب والاعتداء على الناس بالضرب، والموت المفاجئ، واللصوص الأذكياء، والنبلاء المرتزقة، والمتسولون المتعددون. يبقى التذكير بأن الجد كان يعطف على أليوشا بعض الأحيان، ويحبه في لحظة صفاء، حتى قال لـ أليوشا ينصحه: ستبقى وحيداً، أفاهم أنت.. تظل وحيداً تدبر أمور نفسك بنفسك. تعلم أن تعتني بنفسك وإياك أن تنحني للغير! عش هادئاً مسالماً، لكن كن عنيداً، وامض في طريقك الخاصة دون خوف أو وجل.. وأصغ للجميع، لكن افعل ما تعتقد أنه الأفضل.

الجدة وهي الشخصية الثانية في السيرة تحمل الطيبة والنقاء والعطف على هذا الطفل اليتيم، وهي في نفس الوقت تقع في المتاعب وتدمن الشرب بسبب الصراعات والقلق لاعتمادها بعد فترة من حياتها على العيش من رزق يديها، بعد الانفصال المالي بين الزوج وزوجته. تصور مكسيم لجدته أنها تمثل العذراء في حبها له وعطفها عليه. هي التي تدافع عنه تحت سياط الجد و صراعات العائلة. تحكي له القصص، وأعتقد أن مكسيم استفاد من الروح القصصية التي كانت تقولها له جدته. فبعض القصص التي ذكرها في ثنايا السيرة لا يمكن القول إلا أنها رائعة جداً، خصوصاً قصة إيفان المحارب وفيرون الراهب.

تنتهي السيرة الأولى من الثلاثية بوفاة والدة مكسيم بعد فترة من زواج ثاني، وبقول الجد لـ أليوشا: ليس لك مكان بعد اليوم هنا.. فقد آن لك أن تخرج إلى ما بين الناس لكسب القوت. وهكذا خرج أليوشا إلى ما بين الناس. وهي الجزء الثاني من سيرة المؤلف اليتيم أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف. بعد وفاة والده ووالدته وتشرد العائلة في بيت الجد، يرحل أليوشا من البيت ويقتحم عالم الحياة الروسية الفقيرة: عالم العمال الذين يبحثون عن الفرح بين ثنايا الحزن. كيف ستكون رحلة أليوشا الصبي ذو العشر سنوات في عالم الكبار، وبين الناس والمجتمع الذي لا يعرف شيئاً عنه؟

لم يكن البؤس والفقر أرحم مقارنة بحياته الأولى في بيت العائلة. في بيت العائلة الذي ارتحل عنه كان يتكلم مع جدته التي تعطف عليه متى ما أراد ذلك. كانت تحكي له قصص يسمعها منها الكبير قبل الصغير, وتعلمه أسس الإيمان الذي يجب أن يتحلى بها المواطن الروسي العادي. لكن الآن، وبين الناس، لن يجد من يتحدث إليه أو يفرح معه أو يشتكي إليه فقر الحال، مما ولد في قلبه شعور الحنين إلى الجدة وأبناء الخال.

عمل طاهياً في أولى مراحل حياته، ولم يتم أيام قليلة في المنزل الذي يعمل فيه حتى احترقت يداه، ودخل المستشفى وهو صغير، بعد أن ترك الحساء يغلي فترة طويلة دون أن ينتبه لدرجة غليانه. ثم انتقل بعد ذلك يعمل في بيت أخت جدته، كخادم، ينظف الأواني النحاسية ويمسح أرض المطبخ، ويغسل الصحون، ويتسوق لشراء حاجيات المنزل. هذه الفترة من حياة مكسيم جعلته يصادف أغلب أنواع البشر على مختلف اتجاهاتهم. لم يصادف الاستغلاليين والمتوحشين ذوي القلوب السوداء أمثال معلمته وحسب، بل قابل أناس ممتلئة قلوبهم بالطيبة، وأحبهم, لكن لم يعلم أن أغلب من أحبهم إما خذلوه في حياته، وإما ماتوا بالقرب منه، لا يفصل بينه وبينهم إلا مسافة قليلة جداً. لم يتحمل مكسيم هذا الجو القائم على شتى أنواع العمل الشاق، كصبي في العاشرة من العمر يقوم بكل واجبات المنزل. بل والأكثر من ذلك: تحطيم أحلامه بأن يكون رساماً في يوماً ما. فالمعلمة كما يصفها أليوشا ضربته باللوحة التي يرسم عليها. وتقفز علواً و هبوطاً عليه، مما أفقده الوعي. يقول أليوشا عن فترة حياه في هذا البيت بما معناه أني كنت لا أرى فيما حولي إلا الشر الذي لا يعرف الشفقة .

