لقد فاتني أن أكون ملاكاً

صباح الخير أيها الليليون..
صباح الخير أيها النهاريون..
صباح الخير يا طنجة المنغرسة في زمن زئبقي..
ها أنا ذا أعود لأجوس كالسائر نائماً عبر الأزقة والذكريات، عبر ما خططته عن حياتي الماضية الحاضرة، كلمات واستلهامات الندوب لا يلهمها القول، أين عمري من هذا النسَج الكلامي؟ لكن عبير الأماسي والليالي المكتظة بالتوجّس واندفاع المغامرة يتسلل إلى داخلي لكي يعيد رماد الجمرات غُلالة شفافة آسرةً، لقد علمتني الحياة أن أنتظر، أن أعيَ لعبة الزمن بدون أن أتنازل عن عمق ما استحصدته، قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتماً طريقها، لا يهم ما ستؤول إليه، الأهم هو أن تُشعل عاطفة أو حزناً أو نزوة غافية، أن تشعل لهيباً في المناطق اليباب الموات، فيا أيها الليليون والنهاريون.. أيها المتشائمون والمتفائلون.. أيها المتمردون.. أيها المراهقون.. أيها العقلاء لا تنسوا.. لا تنسوا أن لعبة الزمن أقوى منا، لعبة مميتة، لا يمكن أن نواجهها إلا بأن نعيش الموت السابق لموتنا بإماتتنا أن نرقص على حبال المخاطرة نشداناً للحياة،

أقول: يخرج الحي من الميت،
يخرج الحي من النتن والمتحلل،
يخرجه من المثخن والمنهار،
يخرجه من بطون الجائعين ومن صلب المتعيّشين على الخبز الحاف.

محمد شكري/ الخبز الحافي

الخبز الحافي.. الجزء الأول من سيرة محمد شكري الذاتية: الخبز الحافي، الشطار، ووجوه. قياساً بالمرحلة الزمنية وتطور الأدب تباعاً حسب التطورات الاجتماعية والثقافية، يعتبر هذا العمل جريئاً بشكل لا يوافق تقاليد المجتمعات العربية، ولكن السؤال: من أين يستمد هذا الكتاب قوته و شعبيته التي جعلت محمد شكري أحد وجوه الأدب المغربي؟ حتى قال في كتابات لاحقة: أنا أريد قتل الشهرة التي منحتني إياها رواية الخبز الحافي! إن الخبز الحافي لا تريد أن تموت، وهي تسحقني، أشعر أنني مثل أولئك الكتّاب الذين سحقتهم شهرة كتاب واحد شأن سرفانتس مع دون كيخوت، أو فلوبير مع مدام بوفاري، أو لورنس مع عشيق الليدي تشاترلي. فالخبز الحافي لا تزال حية رافضة أن تموت، ابنة عاهرة. الأطفال في الشوارع لا ينادونني شكري، بل ينادونني الخبز الحافي. هذا الكتاب يقول لي يومياً ها أنا، هنا، حي!

