رواية الأم – مكسيم غوركي

القارئ لسيرة مكسيم غوركي سيعرف أن هذا الفتى منذ صباه المبكر وحتى أغلب حياة مراهقته عاش عاملاً منخرطاً في سلك العمال. شاهداً على تسلط أرباب العمل وحالة الفقر والجوع والعمل المرهق التي تصيب العمال. والأهم من ذلك أنه عاش حياة مشردة لا تعرف الاستقرار في عمل واحد. تنقل بين عدة مهام كما هو واضح في ثلاثيته التي تحكي سيرة حياته. لقد أخذ غوركي من البيان الشهير لعصبة الشيوعية كلمتين فقط .. وحولها إلا فكرة رواية أدبية .

“يا عمال العالم .. اتحدوا “

هذه الجملة الشهيرة بالبيان تحمل الروح والفكرة الأساسية لرواية الأم لمكسيم غوركي. في هذه الرواية لم يكتب مكسيم عن العمال بوجه خاص. كان يكتب نفسه و هو منخرط في سلك العمال. ويكتب جدته عبر تجسيدها في شخصية الأم، وما تمثله الأم من روح ثورية قادرة على صنع الحياة. و يكتب عن جده في تجسيده لشخصية ميخائيل فلاسوف. رغم صرخات و لعنات مكسيم في ثلاثيته إلا أنها لم تكن تحمل رؤية تجاه أرباب العمال و تحسين مستوى العمال و معالجة الأوضاع الاجتماعية القائمة أساساً على الأوضاع الاقتصادية و السياسية. تشكلت رؤيته أخيراً في روايته الأم.

تبدأ الرواية ببداية العمل في أحد المصانع صباحاً. وكيف يقوم العمال بتلبية النداء صاغرين لما هو مفروض عليهم القيام به من أعمال. أوصاف العمال وكيف يلبون النداء استطاع مكسيم تصويرها بحرفيه اعتماداً على رؤيته ومشاهداته للعمال وهو عامل في شبابه. وأجاد تصوير على وجه الدقة لحظة انتهاء العمل في هذا المصنع. فالعمال بعد انتهائهم من أعمالهم يُطردون إلى بيوتهم أو للشوارع وقد أسودت وجوههم، تفوح من أجسامهم رائحة الزيت و القذارة.

في أحد بيت عمال المصنع تدور الرواية. ميخائيل فلاسوف رجل طاعن في السن و ميكانيكي من عمال المصنع، تتطابق تصرفاته مع أفراد عائلته تصرف رب العمل مع العمال. سكير و عربيد لا يعرف من الحياة سوى التفنن والإبداع في ضرب زوجته بيلاجيا نيلوفنا. وهي بطلة الرواية والمسماة بالأم.

في هذا البيت يسير الابن بافل أحد أبطال الرواية الأساسيين على سيرة أبيه في العربدة والسكر، إلا أنه يتغير بعد وفاة الأب. يتجه للقراءة ، حتى شكت الأم بأن ابنها سلك طريق الرهبنة. ولم تدري بأنه يقرأ كتب ممنوعة تدعو للثورة على أرباب العمل و الدعوة للاشتراكية. كانت الفكرة المطروحة في عقل بافل بأنه إذا أردنا معرفة البؤس في الحياة وما يعانيه الفقراء من ظلم يجب أن ندرس أولاً ثم نعلم الآخرين، خصوصاً العمال. ويجب أن نبحث عن مصادر هذا الشقاء و البؤس لإزالته. وكيف يجب أن يعيش الناس اليوم، لا كيف كانوا يعيشون في الماضي.

يبدأ بافل بتشكيل جماعة ثورية تتألف من الفقراء و العمال المعدمين في منزله. يأخذهم الحديث باتجاه الاتفاق على أهم المبادئ التي يجب الالتزام بها. في هذا الجو القائم على الحوار الساخن و الحاد أحياناً بين أطراف الجماعة، تتعرف الأم على شخصيات فقيرة تدعو للحياة، ملتزمة بخط لا يمكن الحياد على تنفيذه. هي أمية و لا تعرف بالتحديد عن ماذا يتحدثون، و لكن عاطفة الأمومة أخبرتها بأن ابنها كرس نفسه لقضية جوهرية تصب في مصلحة الإنسان الروسي و العامل الروسي, و سبل تدعيم العلاقات الاجتماعية. رغم قلقها على مصير ابنها إلا أنها تفخر بابنها وهي تشاهده يرأس الاجتماعات ويتحدث بأشياء لا تفهمها. ولكنها لم تكن أمه وحده.. كانت أماً لجميع أصدقائه الذين يجتمعون في بيتها: كان حنانها كأم يفيض عليهم جميعا ويحيط بهم، تمنحهم الدفء والحنان ويمنحونها معنى جديد للحياة. فيأخذها النقاش معهم و تقرر الدخول في هذه الجماعة في الأخير، مرغمة بعاطفة الأمومة.

كان بافل وأعضاء الجماعة الثورية يطبعون المنشورات ويوزعونها بين العمال. رغم خطورة هذا الفعل وتربص الجواسيس بهم إلا أنهم قرروا مواصلة عملهم حتى آخر الطريق، لا يحيدون عن الفكرة، والإيمان بقضية العمال المهدورة. كان بافل يهيئ أمه لتلك الساعة التي سيعتقلونه فيها. كان يرفض حتى أن تعبر أمه عن مشاعرها وخوفها ويعتبر ذلك حجر عثرة في سبيل تحقيق هدفه السامي، دون أن يفهم أن مشاعر الأم هي أسمى وأهم من أي قضية أخرى

عليك ألا تحزني، ولكن يجب أن تفرحي. أي متى يا رب يكون عندنا أمهات يفرحن في حين يرسلن أبناءهن إلى الموت من أجل الإنسانية؟

عندما سجن ابنها تابعت هي مسيرته وأصبحت توزع المناشير مع أصدقائه. بدأت الرواية والأم خائفة ومتوجسة من أصدقاء ابنها ثم تعاطفت معهم ومع قضيتهم وفي النهاية تبنت هي القضية وأصبحت كغيرها من الرفاق المناضلين من أجل القضية.

كيف ستكون حياة الأم؟ وما مصير الجماعة الثورية بزعامة بافل؟ هذا ما ستجدونه عند قراءة الرواية. لكن الحقيقة الوحيدة في الرواية، أن الأم كانت ترمز لطريقة أو بأخرى للوطن. رمزاً للمستقبل والنضال والإشراق والتمرد والقوة الإنسانية. أعد من سيقرأ الرواية بعدم نسيان بطل الرواية بافل وهو يخطب في المحكمة بروح حيه ترفض الاستسلام. كان يجسد شخصية الثوري الحقيقية الرافض للعنف، والمؤيد لقيام نهضة اجتماعية وثقافية بين صفوف العمال.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to رواية الأم – مكسيم غوركي

  1. هارون الاصبحي كتب:

    اعجب كثيرا برواية مكسيم غوركي…. واشكر نشركم لها والسماح بتحميل..

  2. azzedine كتب:

    عندما قراءت رواية الام ادركت جيدا باءن مكسيم غوركي ضاهرة من الصعب ان تعاد مرتين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s