ها أنا ذا أجلس من جديد
على أرض الطابق العلوي الكبير

أقص قطعاً من الورق
وأذوب قطعاً من قصدير

أتمنى لو كنت كلباً
بحيث أستطيع الفرار

هنا يخاطبني الجميع قائلين :
اخرس , أيها المغفل
وتعلم كيف تطيع الكبار

هرب أليوشا من هذا المنزل ليعيش بين الشوارع والأرصفة، يقتات من حسنات الحمالين في المرفأ، وفي هذه المرحلة دخل أليوشا رحلة العمل الثالثة في حياته. انضم إلى مركب يسمى الدوبري ليعمل هناك غسالاً للصحون. إن فكرة العمل على سطح مركب يوجد فيه عدد هائل من كبار السن يعطي فكرة عن تشكل رؤية مكسيم تجاه العمل والحياة والدين والقيم الإنسانية. كان يدخل في حوارات جانبية مع بعض العمال المختلفين في درجة معاملتهم له عن الحياة ووجود الله ومدى أهمية الإيمان. كانت بعض الآراء مرعبة له ولم يتقبلها عقله، ولكن لم يجد إجابات لبعض الأسئلة التي كانت تطرح بين الكبار، مما أوقعه في حيرة من أمره. و كان هناك بعض ممن اتجه لهم، يستمع لرأيهم في أمور الحياة والدين. مما جعله يتعرض للصدمة بسبب فكرة: أن الإنسان هو العدو الألد للإنسان. لا داعي لذكر ما كان يحدث داخل هذا المركب، فالشقاء والعمل الكثير لم يكن بأقل مما كان أو يتوقعه مكسيم، فالضرب والدخول في مشاجرات والاستماع إلى قصص البحارة وما عانوه هو خط رئيسي في هذه الرحلة. كل قصة يسمعها أليوشا كانت محفورة في ذاكرته. وتعطي خلاصة له عن قيمة دينية أو اجتماعية مفقودة يفتقدها المجتمع الروسي في العهد القيصري.

ترك أليوشا العمل على سطح المركب وتنقل بين عدة أعمال مختلفة، فتارة يعمل في محل لصنع التماثيل الدينية، وتارة يعود لبيت أخت جدته للعمل من جديد كخادمة للمنزل ومربياً للأطفال. وأخيراً يعمل مراقباً في مدينة تائهة يراقب العمال وهم يهدمون في كل خريف الدكاكين الحجرية ويعيدون بناءها كل ربيع. يقول: رحت أفكر وأفكر و أنا أسير، ما أحلى أن أصبح لصاً أسرق من الأغنياء وأعطي الفقراء. ما أروع أن أذهب إلى إله جدتي وعذرائها الطاهرة فأروي لهما الحقيقة كاملة عن حياة التعساء البائسين وكيف يدفنون بعضهم بعضاً في الرمل المخيف بطريقة مؤذية راعبة، وكم على وجه البسيطة من مؤذيات لا جدوى منها، فإن صدقتني العذراء سألتها أن تمنحني الحكمة الكافية لأبدل هذه الأمور وأجعلها أفضل وأكثر رخاء، أن تجعل الناس يصغون لي ويؤمنون بي.