الخبز الحافي كُتبت سنة 1972 و لم تنشر بالعربية حتى سنة 1982 وترجمت إلى 38 لغة أجنبية. الكاتب يترجم ذكرياته التي عاشها في طفولته ورحلاته في طنجة و تطوان و العرائش و وهران. ذكرياته مع والده – الشيطان كما يسميها شكري – ومع والدته وأخيه الذي قتله أباه أمامه في مشهد مؤثر يعزف على وتر القلوب. يصف شكري في سيرته الذاتية الفقر المدقع الذي وصل إليه أبناء الريف، وكيف كانوا يُجبرون على أكل – الجيف – في سبيل كتم هذا الجوع. يصف الانحلال الأخلاقي في تلك الفترة من تاريخ البلاد تحت ظل الاستعمار. محمد شكري لم يكتم تاريخه أو يخفي جزء من سيرته، بل تكلم بشكل حاد وجريء عن كل شيء. قد يكون الكتاب فضائحي ولا يصلح للقراءة حسب قول البعض بسبب بعض العبارات والأوصاف الجريئة، كل قارئ لديه رأي حسب المتعارف عليه. لكن لدي وجهة نظر كذلك. في رواية بطل من هذا الزمان لميخائيل ليرمنتوف كان بطل الرواية لا يحمل أي ميزة من مميزات البطولة المتعارف عليها، بل كان كسيح أخلاقياً، فاقد للإيمان ومحطم الروح. ليرمنتوف يصف بطل الرواية المحطم، الكسيح أخلاقياً ببطل زمانه. مميزات البطولة هي هذه الأخلاق المحطمة والإيمان المفقود. البطل لا يريد أن يكون محطماً، أو فاقداً للإيمان، ولكن العصر و روح العصر جعلت منه مدمر من الداخل. بطل ليرمنتوف هو نفسه شكري في الخبز الحافي إن كنا سنعطيه دور البطولة و بطل زمانه. هو ليس بمدمر من الداخل، سلك درب التهور الأخلاقي في بداية طفولته، من الشرب و ممارسة كل أنواع الشذوذ ليس بسبب رغبة نفسية دفينة تجاه الجنس الآخر، بل بسبب العصر و روح العصر والفقر و التربية العائلية السليمة التي كانت مفقودة في زمن الاستعمار. حتى التعليم كذلك، الكاتب لم يتعلم القراءة والكتابة إلا و هو في سن العشرين من عمره! مات الكاتب دون أن يترك أبناء يترحمون عليه، لأنه كما قال يوماً، لم يرد أن يرث أبناءه لعنته و أخطاؤه! ..لم يتزوج وليس له أولاد لأنه كره أباه فخاف أن يكرهه أولاده . خاتمة السيرة لا تزال حاضرة في ذهني:
لقد فاتني أن أكون ملاكاً!

أما الجزء الثاني من السيرة، الشطار، فكانت الأروع بالنسبة لي. كتبها شكري بعفوية و صراحة جارحة تنطوي على شيء من التلقائية التي زعم فيها شكري أنها مكتوبة قبل أن تُكتب! تحمل في كل منعطف من منعطفاتها تلك الدهشة الناجمة عن أن يكون في تلك الحياة البسيطة الخشنة الفظة التي عاشها ما يستحق القص. من هنا كان الصدق يشع في الشطار دون أي رغبة في أن يستخلص منها الدروس أو العبر. هذا لا يعني بالتأكيد غياب أي تصور للفكر أو التفلسف. في بعض فصول الشطار الكثير من الموضات الفكرية و التأملات المدروسة بمهارة و تلقائية، واللمحات الفلسفية التي تختزن في شذراتها التجربة و الحكمة دون أن تتعمد إبرازها. تبدأ هذه السيرة التي كرست نفسها لتمجيد الحياة بمشهد الموت. الموت الإنساني الأشمل المتجسد في المجاعة التي اجتاحت الريف المغربي. إذا كانت الخبز الحافي قد بدأت بالموت العضوي والاجتماعي معاً، فإن الشطار تبدأ بمشهد متناقض تماماً، لأنها تبدأ بالميلاد المعنوي المتجسد في الوصول إلى أرض جديدة وبدء تجربة جديدة. الوصول إلى العرائش. في الخبز الحافي لم يكن المكان محدد. الكاتب كانت متنقلاً أو بمعنى أصح هارب. في الشطار تم تحديد المكان في العرائش من أجل التعلم،و هو ما جعل النص أو السرد ينطلق في رحلة مضنية، قاسية و حزينة، و جميلة كذلك للبحث عن الذات و اكتشاف إمكانياتها. عن نفسي وبعد قراءة الجزء الأول و الثاني من سيرة محمد شكري، أُعجبت بالشطار أكثر. كان النص محكماً و قوياً و ثابتاً. عكس الخبز الحافي التي كتبت كما قال شكري بتلقائية شديدة.

لقد خرجت من بلادي حافياً، و وصلت إلى بلد غريب حافياً، ما جدوى ما في الطريق إذن؟ قابلت حفاة غرباء مثلي. طريقنا كانت مختلفة، لكن منفانا كان واحداً. إنهم لا يستعملون الحطب. أنهم دائماً يقفلون حتى نوافذهم. لكل باب عين في وسطها مثل عين سمكة ميتة. من يستطيع أن يدق على أبوابهم! آه من الغربة في المدن! أملنا إذن في أكواخ الجبال و البراري. هناك يجد دائماً الغريب ملجأ له!

19/7/2008

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب عربي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s