مقارنة بالجزء الأول – طفولتي – كان هذا الجزء غنياً لمكسيم في مجال تشكل رؤيته في عالم القراءة والتأليف الأدبي وحب القراءة. يتميز مكسيم عن غيره من الأدباء الروس بأن الكتاب لديه صعب المنال. القراءة كانت تعني أن يتخذ مكسيم مكاناً منعزلاً في البيت، بعيداً عن أعين العمال أو سكان البيت، على ضوء بقايا شمعة. كان يعاني وهو في سنه الصغير شوقاً ملحاً للقراءة، فيأخذ أحياناً من رف الأواني المنزلية قدراً نحاسياً يحاول بها أن يعكس ضوء القمر على صفحات كتاباً ما. فيصيبه الفشل، ويزداد الظلام في المكان، فيذهب للقراءة تحت ضوء شموع الأيقونات واقفاً، وحين يتعب ينام في مكانه ويستيقظ على صراخ عجوز المنزل وضربها. مجرد أن يتم اكتشافه وهو يقرأ يعني تلقي سيل هائل من الشتائم وأسوء أنواع الأوصاف. إن لم تصل للضرب، وقطع الوعود بعدم قراءة بعض الكتب، خصوصاً الدينية منها. فالقراءة شر مستطير ولا سيما عندما يكون الفتى صغيراً حسب وجهة معارضي قراءة مكسيم للكتاب.

الذين ساعدوا مكسيم في مجال القراءة امرأتان. الأولى زوجة الخياط التي تركت في نفسه أثراً عميقاً. أهدت إليه كتاب من تأليف مونتيبان، بعد أن ذهب إليها محذراً إياها من تصرف الجنود تجاهها. كان أول سطر يقرأه في حياته: البيوت كالبشر، لكل منهما ملامح خاصة. القراءة الأولى لمكسيم فتحت له مجال لم يكن يحلم به. مكّنه الكتاب من الانتقال لعالم آخر، بأسماء وصلات وشخصيات مختلفة، أبطالاً ونبلاء النفس، وأشراراً تتطابق شخصياتهم مع الذين يعاصرهم في حياته الآنية. كل ما في الكتب يبعث على الدهشة إلى درجة أنه فكر بمساعدة بعض أبطال الرواية، ولكن تذكر أخيراً أن من يريد مساعدتهم كانوا على الورق، بينما هو يشاهد بعينه بعض مآسي الكتاب متجسدةً أمامه تجسيداً حياً، بحيث يصعب مد يد العون، وهو شبيه بمثلهم. يقول: أثارت الكتب في نفسي شيئاً فشيئاً ثقة لا تتزعزع وهي أني لم أعد وحيداً في هذا العالم وأني سأشق لنفسي درباً في الحياة. كل كتاب جديد كان يبرز بصورة أوضح الفارق بين الحياة الروسية والحياة في البلدان الأخرى، ويبعث الاشمئزاز في نفسي، وفي ذات الوقت يزداد شكي في صحة أقوال هذه الوريقات المهترئة المصفرة ذات الجوانب القذرة.

الملكة مارغو، الشخصية الأكثر تأثيراً في قراءة مكسيم غوركي وهو صبي. تعرف عليها أثناء هروبه من عمله على ظهر مركب نهري في الفولغا. فاتنة ومثقفة جدًا، يقول مكسيم لولاها لم يكن كاتباً أبدًا. فهي التي دلته على الكتب المتنوعة، كانت تنصحه بأن يقرأ كتباً روسية، وأن يطلع على صميم الحياة الروسية. أهدت إليه في البداية كتاب أسرار سان بطرسبورج، مما تكشف لمكسيم الاختلاف الكبير بين هذه المدينة، والمدن التي قرأ عنها كمدريد وباريس ولندن. كان يزورها بانتظام، وكل مرة يزداد حباً له. ويعتبرها ملاكاً مسخرة له، إلا أنه صُدِم عندما رأى هذه الشابة تمارس الجنس مع ضابطٍ شاب. “ظننتُ أنها ملاك!” , هكذا كان يقول مكسيم عنها. أهدت إليه في الزيارة الثانية وهي الأهم مجموعة من كتابات شاعر روسيا العظيم ألكسندر بوشكين، ومجموعة شعرية للشاعر ليرمنتوف.

ينتهي الجزء الثاني من ثلاثية غوركي، بعزمه الرحيل عن البلدة إلى قازان ويحدوه أمل خفي في إيجاد وسيلة للتعلم والدراسة. وها هنا يبدأ الجزء الثالث من السيرة: جامعياتي. جامعياتي .. أو مع الفلاحين هو الجزء الثالث والأخير من ثلاثية مكسيم التي تحكي سيرة حياته. اعتماداً على عنوان الجزء، يبدو مكسيم كأنه دخل في مرحلة استقرار مكنته من الدخول للجامعة، ومخالطة أبناء الطبقة المتوسطة، وانتهاء مرحلة الفقر والتشرد. لكن بعض العناوين خداعة، تحمل تأويل آخر غير المرسوم في بداية القراءة. الجامعة التي دخلها مكسيم لم تكن جامعة تضم طلاب في سن معينة. بل جامعة كبيرة فيها من شتى صور أنواع البشر. جامعة الحياة تضم إلى جانب الطلاب كل أنواع البشر من المساكين والمشردين والقتلة والثوار والسياسيين والعاهرات. لأول مرة يخالط جماعة الثوار ويتعرف على أبجديات الثورة, وجماعات إرادة الشعب، بعد استماعه لخطاب “اختلافاتنا” لأحد الثوار، يقرأ كتب عميقة مثل كتاب الدولة الديكتاتورية لهوبز، و كتاب الأمير لميكافيللي. الرؤية السياسية والثقافية تشكلت لديه في هذه المرحلة من اختلاطه مع الناس والتعرف على مآسيهم وأحلامهم. بدأ يستخدم كلماته الخاصة القاسية الثقيلة بدلاً مما كان يقرأ في الكتب. وهي كلمات قادرة على التعبير عن تشوش أفكاره .

هذه المرحلة من حياة مكسيم كانت بائسة كسابقها ولكنها ثقفته. كانت بائسة جسدياً وأكثر بؤساً أخلاقياً. فيها ارتحل عن بلدته، وجال خلال الإمبراطورية الروسية لمدة خمس سنوات غير خلالها عمله عدة مرات، عسى أن يجد مهنة توفر له ولو بضع ساعات ينفقها في المطالعة والتثقف. تشربت روحه بروح الشعب وغرست فيه معاناته هذه حب الثورة على الظلم والقهر والصعاب.

أقسى ما في هذه المرحلة كان ابتعاده عن جدته العزيزة، تبين له في شيء من مرارة الألم أنه لن يجتمع مرة أخرى بصديق حميم هو جزء من نفسه. في هذه الظروف الغارقة بالبؤس يصل مكسيم إلى أقصى درجات حياته تشاؤماً وغضباً على الحياة، فيقرر الانتحار والهروب من هذا العالم الذي يتحكم به الأقوياء. وبدلا من أن يصوب باتجاه قلبه ليقتل نفسه، صوب تجاه رئتيه ليعيش ويكتب حياته ومأساته التي تحكي سيرة ألوف من الفقراء. يقول مكسيم في أقصى درجاته حزناً بعد وفاة جدته: أنا لم أذرف شيئاً من دموع ولكنني على ما أذكر بدوت كمن انهمرت فوقه ريح جليدية. أحسست بلهفة طاغية في أن أحدث كائناً من كان عن جدتي، وأن أذكر له مقدار ما كانت عليه من الحكمة والدماثة والرأفة. حملت هذه اللهفة الطاغية في قلبي أمداً طويلاً غير أنه لم يكن هنالك من أستطيع أن أحدثه عن هذه الأشياء. فاضمحلت واضمحلت إلى أن انطفأت دون تحقيق. لم أملك حصاناً أحدثه أو كلباً أشكو إليه. وأسفت على أنه لم يُتح لي أن أبث حزني للجرذان !

4/1/2008

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s